مشاهدة النسخة كاملة : الضريبة في موريتانيا : في خدمة الدولة والمجتمع أم وسيلة للثراء والتملك ؟


همام
07-29-2010, 02:31 AM
الضريبة في موريتانيا : في خدمة الدولة والمجتمع أم وسيلة للثراء والتملك ؟


مقال قيم للدكتور حمودي ولد شيخنا ولد عالي أصعه بين أيدي قراء مشاهد نت ليستفيدوا من الطرح الأكاديمي الذي عرضه الدكتور

-------------------

من الحقائق الثابتة أنه ما من مجتمع يتطور اقتصاديا واجتماعيا إلا إذا تهيأت الإرادة الحقيقية للبناء، وتكافأت أمام جميع أفراد المجتمع فرصة الحياة بنظام يقضي علي الظلم الاجتماعي ويعمل على إقامة العدالة الحقة في توزيع الدخول والثروات، وبالتأكيد إذا ما قامت إلي جانب ذلك زعامة رشيدة وتجاوبت مع رغبات أفراد المجتمع في تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي فلن يكون بعد ذلك إلا المشاكل العملية التي تنشأ في طيات عمليات البناء و التي يمكن تجاوزها من خلال تفعيل دور الأجهزة المكلفة بالمتابعة والرقابة.
وفي هذا المقام وعلي اعتبار أن موريتانيا عانت كثيرا من تداعيات سياسات لم تكن وليدة الحاجة الفعلية لمتطلبات البناء، وبما أنها الآن تعيش مرحلة جديدة تبنى متخذو القرار فيها شعار إعادة التأسيس، ويتطلع فيها الجميع إلي اتخاذ قرارات قوية لصالح التنمية الشاملة، لذلك فإننا نرى ضرورة تسليط الضوء على أحد المواضيع الشائكة والحساسة، والتي يجب أن تكون أولوية ضمن أجندة الإصلاح الذي هو مطلب الجميع وشعار المرحلة، إنه موضوع الضريبة وطرق تكييفها واستغلالها لصالح التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الضريبة وما يمكن أن تلعبه لصالح العدل والإنصاف وتكافؤ الفرص، الضريبة وما يمكن أن تلعبه من تحفيز ودفع للقطاعات المختلفة من أجل إقامة تنمية شاملة جهويا ووطنيا.
لقد شغل بالي كثيرا النظام الضريبي الموريتاني وعجزه عن تأدية دوره المالي والاجتماعي والاقتصادي بصورة تحد من وقع نتائج سياسات لم تأخذ يوما في الاعتبار ضرورة الانسجام بين التشريع وإمكانية التحصيل من جهة، وتمكن من المساهمة الإيجابية في مواجهة مشاكل الاستغلال السيئ، والتفاوت الكبير في توزيع الثروة والدخل القومي، والعجز في الموازنة العامة للدولة من جهة أخرى، وهذا ما جعلني أكتب لأنبه أولا بأول على ضرورة الاهتمام بإدارة التقنيات الضريبية خدمة لتحقيق أهداف التنمية عامة والعدالة الاجتماعية خاصة، وللتعبير علي الأقل عن عمق الفساد الحاصل ـ المحسوس والمعاش ـ في هذا المرفق الذي يعتبر إصلاحه العمود الفقري لعمليات إعادة تأسيس المرافق العمومية في الجمهورية.
ولغرض تأصيل الموضوع والتأكيد علي ضرورة أن يحتل مكانة مهمة ضمن اهتمامات السلطات العليا في البلد، أشير إلى أن المتتبع لتاريخ النظام الضريبي الموريتاني يلاحظ أن أول حكومة موريتانية لم تتأخر في استخدام الضريبة كمورد سيادي للدولة، لكن بدون أن يكون هنالك تكييف لدورها في جلب وتوجيه الاستثمارات علي نحو يتماشى ومتطلبات التنمية الشاملة في البلد، هكذا تبنت حكومة الاستقلال 1960 النظام الضريبي الفرنسي، واستمرت في تطبيقه حتى سنة 1970، تاريخ صدور أول تشريع ضريبي موريتاني، بموجب الأمر القانوني رقم: 70019 بتاريخ: 16 يناير 1970، وعلي الرغم من أن هذا التشريع لم يتعدى في مضمونه كونه تجميعا للنصوص الواردة في قوانين الميزانية السابقة لإصداره، فإن العمل بمقتضاه ظل ساريا لغاية 1982 تاريخ صدور الأمر القانوني رقم: 82060 المتضمن للقانون العام للضرائب، وقد توالت بعض التعديلات الأخرى بموجب العديد من الأوامر القانونية كان أبرزها القانون رقم: 94010 الصادر بتاريخ: 24 يناير 1994 هذا بغض النظر عن التغيرات السنوية التي تحدث من خلال الإجراءات والقوانين التي تبين أشكال الضرائب ومقدارها وطريقة تحصيلها استجابة للظروف من وجهة نظر المشرع آن ذاك، لكن الإشكال الذي ظل قائما بالفعل هو: أن أي تعديل للنظام الضريبي ـ يراعي مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي ويستجيب لمتطلبات البناء و يمكن أن يقدم حلولا لبعض المشكلات والمتناقضات التي قد تكون بفعل تشابك الأوضاع المالية والاجتماعية والاقتصادية ـ لم يحصل إطلاقا، وهو ما يعني أن نظامنا الضريبي يحتاج إلي نظرة جديدة وعميقة تستجيب لمقتضيات الإصلاح، حيث تصبح الضريبة من خلال تكييفها واستغلالها، أداة لتحقيق أهداف التنمية الشاملة والعادلة، وليست مجرد وسيلة للفساد ووسيلة لتملك وثراء أقلية علي حساب أغلبية ساحقة، وفي هذا الإطار وتجسيدا لما يمكن أن يعتبر الخطوة الأولى علي طريق إصلاح النظام الضريبي، والعمل على تأدية دوره المالي، والاقتصادي، وتحقيق هدفه الاجتماعي بالشكل والمضمون أرى أنه علي القيادة السياسية الحالية للبلد التفكير في المسائل التالية حتى لا يبقى نظامنا الضريبي عاجزا كما كان عن المساهمة الإيجابية والفعالة في مواجهة مشاكل التخلف وتحديات التنمية والعدل الاجتماعي:
أولا ـ إعادة النظر بل المراجعة الشاملة للنظام الضريبي الموريتاني وفق المقاييس الوطنية والمحددات التي يتطلبها واقع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلد بحيث تكون الضريبة حافزا علي الاستثمار المنتج وليست أداة تمويل لأصحاب النفوذ، من خلال التلاعب بالإعفاءات الضريبية التي يمنحها قانون الاستثمار وفقا لنظامي الامتياز في موريتانيا (نظام المقاولات ذات الأولوية ـ ونظام اتفاقيات التأسيس والإقامة)، وهي إعفاءات تخسر الدولة بموجبها أموال طائلة دون مقابل و حتى بدون مساءلة للمتلاعبين بها، وفي ذات السياق يجب اعتبار الضريبة أداة لتوزيع الأعباء العامة بين المواطنين، وأداة لتقريب الفوارق بين الجهات والطبقات ووسيلة للحد من مظاهر البذخ و الاستهلاك الترفي وليست مجرد وسيلة للحصول علي موارد مالية بغض النظر عن القدرة التكليفية للمواطن.
ثانيا ـ سبيلا لتحقيق إصلاح جاد وهادف يجب علي المشرع في إطار المراجعة الشاملة أن يحرص علي الوضوح، والعدالة، والبساطة، في منهجية وضع الضريبة، وطرق تحصيلها، ليكون المكلف علي وعي من واجبه، ولتقطع الطريق أمام من يريد الغش أو التضليل، كما يجب اعتبار الخصوصية الوطنية، لحماية المواطن من عمليات الإغراق التي تنجم عن حرية انسياب السلع، تنفيذا لبنود اتفاقية منظمة التجارة العالمية وغيرها من الاتفاقيات التي يفرض منطق الإصلاح الجاد إعادة النظر في جدوائيتها بالنسبة للبلد.
ثالثا ـ إن أي تطوير للنظام الضريبي يجب أن يستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث تتخذ إجراءات عملية تمس نظام الضرائب برمته سواء في ذلك الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة، وهنا أشير إلي أن الاحتكام إلي بعض المؤشرات و تحديدا الأهمية النسبية للضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة في الكتلة أو الحصيلة الضريبية يبرز الاختلال الواضح في الهيكل الضريبي الموريتاني ويتمثل ذلك في الارتفاع الكبير للأهمية النسبية للضرائب غير المباشرة في إجمالي الحصيلة الضريبية، حيث مثلت في المتوسط 70% خلال الفترة (2003 ـ 2009)، وهو ما يؤكد أن أصحاب الدخول المحدودة (الفقراء ) وهم الغالبية من الشعب هم الذين يتحملون الأعباء بصورة أكبر.
في الأخير أشير إلي أن النتائج السلبية المترتبة على سياسات الانفتاح الاقتصادي التي أخذت بها موريتانيا في العقود الأخيرة، تستوجب مراجعة شاملة للنظام الضريبي الموريتاني (مجموعة التشريعات والسياسات والأجهزة التي تخطط وتدبر وتنفذ عمليات الاقتطاعات المالية للدولة)، بحيث تكون الضريبة الأداة الرئيسية لتحقيق أهداف التنمية عامة والعدالة الاجتماعية خاصة، وأؤكد في هذا الإطار علي أن نجاح تجربتنا الديمقراطية، ورسوخ قدمها رهين بما تحققه الدولة في عهدها الجديد من محاربة لسوق الفساد، وبما تحققه من تقدم اجتماعي واستقرار اقتصادي، وكما يقال (إذا كان الخائف لا رأي له، فإن الجائع لا أمان له، وإذا كان التقارب بين الدخول يشيع المحبة في النفوس ويحقق التجانس بين أفراد المجتمع ـ الأمر الذي يدعم السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية ـ فإن التفاوت الكبير في الدخول يؤدي إلي عكس ذلك تماما، لأنه يساعد علي بث الحقد والكراهية في النفوس ويدفع إلي الفرقة والانقسام في المجتمع).

عن الأخبار