مشاهدة النسخة كاملة : د/أن ولد عبد الله: كتاب "موريتانيا المعاصرة شهادات ووثائق"


ابن تيارت
01-15-2010, 06:27 PM
د/أن ولد عبد الله: كتاب "موريتانيا المعاصرة شهادات ووثائق" مجهود متميز وإصدار جديد ومثير

أعتبر الدكتور عبد المالك ان ولد عبد الله في تلخيص لكتاب "موريتانيا المعاصرة، شهادات ووثائق" لمؤلفه سيد اعمر ولد شيخن أن هذا الكتاب يحوي في ثناياه العديد من الوقائع والأحداث لم يشاهدها من قبل، مضيفا أن هذا الجهد لو صدر في إحدى العواصم الإسلامية أو الغربية الأخرى، لكان لتوقيع مؤلفه حفل خاص، و لبادرت دور النشر بالعروض، ولكان إتحاف الكتاب والقراء بمراجعته، ولسال حبر أقلام حول مضمونه و جديده، واستغرب عبد المالك أن يكن هذا الإصدار المتميز مجرد خبر عابر في نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية 2011 وشنقيط التاريخية.

وفي ما يلي رأي د/ عبد المالك أن ولد عبد الله عن الاصدار الجديد:
رأي في إصدار .. جديد ومثير
عن الكتاب وجهد الباحث:
قال عبد الرحمن بن مهدي: "لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني لأنني رأيت كلام رجل عاقل، فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له" وأشهد أني لما قرأت كتاب "موريتانيا المعاصرة.. شهادات ووثائق" أثبت في قلبي وعقلي ـ عند تتبعي لثناياه ـ العديد من الوقائع والأحداث لم أشاهدها ولا عايشتها، وأزعم أن ذلك سينصرف على الكثير من فئة عمري وغيرهم، لذا دعوت بدوري لأخي الكاتب فسألت الله أن يسدد مسيرته العلمية ـ الواعدة إن شاء الله ـ ويبارك في جهده و يتقبل منه.
رغم أهمية علم التاريخ السياسي لكنه " تسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال" كما ينص ابن خلدون في مقدمته.
ومع ذالك فالتحقيق فيه قليل ويزخر غالبا بمبالغات وتحريفات واهية، وقل من يراعي فيه أسباب الوقائع ويربط بين الأحداث لأن " التقليد عريق في الآدميين وسليل" لكن حصافة الباحث وموضوعيته فيما أثرى به الساحة الثقافية والسياسية وتوصله إلى جديد يفيد في محاولته القرب من الحقيقة ، كان له أكبر الأثر في التوفيق في اختيار الموضوع أولا، والإضافة فيه لاحقا، والحق أن " البصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل" كما يقرر ابن خلدون أيضا.
لو صدر الكتاب في إحدى العواصم الإسلامية أو الغربية الأخرى، لكان لتوقيع مؤلفه حفل خاص، ولبادرت دور النشر بالعروض، ولكان إتحاف الكتاب والقراء بمراجعته، ولسال حبر أقلام حول مضمونه و جديده، لكن أن يصدر في نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية 2011 وشنقيط التاريخية، فالموضوع مجرد خبر وحدث عابر.
نحن للأسف أمة لم تعد تقرأ ، ولا تحسن التعاطي مع علمائها وأدبائها في إنزالهم ما يستحقون من تكريم وتقدير، في حين ينفخ آخرون في نكرات ومتعالمين، فيجعلون منهم هالات مكبرة، ويضفون عليهم ألقابا يصغرون عن حملها. ما لا يعلمه الكثيرون أن التاريخ السياسي للأوطان هو ذاكرة أيامها وسجل أحداثها والشاهد العدل لها أو عليها.
توقف الكاتب والأديب الأستاذ: سيد أعمر ولد شيخنا في كتابه "موريتانيا المعاصرة..شهادات ووثائق" عند الملامح الرئيسية للأنظمة التي تعاقبت على موريتانيا منذ 1957، 1984 وتركت بصمات على المشهد السياسي، وكانت لها مواقف حاسمة من إرهاصات قيام الدولة الوطنية واستقلالها واستمرار الكيان لاحقا، وحلل - ببصيرة وعمق- كيف نجح قادة وفشلوا، وكيف شاخت مشاريع وسقطت حكومات، وكيف تحيز البعض للوطن ورفعوا عناوين مقنعة، وكيف ضاق آخرون ذرعا، ثم تناول بروية قوة الصراع الذي كان يأخذ أحيانا طابعا إقليميا ودوليا، ويضيق ليأخذ منحى الجهة والعشيرة..
تفطن المؤلف لأهمية الموضوع، وعانى لسنوات عدة يجمع ويحقق ويقارن ويلغي ويحذف، وتنقل بين عواصم الدول، لا سائحا بالمعنى القريب وإنما سائرا وباحثا، موظفا وقته وقدراته العلمية والأدبية، فكان له ما أراد.
وبين فيافي ولاته، وفيلات تفرغ زينه، وأحياء أخرى متواضعة، قابل الكاتب الشاب العشرات من الشخصيات، وجلس كثيرا وأصغى وصبر، وأجهد نفسه في نفض الغبار عن أرشيف منسي، وتنوعت مصادر مادة الكتاب ومراجعه، واستنطق من يريدون الرحيل في صمت.
أورد الكاتب- بإحاطة- حصاد كل حكومة موضحا أبرز الأحداث التي طبعت جميع المراحل وربط الحوادث والوقائع بأسبابها وعللها، ونجح في أن يدفع باتجاه فرضية أن التاريخ لا يصنعه رجال السياسة أو الزعماء وحدهم، وإنما تسهم فئات أخرى أو أفراد في تسطيره تاركة أثرها في حياة الناس، وعزز ذلك بأمثلة واقعية .
ولنا نحن الأجيال الجديدة أن نقدر عاليا قيمة الحرية والديمقراطية والاستقرار السياسي والمصلحة الوطنية، إذا علمنا ما كان عليه أولئك المتقدمون ـ في معظمهم ـ غفر الله لمن رحل، ومد في عمر من لا زال حيا، من استبداد و ضيق أفق وصراع على السلطة، مستحضرين قول عمر- رضي الله عنه- : " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية "، والعديد من أجيالنا لا يعرف ماذا كان يدور، ولا ما الذي حصل.
قرأنا نتفا - من هنا وهناك- ضًخمت فيها أخطاء أقوام وطمست فضائل آخرين، لكن كتاب "موريتانيا المعاصرة..شهادات ووثائق" كان أقرب إلى الإنصاف والموضوعية وأرحب أفقا وأشمل نظرة، ومع التسليم بأن التاريخ يكتبه عادة ـ المنتصرون الغالبون ـ فقد راعى الكتاب بدقة وزن الطامحين والطامعين وأكد ـ رغم ألاعيب السياسية ـ اتفاق من أداروا المراحل على الهوية الحضارية للبلد، وضرورة الحفاظ على اللحمة الوطنية.
اختار الباحث القدير أن يتبع منهج التجميع والتسجيل الذي كان مذهب الإمام الطبري إلا أن الحس الإعلامي له علمه ألا يهمل الانتقاء والتمحيص والمقارنات الذكية، ليستخلص ويحلل ويستشرف، ونقاد الحديث متفقون على أن "من اسند فقد حمّل ".
ونحن المغاربة مشكلتنا التأثر بالسياق المشرقي إلى حد الانبهار، ويشد المشارقة أبصارنا كثيرا، وإذا نظرنا إلى المقدمة لابن خلدون (732-808 للهجرة) أو العواصم من القواصم لابن العربي (448 ـ 543 هـ ) أو رحلة ابن بطوطة ( 703 ـ 779 هـ ) التي تطلب إعدادها 27 سنة، وثقنا في تراثنا واستنهضنا همم أعلامنا وكتابنا في الإضافة والتجديد والتميز، ولم لا.
كان الكاتب ذكيا في منهجيته حيث حدد الزمن ( 1957 ـ 1984 ) ليتسنى له - حتى لا أقول - تجنب الحديث حول بلاد التكرور بتعبير الطالب محمد ولد أبي بكر بن بنان البرتلي ( ت 1219 هـ ) أو البلاد السائبة كما يختار الشيخ سيد محمد ولد الشيخ سيد المختار الكنتي ( ت 1242هـ ) أو المنكب البرزخي وبلاد الفترة كما يحلو للشيخ محمد المامي ولد البخاري ( 1292هـ ) أن يقول ، أو البلاد البيظانية كما يقرر الشيخ سيديا باب ولد الشيخ سيد محمد ولد الشيخ سيديا ( ت 1342هـ )، أو بلاد المغافرة وبني حسان كما يرى آخرون.
أقول لنفسي قبل القراء، أن من لم يعرف أغوار ماضيه لم يدرك أسرار حاضره، وأن "من ألف فقد استُهدف " و " من ألف فقد وضع عقله في طبق يعرضه على الناس " مما يستدعي من الكاتب رحابة الصدر، ومنا جميعا تقبُّـل الرأي الآخر.
لكن تمنيت لو قدم الكتاب غير مؤلفه، وهو تقليد شائع، وأتفهم عزوف الكاتب عن ذلك، وتمنيت لو لم يشتت الكاتب أذهاننا في عناوين مهلهلة ـ على أهميتها ـ فيستحدث تحت الفصول السبعة مباحث ومطالب، وهي ملاحظة منهجية ليس إلا، وتمنيت لو توصل الكاتب إلى خاتمة تشمل نتائج وتوصيات في كل جزء وهو الأولى، وتمنيت - أخيرا- لو نظم اتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين، ونقابة الصحفيين الموريتانيين، أو غيرهم من مراكز البحث والدارسات ندوة عن الكتاب الذي يكاد يمر شهر على إصداره.
حين يُماط اللثام عن المستور:
في مقدمة وسبعة فصول: يتعرض كتاب "موريتانيا المعاصرة.. شهادات ووثائق" للتاريخ السياسي للدولة الوطنية الحديثة في زمن محدد ( 1957 ـ 1984 )، محاولا الإجابة على ظروف النشأة، وميلاد وطن، ومسارات رجال، وأدق المراحل بالتفاصيل والوقائع، إن بتأثير خارجي أو جهود وطنية تتساوق أحيانا وتتصارع تارة، وينبئك الكتاب عن حال وفاعلية حركات وتنظيمات سياسية واكبت المسيرة.
يشرح الكاتب في المقدمة كيف عانى تاريخ هذا القطر السياسي الحديث من الإهمال والضياع، فالساسة ورجال الدولة ـ سامحهم الله ـ كثيرا ما ضنوا علينا " ولم يحترموا حق الأجيال في معرفة كيف وقعت أحداث واتُّخذت قرارات كان لها تأثيرها على تطور الأمور في البلاد".
وفي الفصل الأول: يتعرض الكاتب " لسنوات التأسيس الحاسمة .. انبعاث أمة " ممهدا للتوجه الجديد لفرنسا في تغيير سياستها تجاه مستعمراتها مما أدى إلى أن تكون موريتانيا إقليما من أقاليم الاتحاد الفرنسي كما ينص دستور أكتوبر 1946 وليمثلها عندئذ النائب المنتخب حرمة ولد ببانة في البرلمان الفرنسي.
ويوضح الكاتب كيف تم ترشيح الأستاذ المختار ولد داداه بعد ذلك لنائب رئيس الحكومة في مارس 1957 وسر اختياره، وظهور حزب الاتحاد التقدمي الموريتاني على الساحة والمؤسس 1947 في مدينة روصو على يد قائده سيد المختار ولد يحي انجاي، ثم حزب الوفاق الذي تأسس 1850 على يد النائب حرمة ولد ببانه صحبة شخصيات أخرى، ورغم الحضور الجريء لحرمة إلا أن الحزب تم تحجيم خطه، لتظهر حركة الشباب الموريتاني التي كان أبرز مؤسسيها أحمد باب ولد أحمد مسكه، سنة 1955، والتي تحولت لاحقا إلى حزب النهضة، وتتالى ظهور المجموعات السياسية ككتلة كوركول الديمقراطية 1957 والتي يعتبرها المؤلف " سابقة في تاريخ العمل السياسي الوطني حيث تأسست الكتلة على أساس عرقي خالص" ويوضح المؤلف بعد ذلك كيف لعب قانون الإطار الذي بدأ تطبيقه ابريل 1957 أولى اللمسات في إرهاصات تشكل الدولة الفتية وانتخابات الجمعية الإقليمية وما تخللها، ثم ملابسات اختيار الأستاذ: المختار ولد داداه ـ الشاب الحقوقي والمحامي المتدرب في دكار ـ وتهيئته في ترشيحه لعضوية الجمعية الإقليمية الجديدة ضمن قائمة آدرار، بعيدا عن محيطه ومركزه الاجتماعي، وبعد تحليل وعرض لآراء المعاصرين يخلص المؤلف إلى أن " شخصية الرجل وثقافته وعصاميته " هي التي أهلته لأن يكون رجل المرحلة ، ليوضح لاحقا كيف تشكلت الحكومة الائتلافية وحدد الأستاذ المختار ولد داداه أولوياتها في نقاط مقتضبة، وتأهيل نواكشوط لاحقا عاصمة لكيان موريتانيا، ويعرض المؤلف الرؤية الوحدوية والتوازنية للرئيس المختار ولد داداه، ثم يكشف عن التحاق بعض قادة الوفاق بحرمة في المغرب وما حظوا به من لدن المملكة المغربية المتهمة بالأطماع التوسعية .
ويشير المؤلف إلى حدث مؤتمر آلاك 2 مايو 1958 وما أدى إليه من قرارات حاسمة ليولد لاحقا حزب التجمع الموريتاني، وفق رؤية مدروسة ثم خطوة الاستفتاء بنعم أو لا 28 سبتمبر 1958 وتشكُّل أول جمعية وطنية سيطر عليها حزب التجمع الموريتاني بزعامة أمينه العام الأستاذ المختار ولد داداه .
أما الفصل الثاني: الذي وسمه المؤلف بـ" الاستقلال .. صراعات وتحديات" فقد وطأ له الكاتب باختلاف الطبقة السياسية وبروز معارضة شديدة لتوجهات الرئيس المختار الذي انصهرت في حزبه ثلاث تشكيلات سياسية " النهضة، وحزب الاتحاد الوطني، وحزب الاشتراكيين المسلمين " ليسترسل المؤلف في خلفية حزب النهضة التي حددها في الانحياز للوطن والدعوة إلى " استقلال موريتانيا والحفاظ على هويتها العربية الإسلامية" مبددا الانطباع السائد وغير الدقيق، ويشير المؤلف بعد ذلك إلى ظهور العنف السياسي ودور المغرب ومالي وأطراف داخلية في العمليات المسلحة، ويعلل المؤلف أسباب ذلك بقرب الإعلان عن الاستقلال لتتطور الأمور إلى اغتيال نائب وعمدة أطار عبد الله ولد عبيد، نوفمبر 1960،ولم يمنع ذلك الرئيس المختار من مواصلة جهوده للتهيئة للاستقلال ومراوغة الفرنسيين في مفاوضته لهم بحزم وعن وعي، فكان التوقيع على بروتوكول الاتفاق المتعلق بنقل السلطات وتأجيل البحث في اتفاقيات التعاون لاحقا ومصادقة الجمعية الوطنية عليه عند عرض الوزير الأول المختار لخطابه القيم والقوي أمامها 8 نوفمبر 1960.
ويشير الكاتب إلى إيفاد الحكومة الموريتانية لوفود إلى مختلف القارات لتأكيد الاستقلال ثم حملة المغرب وإصداره " الكتاب الأبيض " ورد الحكومة الموريتانية عليه بـ " كتاب أخضر" مفندين حجج المغرب الواهية ليعقب ذلك اختيار النشيد الوطني وتقاطر الرؤساء الأفارقة على رمال نواكشوط، للإعلان عن الاستقلال 28 نوفمبر1960 وخروج تونس على التوجه العربي، وكذلك حضور الوزير الأول الفرنسي "ميشيل ديبريه " الذي يفسره الكاتب بالرسالة القوية للمغرب، ألقى الرئيس المختار في هذا العرس الكبير خطابه الشامل والمعد بعناية والمحمل رسائل سياسية للخارج شارحا توجه النظام الجديد.
وقد خصص المؤلف الفصل الثالث: لما أسماه " الولادة القيصرية لنظام الحزب الواحد" ويتناول الكاتب في هذا الفصل التوجه الجديد للرئيس المختار الذي يشرحه في " توطيد الوحدة الوطنية، واختيار النظام السياسي الأكثر ملائمة للبلد"، ويستطرد المؤلف كيف دار الخلاف بين الرئيس وحليفه القوي على رئاسة الجمعية الوطنية سيد المختار ولد يحي انجاي وتمرير الرئيس المختار لأطروحاته، ثم بروز فكرة تقاسم السلطة لدى فئة الزنوج والتي لم يعترض الرئيس المختار عليها وإن تحفظ بعض قيادات الزنوج لقطع الطريق أمام الزعيم باه أمدو صامبو لي، ثم التعديل الدستوري والمصادقة عليه مما خلف طلاقا بائنا بين الرئيس المختار ولد داداه وحليفه التقليدي ووضع حدا لتعايش دام فترة عندما قدم الأخير استقالته من رئاسة الجمعية الوطنية وحزب التجمع، ليرى حزب الشعب النور بعد مخاض عسير مستعينا باستمالة قيادات الأحزاب الرئيسية المعارضة الأربعة ومستفيدا من المناخ الخارجي، وكان مؤتمر الوحدة 25 دجمبر 1961 الذي أثر عليه لاحقا نشوب خلاف الرئيس مع الزعيم بوياكي ولد عابدين وعملية النعمة عشية 29 مارس 1962، وعودة مجموعة المغرب وما اكتنفها ثم الصراع القوي داخل البرلمان ومحاولات تقويض سلطات الرئيس المختار داخل حزب الشعب والجمعية الوطنية مما دفع برئيسها حمود ولد أحمد إلى الاستقالة وولوج سليمان ولد الشيخ سيديا لرئاستها، مما سبب متاعب للرئيس المختار الساعي إلى التحديث والقضاء على المشيخة التقليدية واستفراد حزب الشعب بالقرار السياسي، وقد حل اب ولد ان رئيسا جديدا للجمعية باعتباره يشكل التيار الوسطي داخل حزب الشعب، حسب الكاتب، وتنازل الرئيس المختار عن مرشحه الأول الشيخ سعد بوه كمرا، لكن الرئيس المختار ولد داداه سينتقم من خصومه في اجتماع الأطر في كيهيدي الذي حوله إلى مؤتمر حزبي عام 2 مايو 1958 وأزاح خصومه، ويعلل المؤلف توجه الرئيس المختار الجديد " ببعض التجارب اليسارية القائمة حينها في إفريقيا لا سيما النموذج الغيني ".
وفي الفصل الرابع: " التحولات العميقة يستعرض المؤلف أحداث 1966 وبروز المشكل الثقافي وقرب الرئيس المختار من الرئيس الغيني شيخو توري وجمال عبد الناصر واستياء سينغور وفرنسا، وإغراء قائد الأركان الذي ولاه المختار أمن العاصمة بالانقلاب على النظام ، وتفاعل الموضوع على صعيد أجنبي وداخلي إضافة إلى عدوى حمى الانقلابات التي عاشتها القارة الافريقية حينها.
كما يخصص المؤلف هنا حديثا عن علاقات موريتانيا بالجوار ، فالمغرب من قطيعة وخصومة إلى تقارب وربط علاقات وذلك عندما راجع المغرب استراتيجيته تجاه موريتانيا كما كان للدور الكبير الذي لعبه بومدين أهميته في التقارب بين المختار والحسن الثاني، واستجاب الرئيس لكن في دهاء وعناد والتزام مبدئية، فيما تأثرت العلاقات الموريتانية الجزائرية بمطبات كبيرة عبر عنها المؤلف بجراح بشار حيث إهانة الرئيس المختار وشؤم مدريد حيث اتفاقية التقسيم، ليتوقف الكاتب بعد ذلك عند شق الرئيس المختار ولد داداه الطريق إلى الإصلاحات الكبرى سنوات ( 1872، 1973، 1974) عندما تمت " مراجعة الاتفاقيات الموقعة 1961 بين الفرنسيين والموريتانيين والخروج من منطقة الفرنك وإنشاء العملة الوطنية الأوقية، وتأميم ميفارما، ودخول الجامعة العربية "، ويختم المؤلف الفصل باستفاضة لا تخلو من أهمية عن الحركات والتنظيمات السياسية (اليسارية، والقومية، والإسلامية، والحر ).
فيما يخصص المؤلف الفصل الخامس: لـ " الحرب في الصحراء الغربية... السياق والتفاعلات والنتائج "، ويكشف المؤلف هنا عن تاريخ اهتمام موريتانيا رسميا بالصحراء الغربية في خطاب نائب رئيس الحكومة الإطارية 1957 الذي أكد فيه تشبث موريتانيا بتلك الرقعة، لكن اعتراف المملكة المغربية بموريتانيا 1969 كان له تأثير على تحول الموقف الموريتاني وإن بتدرج كما يؤكد المؤلف الذي يستطرد بعد ذلك مراحل القضية وجر المغرب لموريتانيا إلى هذا الوحل الكبير، بعد رفض الجزائر عرض المغرب التقسيم في قمة تلمسان 27 مايو 1970 دون علم موريتانيا ، أما عند صدور فتوى محكمة العدل الدولية حول الصحراء فقد صاحب ذلك تسيير الملك الحسن الثاني للمسيرة الخضراء التي خلطت الأوراق 6 نوفمبر 1975 وتلا ذلك قمة بشار يوم 15 من نفس الشهر والسنة، والتي حرص الرئيس المختار حينها على التأكيد على وعي موريتانيا بضعفها المادي لكنه "لا يسبب لها عقدة نفسية ولا يثبط من عزمها في الدفاع عن شرفها وكرامتها ومصالحها حتى آخر موريتاني" وقد مرر الرئيس المختار موقفه من المسألة أمام حزب الشعب في مؤتمره الرابع، ونجم عن تلك الاتصالات اتفاقية مدريد الثلاثية 14/ نوفمبر 1975 بين موريتانيا والمغرب وإسبانيا، وينقل الباحث بعد ذالك عن معاصرين دوافع وأبعاد التقسيم في فلسفة الرئيس المختار.
ويتضمن الفصل السادس: الحديث عن" انقلاب العاشر من يوليو.. الفكرة، الفرصة، التنفيذ" والذي تناول فيه الباحث بعمق آثار الحرب المدمرة على معنويات الجيش الناشئ والمنهك، والروح النضالية التحررية لدى بعض أفراده، ثم ما استفاده هو نفسه من وثيقة العاشر من يوليو فيما تشير إليه من إنضاج فكرة الانقلاب، وتراجع الأداء الدبلوماسي لحكومة الرئيس المختار، وتردي الاقتصاد، والتكاليف الكبيرة في الإنفاق العسكري وما تخلل ذالك من فساد مالي، ويفسر المؤلف الأزمة الكبيرة التي بدأت تتسلل إلى نظام الرئيس المختار" الذي باتت شعبيته متراجعة في الداخل وصار عبئا على حلفائه في الخارج" في حين يلاحظ تسامي الرئيس المختار ولد داداه في عدم التصدي للانقلابيين، ويتابع المؤلف في تجميع لا يخلو من طرافة ومن مادة غزيرة موثقة وشهادات حية، كيف تم الاتصال بقائد الأركان العقيد المصطفى ولد محمد السالك والنشاط المحموم للجناح المدني وتوزيعه للمهام في رسائل تطمينية للخارج، وحراك منظم في الداخل، ليسدل الستار على حكم مدني دام إحدى وعشرين سنة بنجاحاته وإخفاقاته. ويتصدر 17 ضابطا – تجمعهم السلطة وتفرقهم المصالح والنفوذ- الشأن العام بتشكيل اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني.
أما الفصل السابع: والأخير" موريتانيا والمخاض العسير..الانقلاب والانقلابات المضادة" فيضيف فيه الكاتب أن نوعية وهوية التغيير الذي تم لم ترض حلفاء النظام المطاح به في الداخل وأربكت حسابات الخارج – المغرب وفرنسا- المعنيتين بما يجري في موريتانيا، ويشير الكاتب إلى غياب خطة جاهزة للحكم لدى الضباط الجدد حيث لم" تبذل جهود في التفكير في مرحلة ما بعد الانقلاب" ويحصر الكاتب دوائر الانقلاب في ثلاث دوائر، الأولى دائرة الرائد جدو ولد السالك، وسيد أحمد ولد ابنيجاره ومجموعتهما القومية، والثانية دائرة العقيد المصطفى ولد محمد السالك المرشح للرئاسة، والأخيرة دائرة شيخنا ولد محمد الاقظف والشخصيات التقليدية المتحالفة معه، على أن ما عجل بتفجير التغيير من الداخل حسب المؤلف إقدام الرئيس المصطفى ولد محمد السالك على إدخال بعض الضباط المعارضين للانقلاب، ثم خلو خزينة الدولة من أية سيولة، وما تلبث الخلافات أن تنشب داخل اللجنة العسكرية والتي تأرجحت بين الاختراق من خارج صفها، والتفرد بالنفوذ داخل عباءتها، ليحدث انقلاب ثان ويذاع بيان جديد 06/ابريل 1979، ويميل الكاتب إلى أن" تشكلة اللجنة حافظت على تعايش الجميع داخلها" التعايش الذي لن يعمر طويلا، وشهدت المرحلة الموالية نفوذا قويا لرئيس الحكومة المقدم أحمد ولد بوسيف، الذي قام بإطلاق سراح وزراء الرئيس المختار، وبدأ ترميم علاقات في الخارج ربما تكون نسجت من قبل لكن الموت باغته في حادث أليم عرض الكاتب لأبعاده، وبدأ بعد ذالك المقدم محمد خونا ولد هيداله نحو الاستيلاء على السلطة وإحكام قبضته، حيث تم انتخابه "نائبا أول لرئيس اللجنة ووزيرا أول رئيسا للحكومة" 31/05/1979 وبعدها بيومين أجري تعديل على التشكيلة من جديد تبوأ من خلاله العقيد محمد يحي ولد أحمد لولي رئاسة الدولة واللجنة، وهكذا دواليك، ليختار العسكريون مسالمة البوليساريو، ويوقعون اتفاقية في الجزائر العاصمة 05/08/1979 تضمنت بندا سريا، وقد قاد المفاوضات حينها عن الوفد الموريتاني العقيد أحمد سالم ولد سيدي، ويخلص المؤلف هنا إلى أن" موريتانيا خرجت من النزاع في الصحراء الغربية بطريقة مشابهة للظروف التي دخلت فيها النزاع" ليتوقف الكاتب لاحقا مع موت الرائد جد ولد السالك في حادث مروع بعد أن أعاد له ولد هيداله الاعتبار ، وإطلاق سراح الرئيس المختار اكتوبر 1979 وتوجهه إلى فرنسا للعلاج، ويروي الكاتب كيف هندس المقدم محمد خونا ولد هيداله انقلاب 04/01/1980 بدعوته اللجنة إلى توحيد السلطة التنفيذية، وهو ما كان له، كما يسجل الكاتب بتقدير مفاجأته وهو يعد الكتاب ويلتقي كبار الشخصيات من" العلاقة الأخوية العميقة والحب المتبادل بين الرئيسين ولد هيداله، وولد لولي على نحو لم يقابلني- يعبر المؤلف- أو أسمع عنه من رؤساء موريتانيين آخرين" وهي مسألة طريفة بحق وتمثل استثناء لأن "أصدقاء السياسة أعداء بعد الرئاسة" كما يقرر أحمد شوقي، كما استعرض المؤلف الإعلان عن التحالف من أجل موريتانيا ديمقراطية، وهو "كشكول" تزعمه العقيد محمد ولد اباه ولد عبد القادر بعد لجوئه إلى المغرب، ويوضح الكاتب أن محور باريس، الرباط، دكار، السعودية ، كان وراءه، ويورد المؤلف أن الرئيس: المقدم محمد خونه ولد هيداله، لم يأل جهدا بداية حكمه في تقديم نهج مغاير- وهو المعروف باستقامته وجلده- حيث سعى إلى تحقيق السلام، وأقر في عهده إصلاح نظام التعليم 1979 ، وتم إلغاء الرق، وكانت له نية حقيقية في التوجه نحو وضع دستوري ديمقراطي، لكن الخارج المتوجس من الرجل سعى للإطاحة به 16/03/1981 في عملية كوماندوز، مثلت انتحارا ومغامرة، ورغم أن الرئيس حينها كان خارج العاصمة فقد تصدت شخصيات مدنية وعسكرية لإفشال المحاولة، واتهم الرئيس محمد خونا ولد هيداله المغرب وحملها المسؤولية، فيما أنزلت محمكمة العدل التي يرأسها العقيد الشيخ ولد بيده أحكاما قاسية بالمجموعة تمثلت في إعدام الضباط الأربعة وسجن باقي الكوماندوز.
محمد خونا ولد هيداله للقمة والمشاركة فيها، وهو ما وافق عليه الرئيس الموريتاني حينها مؤخرا، فكانت طبخة 12/12/ 1984، ويعود الرئيس العنيد الذي استجداه "ساسو انغيسو" الرئيس الكونقولي، والإفواري "فوت بنيا" للإقامة في عواصمهما وحذراه، فرفض في كبرياء، ليقتاد إلى نفس المصير الذي انتهى إليه خصومه، وللموضوع بقية..
عبد المالك ان ولد عبد الله.

"""عن انواكشوط انفوا"""