مشاهدة النسخة كاملة : عملية القاعدة .... منعطف خطير حسب أغلب المراقبين


همام
07-30-2010, 10:16 AM
عملية القاعدة .... منعطف خطير حسب أغلب المراقبين

http://img251.imageshack.us/img251/7721/110345.jpg

اتخذت موريتانيا هذا الأسبوع منعطفاً جديداً وحاسماً بكل المقاييس، بعد أن خطا الجيش الموريتاني خطوته المثيرة بالقيام بأول عملية عسكرية خارج حدود البلاد، حيث وجه ضربة لمعاقل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” داخل الصحراء الكبرى في شمال مالي . وبذلك نفذ الجيش الموريتاني “انقلاباً” هذه المرة على استراتيجية “الانكفاء” المتبعة منذ ثلاثة عقود . إذ للمرة الأولى تقوم دولة من دول منطقة الساحل الحاضنة للقاعدة (الجزائر، النيجر، مالي، موريتانيا) بعمليات عسكرية علنية داخل أراضي دولة أخرى .

السلطات الموريتانية أعلنت أن الهجوم استهدف مجموعة إرهابية كانت تستعد لهجوم وشيك على القاعدة العسكرية الموريتانية في منطقة “باسكنو”، لكن فصولاً أخرى دخلت في “حبكة” هذه الرواية مع إعلان فرنسا أن الهجوم استهدف تحرير الرهينة الفرنسي “ميشيل جيرمانو” (78 عاماً) الذي انتهت المهلة التي حددتها القاعدة لتحريره يوم الاثنين الماضي .
ما “عقّد” الهجوم العسكري الموريتاني الاستباقي على معاقل “القاعدة” هو مشاركة قوات فرنسية في العملية إلى جانب دعم لوجستي واستخباراتي فرنسي . وهو ما أثار ردود فعل داخلية وإقليمية ودولية متباينة، وأثار العديد من التساؤلات عن الوضعين العسكري والسياسي في موريتانيا مستقبلاً .
العمليات العسكرية الموريتانية الفرنسية المشتركة التي استمرت في شمال مالي لمدة ثلاثة أيام وأدت إلى مقتل 7 من عناصر التنظيم وفرار أربعة بينهم جريح، كشفت بما لا يدع مجالا للشك أن نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز بدأ “المرحلة الثانية” والأهم في استراتيجيته في “الحرب الشاملة” على “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، والمتمثلة في استباق عمليات التنظيم بتوجيه ضربات لخلايا ومعسكرات التنظيم داخل معاقله في شمال مالي والتي ظلت توصف منذ عشر سنوات ب”الحصينة” .
لكن من الذي تدخل من تحت الطاولة إقليمياً، وأفشل الأهداف الكبيرة للعملية بعد أن عملت القوات المهاجمة وفق معلومات أمنية مؤكدة عن وجود 150 من مسلحي التنظيم في مكانين محددين، (وهو تجمع هائل وفق طبيعة العناصر السلفية المسلحة)، قبل ساعات من الهجوم إلا أن انسحاب القوة الرئيسية في التجمع السلفي المسلح من مكانها بشكل مفاجئ، طرح أسئلة محرجة عمن يقف وراء فشل العملية خاصة أنه تم إبلاغ دول بالعملية قبل ثمان وأربعين ساعة من تنفيذها .
وقد دلت طبيعة العملية العسكرية التي خطط لها جيدا في باريس ونواكشوط وعلى أعلى المستويات (لقاء الرئيس عزيز وساركوزي في الاليزيه مؤخراً) أن الاستخبارات الفرنسية والموريتانية تغلغلت بشكل غير مسبوق داخل الصحراء الكبرى عبر سكان إقليم “أزواد” (عرب وطوارق مالي) الذين شكلوا منذ عشر سنوات خط التماس الاجتماعي الوحيد مع “القاعدة” . ما يعني أن هذا المجهود الاستخباراتي الذي بني خلال الأشهر الأخيرة تم على أساس خوض حرب استباقية . بل لم تترك نواكشوط فرصة للتأويل عقب تأكيد وزير الإعلام الموريتاني حمدي ولد المحجوب “أن موريتانيا لن تنتظر حتى يقوم الإرهابيون بمهاجمتها”، معلنا أن الجيش سيقوم بعمليات عسكرية استباقية ضد تنظيم القاعدة .

منذ اليوم الأول للهجوم الموريتاني على القاعدة أجمع المراقبون والمحللون السياسيون على أن موريتانيا دخلت منعطفاً خطيراً، وصبت التساؤلات في هذا الميدان حول سؤالين مركزيين هما: هل تخوض موريتانيا “حرباً بالوكالة” بعد أن أحجمت حتى الآن دول “اتفاق تيمنراست” (الجزائر، ليبيا، النيجر وموريتانيا) عن القيام بعمليات مشتركة ضد القاعدة في الصحراء الكبرى رغم تأسيس قيادة عسكرية مشتركة لهذا الغرض، وهي القيادة التي يفترض أنها تشكل “البديل المحلي والواقعي” لتصرف الدول منفردة وتشتيت جهودها، ومن جهة أخرى للقيادة المشتركة التي تشكلت في واغادوغو بمبادرة أمريكية أوروبية .
والسؤال الثاني هل تقدم موريتانيا بالفعل، تحت إلحاح مصالحها وإكراهات التحالف مع فرنسا وأمريكا، على تسهيل مهمة التواجد العسكري الأجنبي في المنطقة، وهو الموضوع الذي يشكل “خطاً أحمر” لدى الجزائر وليبيا اللتين تتخوفان من أن يؤسس “التواجد العسكري الأجنبي” في المنطقة لبعد استراتيجي متعلق باستغلال ثروات الساحل من جهة، وتغيير التوازنات الإقليمية التقليدية فيه، ومبرر للجماعات السلفية في بلدان أخرى بالالتحاق بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي و”أفغنة” المنطقة تحت ذريعة حرب مقدسة ضد “القوات الأجنبية” .
هذه الأسئلة المعلقة بسقف الحدث الأسبوعي الرئيسي في موريتانيا، لا تغطي السؤال الجوهري بالنسبة للرأي العام الموريتاني، في ظل التخوف من ردة الفعل (الانتقام) من الخلايا الإرهابية، وهو هل هذه الخطوة الموريتانية جاءت بعد دراسة متأنية لتكاليف حرب من هذا النوع، أم تم دفع موريتانيا إلى وضع رقبتها داخل الأنشوطة الجهنمية للحرب المفتوحة على السلفية المسلحة؟
وبصيغة أخرى، هل الجيش الموريتاني يملك فعليا الإمكانات العسكرية واللوجستية الكفيلة بخوض حرب استباقية ضد “القاعدة”؟، وهل ستتجنب موريتانيا ما آل إليه الوضع في مناطق أخرى من العالم تعاونت في الصراع المفتوح بين الغرب والقاعدة، فأصبحت أراضيها وجهة للإنزالات العسكرية والضربات الجوية وغيرها من دون علم منها؟
أياً كانت الاحتمالات قابلة للترجيح، فلم يعد لدى صانع القرار الموريتاني خيار في التراجع إلى الوراء، وأمام موريتانيا عمل عسكري وأمني جبار للقيام به في حدودها الشرقية والشمالية، وتحديدا في إقليم “أزواد” (شمال مالي) الخارج عمليا عن سيطرة السلطات المالية من أجل تأمين جيشها وحدودها أو تأدية رسالتها الجديدة في المنطقة .
المنعرج الموريتاني الجديد، حظي بردود فعل متباينة داخلياً وإقليمياً ودولياً، ففضلا عن الموقف الفرنسي الواضح بالمشاركة في العملية العسكرية الموريتانية ضد “القاعدة”، كشفت الولايات المتحدة أن العملية الموريتانية جرت بالتنسيق معها وبمشاركة المعلومات الاستخباراتية بشأنها، وأعلنت الخارجية الأمريكية خطورة “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” على أمن المنطقة وأمن أوروبا وأمريكا .
أما مالي التي جرت العملية على أرضها، والمتوترة علاقتها أصلاً بنواكشوط بسبب سحب موريتانيا قبل أشهر لسفيرها من باماكو احتجاجا على خضوع مالي للضغوط الفرنسية وإطلاق سراح معتقلين سلفيين مقابل تحرير “القاعدة” للرهينة الفرنسي السابق “أبيير كامات”، فلم تعلن موقفها بشكل رسمي، واكتفت في اليوم الأول بالقول وعلى لسان مصدر عسكري لم يكشف عن اسمه بأن الجيش الموريتاني نفذ عملية عسكرية على أراضي مالي من دون علمها، وذكرت أن اتفاقية “تنمراست” تسمح لجيوش الدول الأخرى بعبور الحدود لملاحقة الإرهابيين ولكن مع إعلام القادة العسكريين للبلد الذي يتم عبور حدوده “وهو ما لم تقم به موريتانيا”، ثم عادت مالي، التي أوفدت إليها موريتانيا وفدا عسكريا رفيعا برئاسة وزير الدفاع، وربما تحت الضغوط الفرنسية، إلى الإعلان عن “تشجيع” دول الجوار على ملاحقة الإرهابيين داخل أراضيها، وعلى لسان مسؤول عسكري أيضا لم يعلن اسمه .
أما الجزائر، المعني والفاعل الرئيسي في المنطقة وفي الحرب على “قاعدة المغرب الإسلامي”، فلم تعلن موقفها الرسمي حتى يوم الأحد الماضي، وإن لوحظ أن الصحف الجزائرية وصفت العملية ب”الفاشلة” وشنت هجوما عنيفا على الحكومة الموريتانية واتهمتها بالإخلال بالتزام التنسيق الأمني والعسكري مع دول منطقة الساحل في مجال مكافحة الإرهاب وملاحقة عناصر القاعدة “عندما وضعت عمليتها العسكرية تحت إشراف فرنسا لوجستياً واستخباراتياً” .
إلا أن المراقبين لاحظوا إعلان الجزائر في اليوم الثاني للعملية الموريتانية عن سحب استثماراتها النفطية من موريتانيا، وإذا كان سحب هذه الاستثمارات مبرراً اقتصادياً في ما يتعلق بشركتي “نفتك” و”سوماغاز” نتيجة لوضعهما كشركتين مفلستين، فإن سحب حصة الجزائر في الاستثمار في التنقيب عن النفط الذي تقوم به “توتال الفرنسية” في “حوض تاودني” شمال موريتانيا لا يجد حتى الآن تفسيراً مقبولاً، رغم أن وزير الطاقة الجزائري حرص على توضيح أن سحب هذه الاستثمارات قرار اقتصادي ولا علاقة له بالشأن السياسي .
أما على الصعيد الداخلي، فقد أدى التغيير في الاستراتيجية الموريتانية في الحرب على “القاعدة”، إلى ردود فعل متناقضة خاصة داخل أحزاب المعارضة .
فقد أعلنت منسقية أحزاب المعارضة إدانتها للعملية التي وصفتها ب “إعلان حرب دون إبلاغ البرلمان”، وقالت إنها تعرض حياة الجنود والمواطنين الموريتانيين للخطر، ولعبت المعارضة على حساسية العلاقة مع مالي، حين اتهمت الحكومة بانتهاك سيادة دولة صديقة، كما أثارت من جديد موضوع التواجد العسكري الفرنسي على الأراضي الموريتانية .
فيما كان “حزب التحالف الشعبي التقدمي” المعارض الذي يتزعمه رئيس البرلمان مسعود ولد بلخير قد عبر عن أكثر المواقف حدة تجاه الحادث، واعتبر أن التبريرات التي قدمها النظام الموريتاني لهجومه الأخير ضد القاعدة “لا تكفي لتوغل قواتنا المسلحة للمرة الثالثة في الأراضي المالية” .
ورأى الحزب أن هذا التوغل “قد يعرض بلادنا لمخاطر أزمات كبيرة مع الدولة المالية”، كما أنه “يعرض سكاننا المدنيين لردة فعل الإرهابيين” .
وقال الحزب في بيان صادر عنه إن “الجنرال” محمد ولد عبد العزيز دفع “ودونما تأمل مسبق بوحدات من القوات المسلحة الموريتانية داخل التراب المالي، مؤطرة من طرف ضباط فرنسيين بغية تحرير المواطن الفرنسي المهندس ميشل جورمو” .
واعتبر أن النظام “كشف عن طبيعة المهمة الموكلة إليه” حيث إن “الدول والأوساط التي ساعدته وأيدته زاعمة أنه هو الوحيد الذي يستطيع مكافحة الإرهاب والهجرة السرية في موريتانيا، بدأت تتدخل بصفة علنية في الشؤون الداخلية للبلد” .
ودان “المبادرات الارتجالية” التي قال إن النظام يتبعها “والتي تتعارض مع الاتفاقيات والتنسيقات التي تم عقدها مع الدول الشقيقة والجارة مالي والجزائر” .
ودعا الحزب جميع القوى السياسية الموريتانية والمجتمع المدني “إلى رص الصفوف في وجه هذا النظام” ومواصلة النضال ل “فرض نظام ديمقراطي حقيقي” .
غير أن زعيم المعارضة أحمد ولد داداه أعلن دعمه للجيش الموريتاني وطالب بتوفير الظروف المعنوية والمادية للجيش في تصديه للإرهاب، وهو الموقف نفسه الذي اتخذه حزب “عادل” (عضو المنسقية)، وتلاه حزب “تواصل” التيار الإسلامي الموريتاني في نفس الموقف .
أما حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، فقد دعا الشعب الموريتاني للوقوف صفا واحدا خلف الجيش في “مواجهة الإرهاب العالمي”، وهنأ الجيش بالانتصارات التي حققها في المعارك الأخيرة “ضد قوة ظلامية غاشمة، بادأتنا في أكثر من مناسبة بالعدوان انتهاكا لسيادتنا، وإراقة لدماء جنودنا، واستهتاراً بكل القيم الإسلامية والإنسانية في مشاهد دموية همجية لم ترع إلا ولا ذمة . . بل إن بعضها ارتكب خلال شهر رمضان المبارك” .
واستنكر الحزب في بيان صادر عنه ما وصفها ب”المواقف الخجولة والمرتبكة لمنسقية المعارضة والتي تفتقر في محصلتها للعودة إلى مقاعد الدراسة لتتعلم درسا أصيلا في الديمقراطية مؤداه أن هناك لحظات في حياة الشعوب والأمم محجوزة سلفا لمواقف الإجماع الوطني وللاستعلاء على التجاذبات الحزبية المألوفة” .
واستغرب الحزب “اهتمام منسقية المعارضة بسيادة دولة صديقة” في الوقت الذي تتجاهل فيه تهديد ثلة من الإرهابيين لسيادة الوطن، كما استغرب ادعاء المعارضة لوجود قوات أجنبية على الأراضي الموريتانية في وقت يدرك فيه الجميع وضوح الشواهد والأدلة على زيف هذا الادعاء وبطلانه” .
ودعا الحزب منسقية المعارضة إلى البحث لها عن دور غير حملات التشكيك في المواقف الوطنية الحساسة، معلنا إصراره على حماية سيادة البلد وحوزته الترابية “مهما كلف الثمن” .
العملية العسكرية التي كشفت ما يمكن وصفه بملامح الاستراتيجية العسكرية الموريتانية الجديدة، ربما تكون أيضا قد كشفت عن السر وراء مبادرة الرئيس الموريتاني خلال الفترة الأخيرة لدعوة المعارضة إلى الحوار السياسي، خاصة بعد دعوة الرئيس محمد ولد عبد العزيز زعيم المعارضة يوم الاثنين الماضي للقاء في القصر الرئاسي بنواكشوط، وهو اللقاء الأول من نوعه بين الرجلين منذ الانتخابات الرئاسية الماضية التي رفضت المعارضة الاعتراف بنتائجها بشكل مباشر وحاسم .
فالدعوة للقاء في هذا التوقيت بالذات، كما يرى مراقبون في نواكشوط، على قدر كبير من الأهمية ليس أقله محاولة تخفيف الاحتقان السياسي في ظل التحول الكبير في الوضع العسكري والأمني في البلاد .
ويقول الكاتب والمحلل السياسي سيد أحمد ولد باب إن “نواكشوط بمعركتها الحالية قد دخلت منعطفاً بالغ الخطورة ليس على المستوى العسكري فحسب بل على المستوى السياسي شبيهاً بما عاشته البلاد بداية عقدها المنصرم في ظل عدو خارجي متربص، وجبهة داخلية هشة وقوى خارجية تضغط من أجل تحقيق مصالحها الذاتية بغض النظر عن تداعيات الأمور” .

عن الخليج