مشاهدة النسخة كاملة : إشراقات شنقيطية الحلقة السادسة "بداية التشكل الثقافي مع حركة المرابطين"


محمد فاضل بن أحمدو
07-27-2010, 04:40 PM
إشراقات شنقيطية
الحلقة السادسة
بداية التشكل الثقافي مع حركة المرابطين

عرفت بلاد الملثمين الإسلام مبكرا - كما مر بنا سابقا - وقامت فيها دولة إسلامية منذ القرن الثالث الهجري بزعامة القبائل الصنهاجية ذات القوة والسلطان([1]) لكن الإسلام ظل شكليا وظل الجهل بأحكامه هو الغالب الأعم ، ويبدو من خلال العرض التاريخي - في الحلقة الأولى - أن ثمة مسوغات تبرر عدم سريان الإسلام بسهولة ويسر وسرعة في كيان الصحراويين ولعل من أهم تلك المسوغات طبيعة الملثمين الذاتية ، فالقوم غالبيتهم من قبائل صنهاجة التي كانت تدين بالوثنية وتتكلم الرطانة البربرية([2]) وتتشبث بالعصبية القبلية وتتباها بالسلطة والقوة وتعض على عاداتها وتقاليدها بالنواجذ ، ولا يخفى ما للعامل اللغوي من أهمية في بلورة الفهم الصحيح والتخلي عن العادات والأفكار الخاطئة
ولذلك ظل الإسلام غريبا في غياب اللغة العربية والثقافة الإسلامية الرصينة ([3]) .
كما أن العامل المناخي قد يكون له دور هو الآخر لما له من انعكاسات على حياة الناس ، فمنطقة الصحراء أرض شاسعة المساحة مترامية الأطراف حارة وجافة وقليلة المياه ، وأمطارها موسمية ونزولها مضطرب .. وسكانها لا يقر لهم قرار ولا تعرص لهم دار بحثا عن الماء والكلأ والعشب أو الصيد، ثم إن البعثات التي ظلت تغذي أرض الملثمين ثقافيا وتربطها بالشمال الإفريقي وبلاد السودان كان أغلبها في هذه الحقبة من التجار، وإن كنا نفترض أنه كان لبعض هؤلاءالتجار دور لا يستهان به في الدعوة والتعليم إلا أنهم ليسوا متخصصين في العلم ولا متفرغين للدعوة .
هكذا كان حال أهل الصحراء من قبل ، حتى منّ الله عليهم بالمعلم الأول عبد الله بن ياسين ليجدد لهم أمر دينهم وفق منهج شامل ومتكامل سُداه العلم ولُحمته الدعوة والجهاد ( فاستطاع أن يقوٌم سلوكهم ويحملهم على الوقوف عند حدود الله أمرا ونهيا واستخدم لذلك أساليب عديدة منها - على سبيل المثال – ضرب المتخلف عن الصلاة عشرين سوطا كما طلب من إحدى القبائل إنفاق ثلث مالها ليطيب لها الثلثان الباقيان([4])).
غير أن هذه الأحكام "المرتجلة" كانت شديدة على أشداء القوم فوقفوا في وجه " المعلم " وأعرضوا عن علمه وطردوه ، فانتبذ في جزيرة قصية ليعد لقومه نخبة منهم تعينه على إحقاق الحق وكسر حاجز المألوف وإطفاء جذوة العصبية وغسل براثين الوثنية والقضاء على البدعة وإقامة الشعائر الإسلامية على الطريقة الصحيحة المرضية ، وقد أخِذ على ابن ياسين أنه تشدد في التعزير وبالغ في التأديب ‘ لكن الرجل كان يعرف - جيدا - شدة قومه وتصلبهم وصعوبة إخضاعهم للحق ، فاجتهد ، فوفق في تحقيق أهدافه إلى حد كبير ، رغم كل الصعاب التي تجشمها معه الفرسان الثلاثة على التوالي : يحيى بن إبراهيم ثم يحيى بن عمر ثم أبوبكر بن عمر وقد تحمل هذا الأخير الإمامة إلى جانب الإمارة بعد وفاة بن ياسين سنة 451هـ/ 1059م .
بعد هذه المقدمة المجملة عن ابن ياسين وجهوده الإصلاحية ينبغي أن نتحدث عن الجانب الثقافي لحركة المرابطين وكيف أسسوا لنهضة ثقافية شهدتها المنطقة بعد سقوط دولتهم بقرون ، ولا شك أن القارئ يتوقع منا ذلك انطلاقا من العنوان والسياق.
لكن الباحث لا يجد عن هذا الموضوع ما يروي غليله ويسد خلة القارئ سوي شذرات قليلة متفرقة ، لكنها دالة ومهمة لتواترها وعدم وجود غيرها واطراد الحديث عنها حتى غدت من المسلمات ويمكن حصرها في النقاط التالية:
1 - على الرغم من الغموض الذي اكتنف عهد المرابطين فإن الإجماع منعقد - أو يكاد _ على أنهم أدخلوا الإسلام إلى أرجاء الصحراء دخولا حقيقيا لا رجعة فيه ورسخوا العقيدة الإسلامية والمذهب المالكي في الكيان الصحراوي واذاكانت المنطقة لم تعرف بعد دولة المرابطين حكما سياسيا يلم شتاة البلاد ويوحد الناس على كلمة سواء ، فقد عرفت تراكمات ثقافية – وإن كانت بطيئة – على النسق الذي وضعه ابن ياسين ([5]).
2 – إن الرباط الذي أقامه ابن ياسين كان يجمع بين التعليم والتعلم والجهاد ( ولعل هذا الرباط كان المحظرة([6]) الأولى في بلاد شنقيط محظرة وفقت في جعل الفقه مأمور الدين وزادا ووقودا وسلاحا للمجاهد وهكذا نستطيع أن نؤرخ بداية النشاط المحظري التعليمي .. بتأسيس رباط عبد الله بن ياسين )([7]).
3 – كان المنهج الدراسي في فترة المرابطين الأولى هو القرآن العظيم والحديث النبوي الشريف والعقيدة والفقه المالكي ، لكننا لا نملك عن طرق التدريس وآلياته ومؤسساته سوى ما ذكره بعض الباحثين من أن ابن ياسين كان يعتمد – في الغالب – أسلوب التلقين في تدريسه وفتاويه التي كانت متداولة باللغة الصنهاجية ( وليس بالعربية الفصحى التي لا يعتقد أنها كانت معتمدة لدى ابن ياسين بإصدار الفتاوي أو تدريس تفسير النصوص ([8]).
4 - عند عودة أبي بكر بن عمر من المغرب حيث تنازل لابن عمه يوسف بن تاشفين عن الإمارة هناك ( مر بآغمات وريك([9]) ) فاصطحب معه أبا بكر محمد بن الحسن الحضرمي([10])وإبراهيم الأموي([11]) وعبد الرحمن بن أبي بكر الركاز وعبد الله جد الزينيين ولا نعلم شيئا عن سيرة العالمين الأخيرين )([12])
5 – علي الرغم من أن المؤلفات القديمة قد التزمت الصمت حيال الطور الأخير من تاريخ الحركة المرابطية إلا ما كان من إشارات عابرة([13]) فإنها أعطت الإمام الحضرمي من الاهتمام ما لم تعط لأحد من معاصريه وذلك قبل أن يصل الصحراء فقد ذكره صاحب الصلة([14]) وصاحب الغنية([15]) ومؤلف الإعلام وصاحب التشوف وصاحب الأزهار([16]) ومحقق الإشارة([17]) ... وملخص ما كتبه هؤلاء وغيرهم عن الإمام الحضرمي هو أنه عالم فقيه لغوي أصولي متكلم بالإضافة إلى أنه منظر سياسي ، وقد أخذ عنه بعض الأعيان من أهل المغرب وذكر غير واحد أن له مؤلفات في العقائد وغيرها ( ومن يوم أن دخل الحضرمي أزوكي " مدينة الكلاب " التي تبعد اليوم 15 كلم من مدينة أطار ... لم نعلم عنه([18])) سوى ما ألفه الخيال الشعبي من قصص حول كراماته وخوارقه ومن ذلك على سبيل المثال أنه لما وصل " أزوكي" تلقته الكلاب بالبِشْر وهشت في وجهه وبشت وانقلبت على مالكيها لصالح الولي([19]) .. ومما يروى كذلك في هذا المضمار أن محمد المجذوب([20]) المتوفي سنة 1098هـ لقى الإمام الحضرمي – بعد وفاته بستة قرون فأملى عليه أورادا وأدعية وابتهالات سجلها(المجذوب) في كتاب المنة([21]) ونسبه إلى الحضرمي باعتبار أنه – الكاتب- كان واسطة يكتب ما يملى عليه شيخه الحضرمي، ولم يكن قبر الحضرمي معروفا ولا معلما قبل أن يكتشف المجذوب مكانه عن طريق المكاشفة ‘ فبنى عليه .. واتخذ من زيارته نسكا التزمه وألزم به أتباعه([22]) .
الذي يهمنامن هذا النسج الجريء والعجيب هو أن الرجل قد أثر في حياة الناس تأثيرا روحيا كبيرا بغض النظر عن إيجابيات مفعوله وسلبياته ،كما ساهم في إرساء قواعد الإسلام في صحراء الملثمين بعد معلمهم الأول عبد الله بن ياسين فاستحق " الحضرمي " بذلك لقب المعلم الثاني بجدارة .



الهوامش
--------------
[1] - هي اكدالة ومسوفة ولمتونة.
[2] - كانت القبائل الصنهاجية تتكلم – في الأساس – اللغة المعروفة با سم ( تا مِشْكِيتْ ) وهي لغة مكتوبة كشفت الحفريات عن نماذج منها على الصخور وتسمى كتابتها "تِيفَاغْ" وما زال بعض الطوارق يجيد كتابتها وقراء تها إلى اليوم وقد تكون اللهجة المعروفة ( اكلام أزناكة ) والتي ما زالت بقاياها في موريتانيا إلى اليوم منبثقة عن ( تامشكيت ) كما عرف أهل الصحراء أيضا لغة أخرى تسمى " آزير " يعتقد بعض الباحثين أنها انتشرت أثناء عهد" أودغست" وغانا. حول هذا الموضوع راجع: الناني بن الحسين - صحراء الملثمين ص 331 (م س ) وأحمد بن الأمين الشنقيطي: الوسيط ص 512 ( م س).
[3] - النحوي المنارة والرباط ص 63 ( م س ).
[4] - النحوي المنارة والرباط ص 65 ( م س ).
[5] - -(... ويعود الفضل لحركة المرابطين في ترسيخ الإسلام بين صفوف صنهاجة الصحراء بشكل فعلي قائم على أسس معرفية وعقائدية صلبة ونزعة زهدية شديدة) محمدالمختار بن السعد - إمارة الترارزة ج 1 ص 82 (م س )
=(... يمكن اعتبار حركة المرابطين دخول الإسلام الفعلي إلي هذه البلاد دخولا متعمقا راسخا قائما على أسس معرفية وعقائدية متينة) أحمد بن الحسن: الشعر الشنقيطي، ص 43 ( م س).
[6] - المحظرة: مؤسسة تعليمية عالية يقودها عالم متبحر في عدة فنون، يتعهد طواعية بدون مقابل بتربية الطلاب علميا وأخلاقيا في جو من الحرية المنضبطة والمرونة الممنهجة، واختلف الباحثون في أصل الكلمة هل هي مشتقة من الحظيرة فتكون الظاء أصلية أم هي مستمدة من الحضور فتكون الظاء منقلبة عن الضاد وهو وجه مضطرد في اللهجة الحسانية وسيكون لنا عنها حديث مفصل في ثنايا هذا البحث.
[7] - النحوي: المنارة والرباط ص 65 ( م س ).
- ابن حا مد: حياة موريتانيا،ج2، ط1/الدار العربية للكتاب 1990م - بيروت، ص 5.
[8] - الناني بن الحسين: صحراء الملثمين، ص 383 ( م س ).
[9] - اغمات: مدينة أثرية مغربية تقع على بعد 30كلم من مراكش، استقر بها المرابطون أثناء زحفهم نحو الشمال قبل أن يشيدوا مدينة مراكش سنة 1062م وتنقسم " اغمات " إلى مدينتين: " اغمات ايلات " و " اغمات وريكة " وقد عرفتا ازدهارا كبيرا في عهد الأدارسة.
[10] - هو أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي، فقيه و متكلم ومنظر سياسي نشأ بالقيروان واستكمل دراسته في الأندلس وصحب أبا بكر بن عمر اللمتوني مقفله الأخير إلى الصحراء، فرتبه قاضيا ومستشارا، توفي في " آزُوكي " = (مدينة الكلاب )قرب مدينة أطار الحالية سنة 489هـ 1094م
[11] - إبراهيم الأموي جد قبيلة "المدلش" المعروفة بالعلم والفضل ذكر ابن حامد أنه كان يقضي في مجلس الأمير ابن عمر، لم نجد له ترجمة.
[12] - النحوي المنارة والرباط، ص 65 ( م س ) وحول هذا الموضوع أيضا راجع ابن حامد: حياة موريتانيا ج 2 ط 1 الدار العربية للكتاب - بيروت 1990م، ص.
[13] - ددود بن عبد الله: الحركة الفكرية في بلاد شنقيط خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشرهـ ( 17 – 18 م )بحث مقدم لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ – جامعة محمد الخامس – المغرب،1992م ص 41.
[14] - ابن بشكوال = (خلف بن عبد الملك ) كتاب الصلة في تاريخ علماء الأندلس ط1 - المكتبة العصرية.
[15] - القاضي عياض بن موسى اليحصبي:الغنية في تراجم شيوخ عياض (تحقيق محمد بن عبدا لكريم ) ط2- الدار العربية للكتاب – ليبيا 1978 م، ص 165.
[16] - شهاب الدين أحمد بن محمدا لمقري التلمساني:أزهار الرياض في أخبار عياض –صندوق احياء التراث الإسلامي المشترك بين م م المغربية وإ ع م -1987م، ج3، ص161.
[17] - أبوكر محمد بن الحسن ألمرادي الحضرمي:كتاب السياسة والإشارة في تدبير الإمارة/ تحقيق سامي النشار، ط1- دارا لثقافة-الدار البيضاء - المغرب، ص20.
[18] - عبد الله ولد بن احميده: الشعر العربي الفصيح في بلاد شنقيط، ص 40 ( م س ).
[19] - المرجع السابق ص 41.
[20] - هو محمد بن أحمد بن حسين الشمسدي الملقب " بالمجذوب "ويدعى كذلك " الصالح الأمي " ظهر في منطقة آدرار مع بداية القرن 11هـ دعا إلي الالتزام بما في "كتاب المنة" وكان يتشبث ببعض الأفكار المخالفة لمذهب أهل السنة، لقى معارضة كبيرة من القضاة وكبار الفقهاء خاصة بعد تأليف كتاب المنة الذي كانت للعلماء عليه ملاحظات كثيرة.
[21] - كتاب المنة ألف في ستة أجزاء ثم هذبه عبد الله بن أحمد الشمسدي في مجلدين بعد ما ضاعت أجزاء منه وتوجد منه نسخة بحوزة الأستاذ السني بن عبداوه الموظف بالإذاعة الوطنية ونسخة في المكتبة الخليلية بــ " أطار " ( ددود بن عبد الله: الحركة الفكرية في القرنين 11 و12 هـ، ص 110 ) م س.
[22] - المرجع السابق ص 110..

mushahed
07-27-2010, 08:34 PM
شكرا أخي الكريم محمد فاضل بن أحمدو على مواصلة هذه السلسلة الهامة والتي يستفيد منها المتخصص والمطالع لتاريخ بلاد السيبة

اسلوب ممتع ومعلومات أكايمية موثقة

تقبل تحياتي ودعواتي لكم بالتوفيق

chawqi
07-27-2010, 08:41 PM
فاتتني مقدمة الموضوع لم أطلع عليها وسأقوم بالبحث عنها لقرائتها

الموضوع جميل وشيق سأتابعه معك بصمت حتى لا أقطع عليك حبل افكارك
لكن تأكد أنني موجود ..

ملاحظة: اريد منك ان تسهب في الحلقات القادمة من الموضوع وأن تترك الإختصار وسيكون لنا لقاء ونقاش في الحلقات القادمة


في انتظارك