مشاهدة النسخة كاملة : محمد دحلان: غزة حياتي وروحي ...و نتنياهو نصاب


همام
07-26-2010, 04:44 AM
محمد دحلان: غزة حياتي وروحي ...و نتنياهو نصاب


يكثر عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد دحلان من ظهوره الاعلامي هذه الأيام على غير عادته في الفترة الأخيرة. الأسباب من وراء ذلك قد لا تعد ولا تحصى، ولكن المؤكد منها أن الانعطافة الأخيرة في المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي (أو قل حديث المفاوضات) تقتضي منه ذلك الظهور.
رأيناه على أكثر من فضائية، ولكن ظهوره على فضائية 'فلسطين' له مذاق خاص يستحق التنويه. في هذا الظهور الذي تم الأسبوع الماضي تحت مظلة برنامج 'مع الحدث' تسنى لنا أن نسمع آراء أبو فادي في كل صغيرة وكبيرة تخص الشأن الفلسطيني وليس حديث المفاوضات فقط.
خلال هذا اللقاء قدم السيد دحلان ما يكفي من أدلة وبراهين على أن السلطة الفلسطينية وصلت الى مرحلة اللارجعة عن مواقفها الرافضة لسياسة ليّ الذراع التي تتبعها معها اسرائيل على أمل اجبارها على العودة لحظيرة المفاوضات المباشرة. ولا يهم في حديثه هذا الأدلة والبراهين بقدر ما يهم اصراره على أن السلطة لن ترضخ للمطالب الاسرائيلية التي وصلت مرحلة غير مسبوقة من 'الفجور' على حد قوله.
التجارب السابقة وتاريخ 15 سنة من المفاوضات تجنح لتغليب الرأي القائل بأن السلطة عاجلاً أم آجلاً سوف تسلم وتستسلم، لكن تصريحات السيد دحلان الذي كان معظم السنوات الخمس عشرة في قلب المعمعة التفاوضية تزعزع هذا الرأي. فهل تكون هي اذن قشة البعير التي قصمت طاقة الصبر لهذه السلطة الوطنية ذات الصبر الطويل؟ الثابت في الأمر أن نتنياهو 'نصاب' كما وصفه السيد دحلان، الذي يؤكد في المقابل أن السلطة لن تقدم أي تنازلات من أي نوع مهما كانت في قضايا الحل النهائي، وقد برهنت على صلابتها في هذا الشأن في مفاوضات كامب ديفيد، ولكن هذا لا يمنع تكرار السؤال هل السلطة أهل لذلك حقاً؟
الجواب على لسان السيد دحلان مرهون بقوة السلطة وقدرتها على مجابهة الضغوطات التي تمارس عليها وهي ضغوطات دولية جادة، وليست ضغوطات شخصية يهون أمرها. أما التحدي الذي توجبه طاولة المفاوضات نفسها فهو تحد شرس ويفوق في قسوته تحدي العمليات الاستشهادية التي يتوجه فيها الاستشهادي الى وجهته وهو يعلم قدره مسبقاً، يعد نفسه، يتلو سورة من القرآن وينتهي الأمر، أما العمليات التفاوضية فهي طويلة الأمد وعسيرة المخاض وتحتاج الى رؤى واستراتيجيات وتكتيكات...الخ (حق المقارنة والتوصيف محفوظ بالكامل للسيد دحلان وليس لكاتبة هذه السطور)، ولكن السلطة سوف تصمد ولن ترضخ لفجور المطالب الاسرائيلية!
'يحيينا ويورينا' كما يقول المثل الفلسطيني، والمسائل لا بد لها من نهاية ولن تلازم عنق الزجاجة حتى نهايات العمر. لكن الحال ليس كذلك بالنسبة للمصالحة الوطنية والسبب 'حماس' التي لم يطرأ أي تطور على موقفها، وبات العالم كله يعرف أنها لا تريد المصالحة. هذا الرأي للسيد دحلان الذي لا يريحه مستوى التعاطي السياسي المنخفض مع مساعيه لحل أزمة المصالحة، حيث اتهمه البعض بأن اهتمامه بالأمر يعود الى حقيقة كونه 'مشتاقا' لغزة لا غير، ما دعاه لأن يرد على هؤلاء المغرضين أن 'غزة روحي وحياتي.... الخ ولكن لا داعي لتقزيم القضية'.
أما رأي الغالبية وخاصةً أولئك 'الغلابة' الذين ليس لهم مصلحة في 'عنب فتح' ولا 'بلح حماس' أن الأمر ليس تقزيماً للقضية وأن دحلان أو غيره لا يحتاج لسبب أكثر من اشتياقه لغزة كي يهتم ويسعى لاحلال الصلح والمصالحة فيها. ففي نهاية الأمر غزة ليست ملكاً لا لحماس ولا لغير حماس، وليس من حق أحد أن يحرم أحداً آخر أن يعود الى مسقط رأسه متى شاء.
لكن البلاء أعم وأشمل وهو يتجاوز حالة ما وصفه السيد دحلان بـ'الملل'. انها حالة انعدام الثقة وفقدان الأمل التي طالت الفلسطينيين على اختلاف أماكن وجودهم. حالة اللاثقة واللاأمل التي أوصلنا اليها من كنا ننظر اليهم يوماً على أنهم 'فرساننا' استحقوا ثقتنا فاستثمرنا فيهم سنوات شقائنا وحرماننا واحتلالنا ومستقبلنا كي يأخذوا بنا كشعب الى بر الأمان ويبنوا لنا دولة وعاصمتها القدس الشريف، فاذا بهم يضلون الطريق ويقسموننا الى فرق وشعوب، غزة والضفة، حماس وفتح...

مونولوج وليس ديالوجا

الفضاء الفلسطيني على وجه التحديد يعج بالكثير الكثير مما يستحق رصده من تصريحات لهذا المسؤول أو ذاك، والسبب لا يعود للدرر التي تتساقط من أفواه هؤلاء المسؤولين بل لأن كل واحد منهم يقول كلمته ويخلف وراءه عشرات الأسئلة، وكل يسمح لنفسه بأن يخوض في هذا الشأن أو ذاك كما يحلو له مطمئناً الى خلو الساحة الا منه.
حالة 'العزف المنفرد' و'المونولوج' التي يتحاور فيها الشخص مع ذاته أو الجمهور الذي على هواه ولا يتجاوزها الى حالة 'ديالوج' صحية يتحاور فيها مع من يعارضه الرأي لن تجدي نفعاً ولن تقود الى أي شيء.
قبل شهور قليلة وعد القائمون على فضائية فلسطين بفتح الباب أمام الأصوات المعارضة ومنها تلك الصادرة من 'امبراطورية غزة' ولكننا لم نر ذلك واقعاً محققاً حتى الآن. وبالمثل وعدت قنوات حماس بفتح كوة في برامجها الحوارية لـ'الفتحاويين' ولم نر شيئا من هذا القبيل حتى الآن، وفي أحسن الأحوال أمكن ملاحظة بعض مسؤولي الفصائل الفلسطينية المدجنة هنا وهناك وغالباً لغرض البصم الاعلامي لا غير.
مع التحفظ الكامل على الرأي القائل بامكان اصلاح ذات البين السياسي من خلال شاشات التلفزة أو أثير الاذاعات، فان شرف المحاولة على الأقل يستحق هذا الجهد، خصوصاً مع حالة 'اللاثقة واللاأمل' التي تجثم على صدور الملايين الغلابة. ما المشكلة مثلاً فيما لو تمت استضافة 'أحدهم' في هذا البرنامج ليتحاور مع السيد دحلان الذي لا يشكك أحد بالطبع في أنه أفلح حتى اليوم في مراكمة الكثير من الخبرات السياسية التي تستحق الانصات اليها. تلك الخبرات التي بدأت من أولى درجات السلم، حيث كان يتوجه وزملائه للتفاوض مع الاسرائيليين من دون أن يحمل أي منهم ورقة وقلما في جيبه، في حين كان الجانب الاسرائيلي مدججاً بالملفات والوثائق والخرائط التي تحوي أدق التفاصيل، الى أن وصلت تلك الخبرات مبلغاً أن لا يخرج السيد دحلان للحديث لجمهوره الفلسطيني عبر تلفزيونه الخاص الا وهو مدجن بورقة وقلم وقد سجل مسبقاً خطته التفاوضية مع هذا الجمهور! رفقاً بالجمهور الفلسطيني يا تلفزيون فلسطين وقليلا من الاحترام لعقولنا!

أمروها بمضغ أحشائه

عرضت البي بي سي العربي مؤخراً برنامجاً وثائقياً كان سيضاف الى رصيد البرامج الوثائقية الفاشلة عربياً لأنها ببساطة ليست للعرب ولا للذائقة العربية. أما ذلك الوثائقي الذي بحث في سيرة حياة شابة بريطانية كونغولية الأصل فكان على 'فظاعته' استثناء من هذه القاعدة ومشوقاً، وأعتقد أنه قد جذب الجماهير العربية.
للوهلة الاولى بدا 'الوثائقي' وكأنه على طريقة برنامج قد يصح وصفه بـ'العنصري' نوعاً ما، كانت تبثه احدى قنوات البي بي سي الأرضية في العام 2005 وتتناول فيه أطفالاً بريطانيين من كل حدبٍ وصوب أي أطفال المهاجرين على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم. تأخذهم في رحلات الى أماكن تحدر ذويهم وتنزل بهم في مهاوي الفقر وانخفاض مستوى المعيشة واختلاف الثقافات التي قد لا تروق لهم ثم تعود بهم الى بريطانيا حيث العز والنعيم الذي لم يجدوه في بلاد آبائهم وأجدادهم. الطفل بعد وضعه في مواقف من هذا النوع لا يملك سوى أن يسبح بحمد بريطانيا التي منحته ما هو عليه، وقد تغرز فيه تجربة من هذا النوع بذرة الولاء الأعمى لما كانت الامبراطورة التي لا تغيب عنها الشمس.
أما 'الوثائقي' الذي جرت دبلجته للعربية عن الفتاة ذات الأصول الكونغولية واسمها جود كان غير ذلك، لأنه جاء في سياق رسالة أسمى من رسائل التمنن والتفضل التي انطوى عليها ذلك البرنامج. فقد كان للتذكير باحدى القطع المعذبة على وجه الأرض: بلد اسمه الكونغو وترتيبه السادس من حيث المخزون العالمي من المعادن، ولكنه قد يكون الأول في مرتبة الوحشية والبشاعة والشقاء.
في تلك البلاد ما تزال النساء بل وحتى الطفلات اللواتي لا تتعدى أعمارهن الستة شهور يذهبن ضحية الاغتصاب على هامش صراع قبائلي وحشي. الفيلم أمكنه رصد القليل من الكثير الفظيع عن هذا الصراع الوحشي، كمنظر تلك الطفلة ذات الأعوام القليلة التي راحت ضحية الاغتصاب أكثر من مرة، أو حكاية تلك السيدة التي فقأوا عيني زوجها أمامها ثم أخرجوا أحشاءه وقطعوا أطرافه (كل هذا وهو يرجوهم أن يتركوه لحال سبيله) ثم أخرجوا قلبه قبل أن يأمروها تحت تهديد السكاكين أن تمضع أحشاءه ويغتصبوها! تحولت 'ماسيكا' الى مدافعة عن حقوق المرأة بعد هذه التجربة الفظيعة ليس بسبب هذه التجربة فحسب بل لأن الكثير من النساء غيرها ضحايا الاغتصاب يتحولن الى نفايات داخل قبائلهن وعائلاتهن، فحتى الزوج يرفض أن يبقي على زوجته اذا ما اغتصبها عدوه، فيطردها من المنزل لتتدبر أمورها في الحياة بنفسها!
أي فظاعة، وأي ظلم! هل يصدق أحد أن على وجه هذه البسيطة من لديهم كل هذه الطاقة الخرافية على اقتراف الأذى والجرم في أبشع صوره؟!
في نهاية 'الوثائقي' عادت جود الى بلدها بريطانيا لتعرف الناس بتلك الفظائع وتحاول أن تجد الحلول لها بعد أن عرفت السر الذي دفع بأسرتها الى ترحيلها مع عائلة عمها الى بريطانيا وهي ما تزال طفلة في عامها الثالث. لقد أرادت عائلتها حمايتها من جريمة الاغتصاب التي أقرت الامم المتحدة مؤخراً أنها أداة من الأدوات المستخدمة في الحروب.
كانت جود ترتدي حطة فلسطينية على كتفيها وهي تلقي بشهادتها في أحد المحافل، هل أتاها حديث القبائل من هناك اذن فارتأت أن تشير اليه برمزٍ كهذا؟!

هيام حسان
القدس العربي