مشاهدة النسخة كاملة : فرنسا ... صيف ساخن وتوقع لأزمات


همام
07-30-2010, 10:24 AM
فرنسا ... صيف ساخن وتوقع لأزمات

http://img694.imageshack.us/img694/8344/110350.jpg

يتسم صيف فرنسا عادة بالهدوء، حيث تخلو المدن الكبرى من معظم سكانها، الذين يبدأون الرحيل نحو البحار والأرياف اعتبارا من نهاية السنة الدراسية في مطلع يوليو/تموز . فالفرنسيون من الشعوب التي تولي الاجازة السنوية اهتماماً خاصاً، حتى يخيل للمرء أحيانا أن المواطن هنا يعمل طيلة العام لكي يتمتع بشهر العطلة الصيفية، الذي يكون بمثابة المطهر من أتعاب العام وهمومه، وفي نفس الوقت المدخل الى الخريف الذي يتسم، عادة، بالنشاط والحيوية والتجديد، ولذا يطلقون عليه تعبير “الدخول”، فالناس تدخل من الاجازة الى العمل، والحياة تعود بهمة الى المدارس والجامعات وحتى القطاع الثقافي، وهذا الرجوع يجب أن يحمل جديداً وتغييرًا في كل مرة، ليس بهدف طرد الروتين والرتابة فحسب، ولكنه في الوقت نفسه يعني العمل بهمة ونشاط لاستكمال معالجة الملفات التي وقفت عند نهاية العطلة الصيفية . إن الأغلبية العظمى تفضل أن تفصل بين الاجازة السنوية والعمل، ولذا يتم تأجيل قضايا كثيرة، ومن هنا فإن الخريف عادة ما يكون فصل مراجعة الحسابات قبل نهاية السنة .
كان ذلك في الزمن الفرنسي السعيد، قبل ان يصل اليورو إلى جيوب الفرنسيين ليغير من حساباتهم وأساليب حياتهم وانماط سلوكهم وعيشهم وطرائق صرفهم .لقد حل الحذر منذ سنوات محل الشعور بالاسترخاء، والانكماش النفسي مكان الحس بالطمأنينة على المستقبل، بسبب الغلاء الفاحش الذي ألقى بظلاله على كل متطلبات الحياة بدءا من “باكيت” الخبز، وحتى الكماليات الصغيرة، التي كانت تشكل واحدة من سمات رخاء الفرنسيين وتميزهم عن بقية شعوب الارض، والتي تعكس نفسها في ابتكارات فنون العيش، من مأكل وملبس وسفر واهتمام بالمظهر، وتنويعات في الحياة الاجتماعية والثقافية .
صيف هذا العام يبدو قاتماً، ليس فقط بسبب العواصف المصحوبة بأمطار غزيرة وعنيفة لم تشهد لها البلاد مثيلا، وإنما لعدم وجود مؤشرات تبعث على الفرح، فالشعور الطاغي لدى السواد العام هو أن هناك أزمة كبيرة قادمة اكثر وطأة من الأزمة الاقتصادية العالمية، التي كانت تداعياتها السلبية محدودة نسبياً بفضل النظام المصرفي الفرنسي، الذي يتمتع بمواصفات وضوابط حصنته من تلقي ارتدات الآثار السلبية للأزمة العالمية .
إن تلمس اختلاف المزاج الفرنسي لا يحتاج إلى دراسات او استطلاعات رأي، إذ يكفي تصفح جريدة، أو مشاهدة نشرة اخبار تلفزيونية، أو السير في الشارع، حتى يعاين المرء حجم الشكاوى والتذمر والقلق والتوتر الكامن في الملامح، والذي يعكس حالة داخلية مضطربة وقلقة، لا تجد اجابات شافية على اسئلة وجودية كبيرة .
ليست هناك أخبار تحرض على الفرح أو تبث قليلا من السلوى والأمل في النفوس، فبعد تراجع تداعيات كارثة هزيمة منتخب كرة القدم الفرنسي في تصفيات كأس العالم الأخيرة، هاهي تعود الماكينة الاعلامية لتطارد الفرنسيين إلى أماكن قضاء الاجازة، بالعزف من جديد على نوتة شجون الرياضة، وهاهو مسلسل جديد تعرض حلقاته تباعاً في نشرات الاخبار، وهو يتعلق باستجواب لاعبين متميزين من الفريق الوطني لكرة القدم بتهمة معاشرة فتاة قاصر . لقد جرى في الأيام الأخيرة اقتياد اللاعبين المتميزين فرانك ريبيري وبن زيمة تحت أضواء الكاميرات مكبلين الى ردهات القضاء، واحتجزا مثلما يحصل عادة لدى القاء القبض على المجرمين الخطرين، وترافق ذلك مع حملة اعلامية للتشهير بهما، ودعوات لفصلهما من المنتخب الوطني، وحتى انهاء مستقبلهما الرياضي .كل ذلك تحت مبررات قانونية والحفاظ على الاخلاق العامة، في حين ان القضية اذا ما قورنت بغيرها من التجاوزات الاخلاقية، لا تعدو ان تكون قطرة في محيط من الفساد الاخلاقي والمادي والاقتصادي الطافي على سطح الحياة العامة .
ثمة من يرى ان المسألة لا تحتاج الى هذا القدر من التركيز الاعلامي، فهي في نهاية المطاف يمكن ان تعالج كتصرف صبياني، وليس كخلل سلوكي يحكم من خلاله على مرتكبيها بالعزل وتهديد المستقبل المهني، وهذا ما اخذنا نلحظ ارتداداته في ألمانيا، حيث بدأت ترتفع اصوات تطالب بإنهاء عقد ريبيري مع فريق بايرن ميونيخ، الذي يعد اللاعب الفرنسي أحد صانعي أهدافه الرئيسيين، وحصان سبقه الواعد كثيرا . ولا يختلف عنه في ذلك زميله بن زيمة نجم فريق ريال مدريد، الذي يعتبره خبراء كرة القدم خليفة النجم زين الدين زيدان، الذي ادخل البهجة الى قلوب الفرنسيين طيلة عقدين من الزمن .
جاء فتح فضيحة ريبيري بن زيمة ليترافق مع اعادة تشكيل قيادة جديدة للهيئة الفرنسية لكرة القدم، وتغيير مدرب الفريق الوطني ريمون دومينيك، الذي يحلو للكثيرين تحميله مسؤولية العار الذي لحق بالفريق الفرنسي خلال المونديال .واول قرار اتخذته الهيئة الجديدة هو منع تشيكلة الفريق الذي شارك في المونديال بكافة اعضائها ال 23 من اللعب في الفريق الوطني، وذلك كنوع من العقاب على سلوكيات اللاعبين، وخصوصا اضرابهم عن التدريب خلال المونديال، تضامناً مع زميلهم نيكولا انيلكا الذي طرده المدرب السابق بسبب تلاسن وتبادل شتائم .
حظي قرار معاقبة اعضاء المنتخب الوطني بتغطية اعلامية واسعة، وصورته معظم وسائل الاعلام على انه اجراء ضروري من اجل اعادة الاعتبار للشرف الرياضي الفرنسي، الذي جرت التضحية به خلال المونديال من قبل فريق فرط وتخاذل في الدفاع عن سمعة بلاده، ليس الكروية فحسب، بل كذلك الاخلاقية، فاستهتار عناصر الفريق، وتغليب نزعاتهم الانانية وتصفية الحسابات في ما بينهم في لحظة حرجة اظهرهم بمظهر “الأوغاد” في عين المواطن العادي، الذي من المفترض انه شعر بارتياح وهو يسمع حيثيات إقصاء هؤلاء من المنتخب .واللافت هنا ان القضية اخذت على الفور بعداً عنصرياً، وعكس ذلك الجو الذي اشاعه اليمين المتطرف من حولها، فقد اعتبرت مارين لوبين ابنة جان ماري لوبين وخليفته في حزب الجبهة الوطنية، ان هزيمة الفريق الوطني حصلت لانه مكون من أعراق مختلفة، وسبقها والدها بالقول ان الفريق “مصطنع”، وأعضاؤه لا يحفظون حتى النشيد الوطني الفرنسي .
يلاحظ المراقب أن هناك تناغماً بين رؤية الموقف الرسمي غير المعلن لهزيمة الفريق في المونديال، وبين المشاعر العنصرية البدائية التي يعيشها قطاع من المواطنين المحبطين المطحونين برحى الازمة الاقتصادية، ولذا لا يجري النظر بعين الرضى إلى هذا الاجراء من قبل القطاعات التي تحظى بحس نقدي، وهناك من يعتبر ان معاقبة الفريق، واقتياد ريبيري وبن زيمة للتحقيق على نحو فظ، هي محض إجراء شعبوي من طرف الأوساط الرسمية، ولا تعدو أن تكون من قبيل التنفيس الاعلامي للتغطية على مشاكل حقيقية يواجهها فريق الحكم الحالي، والتي طفت منها على السطح قضية العجوز الثرية ليليان بيتنكور، التي تعد اغنى شخصية في فرنسا وتذهب التقديرات الى تحديد حجم ثروتها باكثر من 15 مليار دولار، فهي وارثة شركة لوريال المتخصصة في صناعة مواد التجميل، التي تعد الأولى في السوق العالمية على هذا الصعيد .
وبالمناسبة فإن هذه القضية التي تشغل الرأي العام منذ حوالي شهر سببت أذى كبيراً لشعبية الرئيس نيكولا ساركوزي، وهزت صورته في نظر الرأي العام، حيث وجهت له اتهامات من أطراف عديدة بتلقي تمويل مباشر لحملته الانتخابية الرئاسية سنة 2006 من قبل هذه السيدة، ولم يمر يوم خلال الاسبوعين الاخيرين من دون أن تتفجر مفاجآت جديدة في هذه القضية، التي باتت تتدحرج مثل كرة الثلج . وقد حاول الاليزيه على مدى شهر الحد من وصولها إلى الاطاحة بوزير العمل ومسؤول المالية في الحزب الحاكم اريك وروث .وقد كشفت مؤخرا صحيفتا “لوبوان” و”ماريان” ان المبلغ الذي كانت السيدة الثرية بصدد سحبه من المصرف هو 500 الف يورو وليس 100 الف، وغمزت الصحيفتان من قناة الرئيس ساركوزي، واعتبرتا ان المبلغ كان سيوضع بتصرف حملة ساركوزي الانتخابية في شهر كانون الأول/ديسمبر سنة ،2006 أي قبل الانتخابات الرئاسية . وتحدثت صحف أخرى عن ساركوزي انه كان قبل وصوله للرئاسة زائرا دائما لمنزل الثرية من اجل تلقي “مظاريف” مالية لتمويل نشاطه السياسي .
تعد هذه الفضيحة من أخطر الفضائح التي شهدتها فرنسا في ما يخص رئيس دولة ما يزال يجلس على كرسي الاليزيه، ولهذا صار بعض المعلقين يصفها ب “فضيحة دولة”، وتكمن خطورتها في ثلاثة زوايا: الأولى انها على قدر كبير من التشعب، وكلما جرى سد باب من ابوابها انفتحت ابواب جديدة، حتى بدا أن الفريق الحاكم عاجز عن تطويق ذيولها، وصار القضاء الذي يتابع فصولها عرضة للتشهير من قبل بعض الاوساط المعارضة، التي تتهم بعض رموزه بمحاباة ساركوزي، الأمر الذي زاد الطين بلة، وصعب من مهمة تخفيف الاضرار .ويتكشف كل يوم في سير التحقيقات ان المخفي في هذه القضية اكبر من الذي تكشف منها حتى الآن، ولذا ينتظر الرأي العام بفارغ الصبر الخاتمة التي ستؤول اليها، بعد أن قرر القضاء استجواب السيدة المعنية مباشرة، والتي ربما رمت بالحمل عن ظهرها وكشفت عن أسرار تؤدي الى زلزال سياسي يضرب الحزب الحاكم .
والزاوية الثانية هي ان القضية تطورت بسرعة شديدة خلال الاسبوعين الاخيرين، لتتحول الى محاكمة للنظام الحاكم، الذي صار يوصف بالفساد المتفشي في كل اروقته، وهو ما سبب صدمة كبيرة لقطاعات واسعة من الرأي العام، التي صوتت لساركوزي بناء على شعاراته التي كان يدعو فيها للقطيعة مع انظمة الحكم القديمة، وللشفافية، وبناء جمهورية جديدة خالية من العيوب، وقد بلغ ضيق اليمين الحاكم من القضية انه دخل في مواجهة صريحة مع وسائل الاعلام التي واظبت على مطاردة كل شاردة وواردة في تفاصيل القضية، الامر الذي دفع احد زعماء اليمين الى وصف وسائل الإعلام المهتمة بالقضية ب”الفاشية”، ولعل افضل تعبير عن الوضع الذي يعيشه اليمين الحاكم من جراء التداعيات السلبية المتواصلة، هو ما لخصته صحيفة لوموند في احدى افتتاحياتها “أزمة سياسية، أزمة ثقة”، واعتبرت ان الصحافة هي مقياس حرارة المجتمع .
أما الزاوية الثالثة فهي ان الفضيحة سائرة في التحول إلى أزمة سياسية وسط تعقيدات ومصاعب اقتصادية كثيرة، ومع اقتراب بدء حملة الانتخابات الرئاسية لسنة ،2012 التي تشير كافة المؤشرات الى ان ساركوزي لن يتوانى بأي ثمن عن تقديم نفسه لولاية رئاسية ثانية، ومن هنا فإن الأزمة قد تقضي على حظوظه التي ظل يعتبرها قوية بسبب غياب مرشح من الاطراف المعارضة قادر على منافسته . ومن المؤشرات المهمة على ذلك تراجع شعبية ساركوزي إلى ادنى مستوى لها في تاريخ الجمهورية الخامسة، التي اسسها الجنرال ديغول سنة ،1958 وقد فشل الرئيس ان يرمم صورته من خلال المقابلة التلفزيونية الاخيرة، التي اراد منها ان يضع نفسه فوق اتهامات الفساد .
صيف فرنسا قاتم، ولكن خريفها ينذر بمفاجآت، والأمر لا يتوقف عند تداعيات فضيحة بيتنكور، وانما يتعداه إلى فشل اليمين الحاكم في ايجاد حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فالبطالة والغلاء في تنام مستمر، وظاهرة الجنوح باتت تشكل صداعا مستمرا للمواطن في حياته اليومية، وهذا ما يمكن ان يلحظه المرء في الاماكن العامة، التي تفشت فيها ظواهر السرقة على نحو لا مثيل له، حتى إن موظفي المصالح العامة، وخصوصا قطارات الانفاق، صاروا يقدمون ارشادات حول الوقاية من النشالين واللصوص .

الخليج السياسي