EN  |   الرئيسية  |   برامج  |   دروس   |   شروح  |   تطوير  |   فوتوشوب  |   تعريفات  |   أخبار  |   الدليل  |   HP Printer  |   Canon  |   Printers  |   Notebooks  |   Driver Backup
mauritanie
مشاهد نت
Epson  |   Kyocera  |   Lexmark  |   Minolta  |   Toshiba  |   HP Compaq  |   Acer  |   Dell  |   Samsung  |   Lenovo  |   Asus  |   Fujitsu  |   Sager  |   Sony

العودة   |: MUSHAHED NET FORUM :| > الـمنتـدى الإعـلامـي > مقـالات وتحليلات

الملاحظات

مقـالات وتحليلات مخصص للكتاب لعرض مقالاتهم ومتابعة ما ينشره كبار الكتاب في الوطن العربي لعرض الرأي والرأي الآخر


mauritanie

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-26-2013, 04:55 AM
الصورة الرمزية mubdi3
mubdi3 mubdi3 غير متواجد حالياً
مراقب قسم البرامج
 




mubdi3 مرحب به
افتراضي مصر من الثورة إلى الانقلاب - أبو العباس ابرهام

بسلمة

مصر من الثورة إلى الانقلاب
أبو العباس ابرهام


على موسوعة ويكيبيديا دار نقاش كبير بين المتصفحين حول تعريف حدث 30 يونيو في مصر وهل هو انقلاب أو ثورة. وفيما لم يجد الكثيرون، وصلت أعدادهم منذ أيام إلى أكثر من 30000 شخصا، شكاً في أن ما حدث ثورة شعبية، فإن الكثيرين أيضا رأوا في المقابل أنه انقلاب عسكري بلا مراء. من بين الحجج التي قدمها الثورويون أن ويكيبيديا تُنافق عندما تعتبر حدث 11 فبراير 2011 الذي أطاح بمبارك ثورة ولا تعتبر حدث 30 يونيو ثورة مع أن كلاهما بدأ بهبّة شعبيّة وانتهى بتدخلّ المؤسسة العسكريّة وإطاحتها بالرئيس. أما رافضو ثورية 30 يونيو فقد رأوا أن 30 يونيو، (أو على الأصح الثالث من يوليو) عكس 11 فبراير، لا يتعلق باستجابة المؤسسة العسكرية لإجماع شعبي، بل بتفضيلها موقف طرف سياسي ضد طرف آخر. وقد رأت ويكيبيديا أن وصف الحدث المصري بالانقلاب هو الوصف السائد في الصحافة الغربية، لذا اعتمدته.
وإضافة إلى هذا استفاد رافضو الـ30 يونيو لاحقا من تقارير صحفية غربية على النيويورك تايمز والوول ستريت جورنال والنايشن تسلّط الضوء على أدوار المؤسسة العسكرية من خلال رصد لقاءات مع نشاط حركة "تمرد" ودور رجال أعمال (رغم أنها لم تكن تعلم بدعم الأخيرين لها)، وتسلط الضوء على صناعة أزمة طاقة في دعم الحركة قبل الانقلاب. وفوق كل هذا، فقد تمّ التشكيك في مزاعم الملايين الكثيفة جداً والقياسية لثورة الثلاثين يونيو.
ليست الأدلة المقدمة إلى حدّ الآن من جميع الأطراف حاسمة بالنسبة للمؤرخين. فبالنسبة لموضوع كثافة الحشود فإنه بغض النظر عن مراجعتها فإنه يبقى من المسلم أنها كانت أضخم من حشود ثورة يناير الملحمية التي أطاحت بمبارك. أما حجة "هندسة الثورة" من خلال أدوار كواليسية للمتنفذين فإن هذا لا يلغي مبدئيا القيمة "الثورية" للانقلاب، بل إن الحجة، بما هي محاولة تفكيك عناصر الثورة من خلال إظهار عدم أصالتها، تنتهي عن غير قصد إلى التركيز على جانب منها طالما نكرته وهو محورية ومركزية الاحتجاجات الشعبية (بغض النظر عن زيفها من حقيقها)، التي حتى ولو أثبتت عدم صدقية قادتها فإنها تبقى عاجزة عن إثبات عدم صدقية الملايين ممن آمن بدعوتها ولا يمكنها إثبات أن خروجهم كان تعاقداً كواليسيا مع العسكر، ولا حتى علمهم برهانات العسكر التي لم تتكشف إلا بعد الانقلاب. بقدر ما تنقل هذه النظرية الاهتمام إلى الشعب بقدر ما تحيل إلى دوره المركزي، وهو أمر حرص اعتذاريو الإخوان المسلمين بذكاء على إنكاره.
من ناحية أخرى فإن الثوريين الذين اعتبروا أن ما حدثَ ثورة شعبية ضد "الأخونة" وضد فشل التجربة الإخوانية فإنهم يبقون حائرين أمام العناصر الانقلابية في هذه الثورة ويبقون بلا أجوبة أمام التوجه المتقادم لهذه "الثورة" إلى سيناريو الانقلاب وإلى النخبوية وإلى تحييد فئات الجماهير العريضة. فقد زعمت "الثورة" أنها ردة فعل على الإقصاء السياسي وانتهت-أو على الأصح ابتدأت-بإحدى أكثر قصص الإقصاء السياسي قوة وشكيمة. لقد كانت ناقمة على استفراد قوة سياسيّة وحيدة بسلطة لها فيها حق فأفضت إلى انتزاع كل شيء من هذه القوة السياسية، حتى حقها المدني الاعتيادي. لقد زعمت "الثورة" أنها ردٌ على فشل المسار السياسي الذي قام (بتوافق عسكري-إخواني) بتأجيل قضية الدستور واستباقه بقضية الانتخابات فيما يشبه صكا أبيض على بياض ديكتاتوري ثم وقعت "الثورة" في نفس الخطأ. لقد قالت الثورة أنها أتت لإنقاذ مصر من الاستقطاب السياسي ودفعت بها إلى أكبر استقطاب سياسي معاصر. لقد قالت الثورة إنها تصحيح للمسار الديمقراطي وكان أول ما بدأت به إغلاق القنوات التلفزيونية ومنابر المخالفين وحرق مقراتهم ومطاردتهم كما لو أنهم عصابة أشرار وليسوا حزبا شرعيا وسياسيين ذي شرعية ومصداقية.
إن سؤال الثورة أو الانقلاب هو سؤال يتجه إلى أن يصبح سؤالا تاريخيا. أما في الحاضر فإن نظاما أقلّ تشاورية يتبلور ويتوّطد. وسيتبيّن يوما بعد يوم أن نخباً ذات رأسمال سياسي/عسكري سرقت هبة شعبية كبيرة وحولتها إلى سلم للارتقاء.
وليس هذا فحسب بل ترادف هذا التحول المأساوي لـ"الثورة" إلى فاشية ضد الفلسطينيين واللاجئين السوريين والعراقيين وواصل النظام الجديد تدمير المنافذ إلى غزة، (التي كان الرئيس مرسي قد شرع فيها)، والتي هي المتنفس الوحيد لـ"دولة غزة". (تناست أقلية الأقلية من اليسار الزائف تعاليم تروتسكي الذي رفض أي ثورة لا تمد يدها إلى القوى الثورية خارج البلاد، بدل أن تنغلق أمامهم بالشوفينية الستالينية، والتحقوا بفاشية الانغلاق على الذات وشيطنة اللاجئين والتحالف مع المال الوهابي التيوقراطي).
حاصله: لم يكن حراك الثلاثين يونيو مسرحية سلطوية مصرية. لقد بدأت حركة الثلاثين يونيو حركة تاريخية كبيرة حشدت الملايين وألهمت الكثيرين من الناشطين والسياسيين ونماذج التغيير في معظم دول العالم العربي بما فيها دول الربيع العربي من تونس إلى المغرب. غير أن مآلات هذا الحراك اللاحقة حوّلته، إلى حد الآن، إلى أداة بيد نخبة ضيقة ذات أجندات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير ثورية وغير ديمقراطية.

2-عدلي الثاني
ذات مرة كان لدى مصر رئيس اسمه عدلي. ولقد بدأتُ بمبالغة، فهو لم يكن رئيساً حتى بالمعاني الصوريّة المعاصرة بل كان رئيس وزراء. ولكن "الرئيس" في اللغة المصرية فيما بعد 30 يونيو 2013 هو نفسه رئيس الوزراء أيام عدلي الأول. في كلتا الحالتين هو تالٍ في السلطة على ملك أو جنرال، على ملكية أو عسكرتارية. كان عدلي الأول هو عدلي يكن (1864-1933). وعندما أصبح وزيرا في 1921 فإنه تعرّض لكماشة قوية: القوة الاستعمارية من فوق والقوى الوطنية من أسفل. كان يحارب اللورد كرزون في المقامات الدولية ويحارب سعد زغلول وقوته الشعبية العاتية في دهاليز السياسة المحلية. كان "الوفد" أول قوة شعبية سياسية قادرة على تأجيج الشوارع وإيقاظ الهمم الوطنية وإسقاط الحكومات. ومن ناحية أخرى فرضت القوة الدولية على نظارة عدلي الأول تبعية؛ وتلازم هذا مع عصف المعارضة به فاستطاعت نزع شرعيته وغطاءه السياسي وأدّت إلى إسقاطه في نوفمبر 1921.
اليوم يوجد بمصر "رئيس" بمقام وزير اسمه عدلي منصور. وتماما كعدلي الأول فهو يقع بين كماشة المعارِضة في الأسفل والقوى الدولية في الأعلى. الأخيرة تعلّق بدهاء تعريفها للانقلاب وتجوس بلورداتها وباروناتها خلال الديار المصرية في انتظار ما ستؤول إليه الأمور. يعني هذا رهانها على التوقيع على بياض على مطالبها (وهي بالمناسبة نفس المطالب التي وقّع لها الإخوان المسلمون عليها). وتماما كما في عهد عدلي الأول فإن عدلي الثاني يواجه أيضا قوى وطنية بالحجم التاريخي للوفد: "الإخوان المسلمون" الذين، مثلهم مثل "الوفد"، يريدون استعادة تاجهم الذي أخذ منه عنوة. يمكن للإخوان المسلمين، إذا تقلقل وضع حكومة عدلي الثاني دوليا ومحليا، أن يطيحوا بها. وفي المقابلة تأمل الحكومة في التغدي بالإخوان قبل أن يتعشوا بها.

3-الصراع
هذه النوايا المُبيّتة هي وجه الرهان السياسي اليوم في مصر. وبغضّ النظر عن نظريّة الحق والأحقيّة فإن الصّراع هو صراع كسر العظم؛ وقد ظهر فيه وجهان جديدان لكل من العسكر والإخوان المسلمين. فلأول مرة أظهر الإخوان المسلمون نية صراع مصيري، وهم من أحجموا دوما عن مواجهة عنيفة مع العسكر أو الأنظمة السابقة (بايعوا مبارك في الثمانينيات وتبنوا استراتيجية عدم التعرض لشخصه والاكتفاء بانتقاد وزراءه وجلسوا مع العسكر في أحلك ساعات الثورة وقبلوا تقسيم العمل مع العسكر ومع الأمريكان فيما بعد الثورة).
أما العسكر فقد ساهمت طبيعة الدولة الناصرية وورثتها في تخصيص مدارات كواليسية وحدائق خلفية لهم تسمح لهم بالانتعاش بدون تصادم مع المدنيين. ففي دولة القطاع العام المهيب التي بناها عبد الناصر وجد العسكر امتدادات إدارية في جسم الاقتصاد. ولم يتعرض لهم انفتاح السادات الذي سمح لاقتصادهم المتمدد بالمنافسة مع السوق الحر من خلال إعفاء شركاتهم الغذائية والنسيجية من الضرائب والتعريفات الجمركية. وهكذا تمّ خلق نموذج لجيش متمكن اقتصاديا واجتماعيا دون أن يكون له دور سياسي. وبفعل تاريخ طويل من الانسحاب السياسي قصُرت أنياب الجيش وصامَ عن السياسة.
ولم تكن اللحظة الطنطاوية غير حالة استثنائية سرعان ما وقفت المؤسسة العسكرية ضدها وهندست انقلابا داخليا ضدها وقبله الرئيس المنتخب محمد مرسي. وهكذا ظهرت قيادة جديدة عسكرية تحت إمرة الفريق عبد الفتاح السيسي تنسحب من السياسية ويعترف السياسيون باستقلالها في تسيير اقتصادها ولا يتجرؤون عليها. وكان الرئيس مرسي كريما فزاد أن أعطى للعسكر صلاحيات محاكمة المدنيين وتعيين قضاء خاص بهم بدون الرجوع إليه ولا إلى أي سلطة مدنية أخرى.
ولوهلة بدا أن المياه عادت لمجاريها وأن الفريق عبد الفتاح السيسي، المتدين وذو العلاقات العائلية مع الإخوان، لن يمدّ يده إلى الجراب المدني. وكانت هذه فكرة غير غبية إلى جاء الحدث الاستثنائي المتمثل في انتفاضة 30 يونيو على حكم الإخوان. كما يحدثُ كثيراً فإن حالة الاستقطاب القوى في الشارع وضعت المؤسسة العسكرية في حالة تفكير سياسي. ولم تكن هذه أولى الحالات التي وجدت فيها المؤسسة نفسها هكذا، ففي نوفمبر 2012 حدث صراع مجتمعي غداة قيام الإخوان المسلمين بالشروع في بناء دولتهم التيولوجية والسلطوية بآليات غير دستورية ومخالفة لأعراف الديمقراطية ومبادئ المسائلة الدستورية وأخلاقيات الانتقال الديمقراطي.
رغم هذا فإن ضعف المعارضة في حينه جعل العسكر، رغم أنهم لم يكونوا مقتنعين بديمقراطية ودستورية قوانين مرسي كما سيثبت لاحقا، يراهنون على الطرف الرابح. كانت أهمية انتفاضة يونيو 2013 على مستوى علاقة القوى هو أنها خلخلت التحالف بين الإخوان والعسكر وجعلت الإخيرين- كالعادة- يراهنون على الطرف الذي بدا أنه الأقوى. فبعد أشهر بدا أن حكومة الإخوان أصبحت فاقدة الشعبية وفاشلة في الأداء ولم تجعل مقارنة تظاهرات التحرير ورابعة العدوية أحداً في شك من ضعف فريق الشرعية أمام فريق الثورة.
ولكن الصراع لم يكن مجرد صراع الإخوان المسلمين ضد العسكر وبقية الطيف السياسين، بل إن جزءاً أساسيا من الصراع كان الاحتراب الداخلي بين الإسلام السياسي الإقليمي. للمفارقة ساد اعتقاد تبشيري إسلامي بأن السياسة ستنتهي بعد الصعود الإسلامي. وظهرت الأنماط الهنتغتونية بخصوص تسيد إسلامي خالص ولا تسود فيه التقاطيع ولا الاختلافات ويتم توجيهه ضد الغرب. للمفاجأة كان من مفارقات الصعود الإخواني تحالف قوي مع الغرب وانشقاق في الصف الإسلامي. ولم تكن الحرب الإخوانية-السعودية غير حرب على سيادة الإسلام السياسي.
إن السعودية هي بالنهاية دولة إسلام سياسي وهي إحدى الدول القلائل التي يسود فيها تأويل حرفي للدين وهي ممول عالمي لأنماط التدين الوهابي وبث الورع السلفي في العام. وعلى مدى العقود تمكنت من مزاحمة البرجوازية الليبرالية العربية ببرجوازية ورعة ومتمولة. للمفارقة فقد بدأت هذه المزاحمة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات باحتضان الاخوان المسلمين، الذين سرعان ما أصبحوا "فرانكنشتاين" فيما بعد الثورة العربية 2011 وامتلكوا دولا كبيرة أصبحوا منها قدرين على تصدير ثورة البرجوازية الورعة حتى إلى الخليج العربي حيث أصبحت لهم امتدادات واسعة محبذة لنموذجهم "الوسطى" وناقمة على النموذج الوهابي الأكثر تزمتا.
وهكذا توّلدت وازدحمت المخاوف الخليجية بصراعها على قيادة الوعي الجديد. ومع تصلّب نظام الإخوان غداة وصوله للسلطة فإن الخليج كان قد خلق نواة إسلامية بديلة لم يرض الإسلاميون في جملة استمتاعهم بالعزة بإشراكها في الحكم. وساهم هذا الإباء الإخواني في توسيع الهوة بين الإخوان والخليج ليس من باب موقف إخواني مؤدلج ضد الخليج، بل بسبب عدة عوامل ليس أقلها احتكار الإخوان السلطة الذي تضررت منه أذرعة الخليج في مصر. وليس أقلها بطبيعة الحال خوف الخليج من نجاح التجربة الديمقراطية في مركز العالم العربي وتمددها إلى بلدانه. أما العامل الآخر فكان حرب المحاور داخل الخليج وتركيا. ورغم أن محور قطر-تركيا-ليبيا حاول إنقاذ نظام الإخوان المسلمين في مصر بضخ ثماني مليارات دولار إلا أن محور السعودية-الكويت-الإمارات قام بتمويل إسقاط الإخوان بإثنا عشر مليار دولار تشجيعا للتجربة.

4-التوازنات داخل النظام
حتى قبل المنعطف الجديد للثورة المصرية كان هنالك من استشرف جولة جديدة من المواجهات يتم فيها حسم التناقضات داخل القوى الثورية المصرية المتنافرة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين الديني. لجأت النظرية الثورية كما هي عادتها إلى توقع صراع يعاقبة وسراويل طويلة أو بلاشفة ومناشفة أو صراع الثورة والنظام القديم في مسار ديمقراطي جديد ينتهي بانتصار الثورة أو إعادة تغيير النظام القديم كما هو الحال في بلغاريا ورومانيا وتجربة أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية عموما. لقد أظهرت الأحداث اللاحقة لمبارك أن هنالك اتجاها تحالفيا بين الإخوان والعسكر تمّ بموجبه تحييد القوى الثورية الشبابية والليبرالية واليسارية. وجاءت الانتخابات، التشريعية والرئاسية، لتؤكد هذا. كان انقلاب الثالث من يوليو إعادة لكتابة هذه المعركة، فقد اسفرت عملية "الأخونة" عن رفض التشارك مع القوى الثورية. وبدا أن نظام الإخوان أقرب إلى العسكر وحتى نظام مبارك منه إلى بقية القوى الثورية.
لقد افترض الكثيرون أن ما يحدث هو صراع داخلي في القوى الثورية سيؤدي إلى تقويض مسار الثورة أو جعلها تقدم تنازلات. بينما ذهب البعض الآخر إلى الاعتقاد أن عقبة الإخوان قد انتهت وأن الصراع انفتح الآن بين الثورة وبين النظام المباركي. أما المفكر اليساري، جوزيف مسعد، فقد كان أكثر تشاؤما عندما اعتقد أن ما يحدثُ هو تغرير بالقوى التقدمية يسمح بعودة للمباركية بدون مبارك. فيما يقدم بنجامين بارت صورة ديناميكية ترى أن مكونات المشهد السياسي في مصر هي ثلاثة وحدات: القوى الثورية والنظام القديم والإخوان المسلمين، وأن نوعية الاصطفاف تتعلق دوما بتوحد طرفين ضد طرف ثالث. في البداية اصطف الثوار والإخوان ضد النظام القديم (ثم اصطف الإخوان والعسكر ضد الثوار) ثم الآن يصطف الثوار والنظام القديم ضد الإخوان.
يبدو أن توازنات القوى متأرجحة جدا وستكون جزءاً أساسيا من معركة كسر العظم بين القوى المتصارعة. فإذا كانت القوى المعارِضة للإخوان أيام حكمهم نجحت في انتزاع يمينهم الإسلامي منهم وباعدت بينهم وبين رفاق المعارضة أيام مبارك من القوى السياسية والشباب الثوار وحالفت بين هؤلاء مع النظام القديم، فإن الوضع الجديد بكل قيمه الشوفينية قادرٌ على تنفير قوى كثيرة وإعادة اصطفافها مع الإسلاميين. فقد نبعت مخاوف إسلاميين غير إخوان من خطاب الكره ضد الإخوان المسلمين الذي سمح لقوى شوفينية بتبرير مذبحة القصر الجمهوري، التي تحيل كل المؤشرات أنها كانت مذبحة عسكرية متعمدة، وسمح بالدعوة إلى تصفية الإخوان وحلّ حركتهم ورفض المصالحة معهم، وإقصائهم حتى من مفهوم الوطن، إضافة إلى تنامي حقد فئوي ضد الإسلام السياسي عموما.
يمكن لهذا أن يقدم أثراً عكسيا فيؤدي إلى تحالف الإسلام السياسي ضد النظام الجديد ويعيد الاستقطابية الأيديولوجية إلى صورة بنيوية غير معهودة. وقد بدأت بالفعل بوادر هذا تحدث من خلال تذمر حزب النور من الوجه الجديد للسلطة الجديدة. أما عبد المنعم أبو الفتوح، الرمز الجديد للإسلام الوسطى، فبرغم استمراره في انتقاد النظام الإخواني المطاح به إلا أنه أصبح على وعي بمخاطر خطاب الكره ضد الإخوان، كما أصبح مدركا لطرفية النظام الجديد، على الأقل من خلال حكومته.
أكثر من هذا، يمكن لهذه الفاشية الصاعدة أن تؤدي إلى موجة فقدان إيمان بالديمقراطية في أوساط اليمين الديني وتؤدي إلى جهادية جديدة. فبغض النظر عن علاقة الإخوان المسلمين بالعنف فإن هنالك علاقة متنامية بين الجهادية في سيناء وبين إسقاط الرئيس مرسي. ويظهر قادة الإخوان قناعة أن العنف في سيناء سيتوقف عندما ينتهي الانقلاب. وفوق هذا يأمل الإخوان المسلمون في إثارة صدع داخل المؤسسة العسكرية من خلال كسب الضباط الصغار إلى جانبهم (رغم أن هذا المشروع لم ينجح عندما حاوله مرسي للمرة الأخيرة قبيل سقوطه عندما استدعى اللواء إبراهيم وصفي، قائد الجيش الثاني، للإطاحة بالجنرال السيسي. لسوء الحظ لم يأت الجنرال وصفي في الوقت).
ومهما يكن من أمر فإن الإخوانية لا تمتلك غير الاستمرار في النضال ضد العسكر، ليس فقط بالسبب المثالي المتمثل في الدفاع عن "الشرعية، بل لأن النزول للشارع يخلق التماسك الذي افتقدته الحركة في أيام تمكنها ويمنحها آليات الحفاظ على وحدة الصفوف وتفادي حالات الشقاق من خلال إبقاء التضامن والنضال المشترك مفتوحا بين المعتصمين؛ وإبقاء التعبئة مفتوحة، والحصول على دعاية، ومنع قهر الحركة باعتقالات جماعية تمس صفها الثاني التعبوي.
في المقابل يأمل النظام الجديد أن يحافظ على انقسام الشق الإسلامي الذي ورثه وقام بالثورة على أساسه. وفي هذا الإطار يتصاعد المد السلفي لوراثة الإخوان المسلمين ولعب ورقة الإسلام السياسي الأصيل، الأكثر نضجا واعتدالا. وأصبح مألوفا رؤية السلفيين يتهمون الإخوان بالإرهاب. يعتقد النظام أنه وضع الإخوان المسلمين وراء ظهره. وانه يمكنه أن يناور بمسار انتخابي سريع يترجم به هزيمة شعبية للإخوان وإخراجهم من التاريخ. كما يأمل في تفكك داخلي في الحركة، إما من خلال سيناريو 1954 الذي استعان فيه جمال عبد الناصر بعنف الإخوان (الجهاز السري وحادثة المنشية) من أجل كسرهم بإرادة شعبية (حرق مقراتهم من قبل النشطاء الناصريين) وحكومية (تدمير نواتهم التجارية قرب السويس)؛ أو من خلال هزيمة الحركة بـ"قوة الأشياء" (هذا التعبير السارتري) والمراهنة على عمليات مراجعة وانشقاق في داخل الحركة (كما هو حال حركة "إخوان بلا عنف" مثلا، وربما جماعة "إخوان أحرار").

5-النيوليبرالية
ييعتقد هرناندو دو سوتو، الذي قام بتحليل حالات الانتحار الثوري في الربيع العربي بما فيه حادثة البوعزيزي أن الثورة العربية لا تتعلق بالربيع الإسلامي وإنما تتعلق بمطالب حقوق الملكية وحرية البيع والشراء. إنه يرى الربيع العربي أقرب إلى "الثورة المجيدة" الإنجليزية 1688 منه إلى نموذج الثورات الأخرى، فهي بحسبه تتعلق بمطلب رأسمالي. ويرى دو سوتو إأن هذا يفسر عدول المصريين عن حكم الصناديق ويفسّر عوة الثوار إلى ميدان التحرير وإسقاطهم لحكم الإخوان المسلمين.
ولا شك أن عدة محللين رأوا أن فشل الإخوان في تثوير الحالة المصرية واستمرارية من نوع ما بين نظام الإخوان ونظام مبارك هي المحرك الأول للنقمة عليهم. غير أن النقطة التي غفلها دو سوتو هي المنحدر النيوليبرالي الذي تسارعت الوتيرة إليه بعد سقوط مبارك، والذي، بعكس تحليلات دو سوتو، أدى إلى انسحاب الدولة من الاقتصاد ورفع عوائقها عن عملية البيع والشراء. فعندما وصل الإخوان إلى الحكم فإنهم استجابوا لتوصيات دو سوتو وأسفر نمط حكمهم عن تراجع دخل الدولة الضريبي مع زيادة عجز في الميزانية.
تتكون حركة الإخوان المسلمين من رافعة اجتماعية هي الطبقة التجارية الصغيرة التي تجد مصالحها في سوق حر، لذا لم يظهر الإخوان أي اهتمام باقتصاد اجتماعي أو ضرائبي، وفي المقابل تمّ تكسير العوائق القطاعية أمام الاقتصاد الرأسمالي. ولولا رافعة الدعم المالي الذي قدمته قطر وتركيا وليبيا، والذي وصل إلى 12 مليار دولار، لكان الإخوان قد استجابوا مطلقا لشروط النقد الدولي بإلغاء آخر الحماية على الاقتصاد الاستهلاكي. وقد رفع الرئيس مرسي نفسه هذه الحماية في التوقيت السيئ أيام الاحتجاجات على إعلانه الدستوري غير المحظوظ، ثم تراجع عنها بعد ساعات. وتشير المفاوضات مع النقد الدولي أن النظام الإخواني كان يتجه لقبول القرض بشروط النقد الدولي.
بعكس أطروحة دو سوتو فإن السؤال هو هل يفضل المصريون نزع الحضانة الاجتماعية عنهم أم يؤيدون بقائها؟ هل يفضلون طلعت حرب أم أحمد نظيف؟ إن ثورة يناير 2011 كانت أساسا ثورة ضد النيوليبرالية.
يمكننا أن نخمن في انعكاسات هذه التركة في ظل النظام الجديد. منذ أيام مبارك وشخصيات مثل حازم الببلاوي معروفة برمزيتها الليبرالية. وفي وقت من الأوقات كان نظام مبارك يريد من الببلاوي أن يخلف عاطف صدقي، صقر الليبرالية المباركية. ويُظهر أرشيف مقالات الببلاوي إيمانا دفينا بسوق حر بلا عوائق وبيد خفية بالتصورات الكلاسيكية. ومن الواضح أن كل وزراء المجموعة الاقتصادية في وزارة الببلاوي هم ليبراليون وليبراليون جدد. رغم هذا إلا أن النظام القادم يريد التمسك بشعبوية تبقي له مداً شعبيا. وقد بدأ يترجم هذه الشعبوية بسيناريو تمثيلي من نوع الجأر ضد إسرائيل، في نفس الوقت الذي يعرفُ فيه الجميع، أنه مجرد رصاص شفهي.
غير أنه على مستوى مآلات الاقتصاد فإن النظام يتجه إلى تقيم تنازلات اقتصادية للطبقة الوسطى ولسواد المستهلكين. وهو يفعل هذا ليس عن إيمان بل عن انتخابوية وربما عن مصالح قطاعية عسكرية. ومن الواضح أنه، مثله مثل نظام الإخوان، يستفيد من الدعم الخليجي ليستطيع ولو قليلا النجاة من شروط المانحين. إن تجربة الانقلاب التايلاندي 2006 والموريتاني 2008 تشير إلى أن السلطة الجديدة الانقلابية تستطيع تحقيق قاعدة شعبية نسبية لها بفعل شعبوية اقتصادية سرعان ما ستتخلى عنها عندما تتمكن من السلطة. ومن الواضح أن الخدعة للنظام الجديد تتجه إلى شراء السلم الاجتماعي من خلال إبقاء نظام الدعم الاقتصادي وتأجيل المفاوضة مع النقد الدولي حتى ما بعد الانتخابات والإنفاق بسخاء في البرامج الاقتصادية ومكافحة البطالة والانفاق على الأمن، وهي البرامج التي أدى الإخفاق فيها إلى زيادة وتيرة النقم المجتمعية ضد النظام الإخواني.

6-أمريكا وإسرائيل
لقد تلاعب الصراع السياسي المصري بتسويق المواقف من إسرائيل وأمريكا. وقد نتجت عن عن هذا حركات بهلوانية من كل الأطراف. أرادت كل قوة مجافاة أميركا وإسرائيل وتقديمها مناصرة للطرف الآخر. لقد رفضت حركة "تمرد" لقاء المبعوث الأميركي، متهمة بلده بالتعاون مع الإخوان وبدعم إسرئيل. ومن ناحية أخرى قام الفريق عبد الفتاح السيسي بالتهديد بمحو إسرائيل، كما قامت المصالح الديبلوماسية المقربة منه بتقديمه في صورة عبد الناصر وتسويقه عدوا للغرب. وذهب الواشنطن بوست إلى درجة اعتبار أن الهيبة الأميركية سقطت مع سيطرة الجنرالات في مصر (لعد أسباب منها شوفينية الأحزاب المصرية وفشل باراك أوباما في استخدام المساعدات الأميركية في فرض أجندة حقوق الانسان على مصر).
في المقابل تصور دعاية الإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية النظام الجديد عميلا لإسرائيل وأميركا. ويتم هنا الحديث أحيانا عن تنسيق الانقلاب مع إسرائيل وأحيانا مع أميركا ويتم غالبا تسويق تقديم الآراء في الصحافة الإسرائيلية الداعمة للانقلاب على أنها دليل قاطع (رغم أن الصحافة الإسرائيلية، ككل الصحافة تقدّم تباينا في الآراء، وفيها آراء تدافع عن الإخوان كما فيها آراء تدفع ضدهم).
الحقيقة، كما يرى جوزيف مسعد، هي أن الصراع ليس ضد أميركا بل هو عليها. إن التزمير الليبرالي ضد أميركا ليس إلا عتابا لها على عدم الاصطفاف بشكل واضح معهم، ونفس الشيء عن الموقف الإخواني. فقد ظلّ الإخوان المسلمون حليفا جيّداً لأميركا ولإسرائيل طوال فترة حكمهم. بل إن نظام الإخوان قدّم خدمات عجز عنها نظام مبارك كتدمير الأنفاق والمعابر بين مصر وغزة، وهو الأمر الذي واصله النظام الجديد بدون قطيعة. لقد كسبت إسرائيل فيما بعد مبارك سلطات أمنية ضد الجهادية في سيناء وسلطات مصرية تقمع حماس وتقدم ضمانات بعدم قصفها لإسرائيل. بل إن نظام الإخوان المسلمين بارك تنازلا عربيا عن أراضِ فلسطينية وذلك مقابل عودة المفاوضات مع إسرائيل برعاية جون كيري في مايو 2013. كما كسبت إسرائيل انتصار محور قطر-تركيا-مصر-حماس بدل محور إيران-سوريا-حماس. المحور الأول كان محوراً قتاليا (أحيانا). المحور الأخير كان محور هدنة وإعمار.
لقد تنبأ المحلل الإسرائيلي تسيفي برعيل في وقت مبكر أن صعود الإخوان المسلمين سيؤدي إلى إلقاء حماس السلاح. ومن الواضح ان زيارة أمير قطر لغزة ووساطة مرسي في صراع غزة في نفمبر 2012 وعودة خالد مشعل في ديسمبر اللاحق لم تكن مؤشرات قتالية لإسرائيل. ومن الواضح أن السلطة الجديدة في مصر نسّقت، حتى قبل سقوط مرسي، تعاوناً مع إسرائيل في سيناء وغزة. وأخذت إذنها ببعث قوات إلى سيناء.
الحقيقة أن إعادة نقاش الامبريالية وقضية إسرائيل هي موضوع متأخر بعد عامين على بدء الثورة، وهو مؤشر دعائي من الطرفين أكثر مما هو موقف جدي. ويبدو أن القوى المتصارعة، التي لها تاريخ في التحالف مع الأمريكان، لن تسعى في لحظة البحث عن حلفاء عن خلق أعداء، خصوصا أعداء كبار، وأنها تستخدم أوصاف العمالة بشكل دعائي وتأجيجي محض. إن استراتيجية الإخوان المسلمين لإفشال الانقلاب تريد مساعدة أميركية. ولا شك أن الإخوان كانوا حليفا للسفيرة آن باترسون حتى آخر لحظة. كما أن السلطة الجديدة، التي هي في جوهرها قائمة على ذراع العسكر، الذين هم حلفاء تاريخيون للأمريكان، هي تعتمد على تهدئة الأوضاع وإبقاء التحالف المصري الإسرائيلي والأميركي على ما هو عليه.
رغم هذا يجب النظر إلى طبيعة الامبريالية الأميركية في مصر، فهي لا تقوم على الهيمنة التقليدية ولا حتى على مجرد شراء الجيش أو مجرد شراء اتفاقية كامب ديفيد. الحقيقة أن أميركا هي، بمعنى من المعاني "هبة النيل" (وصف هيرودوتس لمصر). إنّ 12% من التجارة العالمية و22% من الحاويات يمرّ عبر قناة السويس. ومازالت قناة بنما الضيقة غير قادرة في هذه السنوات، قبل توسيعها، على تمرير الناقلات الكبيرة التي تزوّد الولايات المتحدة بمعظم البضائع التكنولوجية القادمة من آسيا كالهواتف والألواح الالكترونية ولوازمها. لذا تبقى قناة السويس المعبر الوحيد إلى أميركا. إن الولايات المتحدة التي تجد نفسها رهينة دولة ثغور في الشرق الأوسط لهي مقيدة بالتعامل مع السلطة في مصر.
وفي ها الإطار ستضعف قوة الولايات المتحدة على المناورة والتحارب مع السلطة الجديد، وفي الواقع أي سلطة في مصر. وستبيع حليفها محمد مرسي تماما كما باعت حليفها محمد حسني مبارك، ضاربة عرض الحائط بقيمها وقوانينها. ويعتقد الإخوان أنه يمكن المراهنة على أصدقاء كونغرسيين أمثال جون ماكين وباتريك ليهي، غير أن الكونغرس الأميركي سبق له دوما أن "تفهّم" الحاجيات الأميريكة وشرّع انقلاب برفيز مشرف لدواعي التحالف في "الحرب على الإرهاب" في 2001. وبالفعل فقد اقترح مجلس النواب الأميركي إنفاذ المساعدة الأميركية السنوية لمصر بشروط رمزية تتعلق بإجراء انتخابات وبتخطيط اقتصادي معين.

7- أي مستقبل للانتقال الديمقراطي؟
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح في هذا المنعطف الجديد هو مصير عملية الانتقال الديمقراطي. ولا شك أن هذه العملية متضعضة حتى قبل حراك يونيو. لقد أشاع عمرو عزت وصف نظام الإخوان المسلمين بالصندوقراطية، في تظليل على اقتصار ديمقراطيته على الشكل الإجرائي، الذي أتى به للحكم. لقد رأيتُ في هذا نوعا من البوليقراطيا التي ليست في الواقع إلا ديكاتورية الأغلبية، مشروطة بنوع من الإجرائية (لقد بالغ البعض بالذهاب إلى اعتبار المشكلة ليست في الإسلام السياسي في مجموعه وإنما في خصوصيته العربية). ولقد حللتُ في وقت مبكر أن هذا عائد ليس إلى أي خصام فطري بين الإخوان والديمقراطية، بل إلى إشكالية كلاسيكية في عملية الانتقال الديمقراطي تتعلق بخوف السلطة الديمقراطية الجديدة من مزاحمتها في السلطة فتلجؤ إلى احتكارها.
غير أن معاناة الديمقراطية زادت طبيعيا بعد إسقاط نظام الإخوان. إن هنالك عند نماذج من عمليات الانتقال الديمقراطي يبدو أنه يتم تجربتها، كل على حدة في مصر. يبدو أن نموذج الدمقرطة القادمة من أعلى، الذي حاوله نظام مبارك شكليا، لم يكن جديا. وبدأ أنه أبطأ من متطلبات الشارع ورغباته في التحرر. أما نموذج الدمقرطة بقوة المجتمع المدني فقد تعرض لضربة من خلال "الأخونة" التي منعت تبلور المجتمع المدني والسياسي في وظيفة ديمقراطية تشاركية. ومن الواضح أن نموذج الدمقرطة المتبقى هو عملية الأخذ والرد بين المجتمع والدولة من خلال ديناميكية التحالفات بين القوى المدنية المعبرة عن الرغبات الديمقراطية في المجتمع.
هذه عملية طويلة وستتعرض، مثلها مثل كل عمليات الانتقال الديمقراطي، إلى انتصارات وانتكاسات. وقد تسفر عن ردة وظهور طغيان سياسي مُبارك من قبل النخب المتقزمة، ولكن القوية كالمجموعات الإعلامية والاتحادات البيروقراطية وكالنخب الليبرالية المحاصرة، التي ربما تحبذ نظاما حصريا لحين الوقوف على قدميها. وإضافة إلى مخاطر خروج الإخوان من العملية السياسية فإن الوجود الاقتصادي للجيش وتشعب مصالحه هو مشروع أوليغارشية يستلزم تكسيرها ثورة؛ ومن ناحية أخرى فإن وجود شارع حرون ونخبة حاكمة متضائلة سيفتح حرب السنين بين الشارع، الذي مازال ثوريا، والمصالح الخاصة. ومن الواضح أن الدخول القوي للخليج العربي ليس مؤشرا صديقا لديمقراطية وشيكة.


8-العقد النفسية
مشكلة المطب الجديد للديمقراطية المصرية هي تصاعد اليمينية في كل الطرفين المتناوئين. على مستوى النظام الجديد تعلّق انتصاره السياسي بالتحام قوى متذمرة، وخائفة، من الإخوان المسلمين، القوة الأكثر تنظيما. وقد نشأ من هذا منعرج شبيه بالمنعطف النابليوني في الثورة الفرنسية حيث ثمّ تأليه الجيش باعتباره حالا لمشاكل الاستقطاب والتشرذم السياسي وفُتحَ الباب لتمجيد غير صحي بالنسبة لأي مرحلة انتقالية للقائد العسكري الأبرز. ومع هذا الالتحام حول العسكر كقوة سياسية منقذة لليبرالية، أرادت الليبرالية النخبوية، عن وعي وعن قصد، بناء فاشية مؤقتة لتحجيم القوى الدينية تمهيدا لإعادة الصراع الديمقراطي معها في السنوات القادمة. وتمّ التراجع عن العلمانية الحميدة وتمّت إعادة موضوع الأحزاب الدينية إلى طاولة النقاش (وهو موضوع بلا قيمة، لأن الأحزاب الدينية أظهرت أنها كل شيء باستثناء أنها "دينية"، وإن كانت ديماغوجية وتكفيرية وتستعين بالرموز الثقافية الإسلامية للإقصاء والتمايز). سرعان ما تحولت الليبرالية المصرية التاريخية إلى حركة فرانكوية أو ماركوسية تستخدم العنف والرقابة لإبقاء الخطر الأيديولوجي المنافس لها تحت أقدام "القانون" و "العرف".
أما على مستوى الإخوان المسلمين فلا تقل المساوئ النفسية. لقد صعَدَ خطاب القنوط من الديمقراطية، وتنامى في كل مكان خطاب المؤامرة وربط العلمانية بالديكتاتورية (حتى من قِبَلِ حسن الترابي، الإنقلابي على نظام ديمقراطي علماني) وتنامى الحديث عن مؤامرة ضد الإسلام، وكأن هذا أول انقلاب عربي. كما تنامى الخطاب التكفيري والأخروي واستدعاء بشارات النصر الإلهي وحتميات التمكين والامتحان وقداسة المحنة.
كل هذه المطبات النفسية ستكون سياقا لثقافة غير ديمقراطية ملتجئة إلى البراغماتية والاقصائية وإلى الجهادية أو الكره. ومن الواضح أن التوجه الجديد للنظام القائم نحو الحصرية لا يساعد على تخطي هذه المشاكل.

نقلا عن تقدمي
للمزيد من مواضيعي

 

الموضوع الأصلي : مصر من الثورة إلى الانقلاب - أبو العباس ابرهام     -|@|-     المصدر : شبكة مشاهد نت التطويرية     -|@|-     الكاتب : mubdi3

 

 

Share Button

 

توقيع : mubdi3


----------
حمل تولبار ألكسا المناسب لمتصفحك من هنا

رد مع اقتباس
rim1net 2 Home 2 Quran 2 Culture 2 TV 2 Business 2 Sport 2 Contact us 2 FRANÇAIS
إنشاء موضوع جديد إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أبو العباس ابرهام, مصر, الانقلاب, الثورة

جديد منتدى مقـالات وتحليلات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

مواضيع ذات صلة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الانقلاب بمصر.. الثورة الوليدة وفخ الدولة الموروثة (بدي ولد أبنو) nktt مقـالات وتحليلات 0 07-20-2013 11:34 AM
حملة أبو الفتوح: نؤيد د. مرسي لإحباط الانقلاب على الثورة ابو نسيبة الأخـبـار الـدولـيـة 0 06-10-2012 03:35 PM
الانقلاب بمصر.. ترغيب أم ترهيب؟ أبو فاطمة مقـالات وتحليلات 0 02-11-2011 03:02 AM
يوبيل التقهقر : تحليل تاريخي { أبو العباس ابرهام } ابن تيارت مقـالات وتحليلات 1 11-20-2010 06:37 PM

الساعة الآن 12:02 AM بتوقيت نواكشوط

بوابة المواقع الموريتانية  |  برامج دوت كوم  |  MoreFree Net  |  Arab Support


شبكة مشاهد نت التطويرية® جميع الحقوق محفوظة 2009 - 2014 ©

RSS 2.0 RSS XML MAP HTML Sitemap

"إنَ اللَه يُحِبُّ إذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَه"