مشاهدة النسخة كاملة : الأدوار الداخلية


أبوسمية
07-12-2010, 01:23 PM
الأدوار الداخلة

عبد الزهرة الركابي

وقف المراقبون للأدوار الإقليمية في المنطقة العربية على جملة أسباب جعلت هذه المنطقة فارغة من أي دور عربي فعال، وكان سبب الأسباب الذي تم تشخيصه لا يتعلق بعدم رغبة العرب في أداء دورهم المسؤول، بقدر ما كان يتمثل في أن النظام العربي لا يملك استراتيجية قابلة للتفعيل في هذه المرحلة، وأكبر دليل على ذلك أن مبادرة السلام العربية لم تجد آذاناً صاغية من كل الذين تعنيهم على صعيد القوى الدولية المتنفذة، فما بالك بالدولة الصهيونية التي يعنيها الأمر بشكل مباشر، بل إنها أمعنت بسفك دم العرب والفلسطينيين على نحو متزايد، منذ أن طرح العرب هذه المبادرة في قمة بيروت .

ومن الواضح أن هناك مؤشرات جلية على أن النفوذ الأمريكي في المنطقة في طريقه إلى التراجع أو أنه سينتقل من الواجهة إلى ما وراء الستار، وهو أمر جعل الدول الإقليمية أو التي تقع في المحيط العربي، تعمد إلى البحث عن دور لها بشكل مباشر، كي تملأ هذا الفراغ الحاصل والذي سيحصل، وهو ما يفسر الدخول القوي للسياستين الإيرانية والتركية إلى المنطقة، ومن الطبيعي أن هذا الدخول ليس من أجل سواد عيون القضية العربية، بقدر ما هو البحث عن مصالحهما الاستراتيجية، في وقت انحسر الاهتمام الغربي على نحو خاص، بمحور الصراع العربي “الإسرائيلي”، لمصلحة قضايا أخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر الملف النووي الإيراني، وما يزيد الطين بلة أن السياسات العربية الفاعلة هي الأخرى انشغلت بقضايا محددة ولم تهتم بالقدر الكافي بالقضية العربية المركزية لأسباب تدخل في عداد المصالح القطرية القائمة على حساب المصالح العربية المشتركة .

وإذا ما حسبنا الواقع بحسابات منطقية، فإن النظام العربي الرسمي في هذا الوقت ليس بمقدوره اجتراح المعجزات، بحكم آلياته وقدراته التي تدور في فلك الروتين والدبلوماسية التقليدية، كذلك ليس بمقدور المنطقة العربية استبدال أي احتلال أجنبي باحتلال آخر حتى لو ارتدى لبوساً إقليمياً بقفازات عاطفية، وأيضاً فالتاريخ لا يعيد نفسه على الأقل في هذه المرحلة من حيث إقامة هذا الحلف أو ذاك كما حصل في السابق على غرار (حلف بغداد)، ثم من الصعب على القوى الإقليمية ملء فراغ النفوذ الأمريكي الذي سيظل محافظاً على دوره حتى لو كان من خلف الستار، لفترة زمنية لا تقل عن العقدين مثلما تقول التحليلات والاستقراءات في هذا الجانب .

إن المنطقة العربية لن تستفيد من سياسة المحاور بل على العكس، فإن أغلب الضرر من هذه السياسة سيقع على السياسات العربية نفسها أو على النظام العربي ككل، والذي يحتاج في هذا الوقت إلى وقفة جدية وعقلانية، تخرجه من هذه السياسة التي تعد إحدى مكامن الضعف التي استشرت فيه .

إن المهام المعقودة على السياسات العربية في هذه المرحلة، تتمثل في البدء باحتواء الخلافات الجانبية بما في ذلك الخروج من سياسة المحاور، كتمهيد لبلورة سياسة عربية في الحد الأدنى تعتمد على التوافق من خلال انتهاج سياسة الأفضلية العربية التي يجب أن تتمايز عن الأدوار الإقليمية والدولية بالنسبة للمصلحة العربية، وهذا التمايز إذا ما تشكل، كفيل بقيام دور عربي يتخطى الأدوار الداخلة إلى المنطقة، وفي نفس الوقت الأخذ بالجوانب الإيجابية التي تبدر من الأدوار الأخرى وتطويرها، لتكون ذات صبغة عربية بالكامل، بهدف تركيز وتثبيت الدور العربي عبر السياسات العربية المتوافقة في المواقف . وعليه، إن الأدوار الداخلة إلى المنطقة وبغض النظر عن جوانبها الإيجابية، يجب ألا تكون على حساب الدور العربي، والهدف الملح في هذا الوقت هو ليس الإسراع من قبل العرب لملء الفراغ في منطقتهم، بقدر ما هو هدف صميمي للعمل على جانبين : الجانب الأول نبذ اتجاه السياسات السائدة في المنطقة والاتجاه بها نحو سياسة تقاربية وتوافقية من القضية المركزية للعرب وصولاً إلى موقف عربي موحد منها، والآخر التعامل مع الأدوار الإقليمية من منطلق المصلحة العربية المشتركة، وعدم الانجرار مع الأهداف الأخرى التي تحاول هذه الأدوار تمريرها على حساب المصالح العربية، إذ إن هناك مشكلات مهمة مازالت عالقة مع كل من إيران وتركيا لسنا بصدد التذكير بها، والمهم ألا تتغلب العاطفة المتجيشة في الشارع العربي من جراء الأحداث الأخيرة على حساب حقوقنا العربية أينما كانت .

دار الخليج