مشاهدة النسخة كاملة : تساقط الأفكار ( مقال )


أبوسمية
07-12-2010, 10:50 AM
تساقط الأفكار

عبدالله السويجي

تجاذب الفكر القومي والفكري الديني الوطن العربي في فترة من الفترات، ولعلها استمرت حتى سبعينات القرن العشرين، وظل الجدل تنظيرياً ولم يأخذ طابع العنف والمواجهة العسكرية، كما يحدث اليوم، وظل في شد وجذب حتى رحيل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، الذي أطلق عليه “زعيم القومية”، نظراً لأنه كان من أشد المتحمسين لها، حتى إنه دعا إلى وحدة عربية اندماجية، وخاض تجربة فاشلة مع سوريا .

لقد تغلغل الفكر القومي تغلغلاً شديداً بين أبناء الشعب العربي، لكنه واجه مقاومة شديدة ولا سيما من قبل الأنظمة، التي كانت تخشى على سيادتها وسلطتها، كما كانت تخشى على الدين، ظنا منها أن القومية العربية ضد الدين، وتطرف البعض فأحل دم القوميين وكفرهم، لقصور في فهم القومية، ولأن زعماء القومية كانوا يتصدون للأحزاب الدينية التي كانت تطمح للوصول إلى السلطة .

وجرب الوطن العربي الأفكار الاشتراكية والشيوعية، ولاسيما في ظل وجود الاتحاد السوفييتي، الذي كان يخوض مواجهة على الصعد كافة مع المعسكر الغربي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وكان السوفييت يدعمون القضايا العربية والفلسطينية على وجه الخصوص، نظراً لأن الشعارات كانت متشابهة ومشتركة، من حيث مواجهة (الإمبريالية) والاستعمار، وانتهجت بعض الفصائل الفلسطينية الفكر الاشتراكي، كما انتهج بعضها الفكر الشيوعي، وهو مرحلة متقدمة على الاشتراكية، وتراجعت هذه الأفكار مع سقوط الاتحاد السوفييتي، وظهور جمهوريات مستقلة وديمقراطية .

والآن يجرب العرب الفكر الرأسمالي الحر، ولكن بطريقة مختلفة وغير كاملة، فالأنظمة الرأسمالية أنظمة ديمقراطية متحررة تحكمها المؤسسات، وتتداول أحزابها السلطة بطريقة سلسة، فلا يوجد لدى تلك الأنظمة رؤساء يعمرون على الكراسي، ولا يورثون أبناءهم الحكم في ظل أنظمة جمهورية، بينما بعض الأنظمة العربية ليست ديمقراطية، ولا تقدر حرية الفرد، المبنية عليها الأفكار والمبادئ الرأسمالية، فهم رأسماليون اقتصادياً وبوليسيون أمنياً وسياسياً .

والآن يزدهر التيار الإسلامي، ويواجه مقاومة من الأنظمة، فهو يهددها في عقر دارها، إلا أن ما يميز القومية والاشتراكية والشيوعية والرأسمالية عن التيار الإسلامي، هو التصاق الفكر الإسلامي بالشعب، عقيدة ومبدأ وأسلوب حياة، ولهذا، هناك مؤيدون ومنتظمون سياسياً لهذا التيار وبأعداد كبيرة، ومن لم ينضم له سياسياً فإنه يتعاطف معه، ولكن ينقسم الناس حياله: فالبعض يريده إسلاماً معتدلاً، والبعض يريده إسلاماً شديداً متطرفاً، ومسألة التطرف لا تزال موضوع الساعة، يغذيها الغرب بطريقته، ويحاربها العرب بطريقتهم، إلا أن هناك نقطة يجب إيضاحها، فقد صنع العرب التطرف بأياديهم، ولاسيما الدول التي تحتضن الإسلام، والكل يعلم عن الدعم الإسلامي للمجاهدين المسلمين الذي كانوا يحاربون الغزو السوفييتي لأفغانستان، والذي تمخضت عنه حركة طالبان، وتنظيم القاعدة، وكلاهما كانا يتلقيان الدعم من دول إسلامية ومن الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت الدول الإسلامية تحارب السوفييت كونهم كفاراً، بينما كانت الولايات المتحدة تدعم (المجاهدين) في أفغانستان، لأنهم كانوا يحاربون جيش الاتحاد السوفييتي بالإنابة، في ظل استمرار الحرب الباردة التي سخنت كثيراً مع احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، إلا أن السحر انقلب على الساحر، وانقلبت “طالبان” وتنظيم القاعدة على الدول الإسلامية التي كانت تدعمها، وعلى الولايات المتحدة التي كانت تغذيها بالسلاح والأموال، إلى درجة أدت إلى قيام الولايات المتحدة باحتلال أفغانستان، وخوض معركة مباشرة مع (المجاهدين) وهم الحلفاء السابقون لها، وما زال الصراع مستمراً حتى هذه اللحظة، بين (المجاهدين) وبين الأمريكان وقوات التحالف .

إن الأفكار التي يعتنقها واعتنقها العرب طوال مسيرتهم السياسية خلال القرن العشرين، هي أفكار متكاملة، فلا يمكن القول إن الرأسمالية أو الاشتراكية هي أفكار اقتصادية فقط، بل هي أفكار بنيت عليها أنظمة سياسية ومؤسسات، وذات صلة وطيدة بتفاصيل حياة الفرد، وكذلك الأمر بالنسبة للفكر الإسلامي، فهو ليس فكراً دينياً فقط، وإنما هو فكر حياة يخص الفرد والمجموعة، مثلما يخص أساليب إدارة الدولة محلياً وداخلياً ومعايير ارتباطاتها الخارجية، إلا أن العرب لم يأخذوا المبادئ أو المدارس حزمة واحدة، وإنما أخذوا جزءاً وتركوا الباقي، القوميون أخذوا المبدأ السياسي وعمقوه وأهملوا الجهود ذات الصلة بالاقتصاد القومي، والتراث القومي، كما أنهم لم يوضحوا للناس علاقة القومية بالدين، إضافة إلى ذلك، انقسم القوميون على أنفسهم، فحزب البعث العربي الاشتراكي الذي يحكم سوريا وحكم العراق إلى حين احتلاله، هذا الحزب انقسم على نفسه، وكانت العلاقة بين سوريا والعراق علاقة تصادمية تقترب من العداوة، وهو أمر غريب يستحق الدراسة، وإن دل على شيء فإنه يدل على أن القومية كانت مجرد شعار أبعد ما يكون عن التطبيق، فالدولتان ترفعان شعاراً واحداً هو (أمة عربية واحدة) والدولتان على طرفي نقيض في علاقاتهما الشعبية والرسمية . ومن جانب آخر، أخذ الرأسماليون الفكر الاقتصادي وأهملوا الأفكار السياسية الأخرى الداعية إلى حرية الفرد والإنسان، واحترام حقوق المرأة وكيانها كإنسانة، والإسلاميون يركزون على مسائل العلاقة بين الإنسان وربه، وأهملوا قضايا العدل والاقتصاد وترابط المجتمع وحرية الإنسان وحاربوا الاجتهادات .

ترى، أي فكر يناسب الإنسان العربي؟ سؤال يجب أن يطرح بكل قوة، ونحن نعيش عصر العولمة، وهو العصر الأخطر من كل العصور، فالعولمة ماكينة اقتصادية وسياسية وثقافية تهدر بقوة في كل أنحاء العالم، بل زلزلت أركان الأنظمة الشيوعية، وأثرت في النظام الاقتصادي في الصين، التي تعتبر حتى الآن، معقل الشيوعية والاشتراكية، وهذه الماكينة كتلة من المغريات ما يجعلها تكتسح مختلف الأجيال، وتمتلك من الانفتاح ما يجعلها قادرة على تذويب كل ما في طريقها، والعرب ماضون إليها طواعية، في ظل عدم قدرتهم على الإنتاج، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتخلفهم التقني والتكنولوجي . ويبقى السؤال مطروحاً، أي فكر يناسب الإنسان العربي، المهدد بضياع أرضه، وقضيته المصيرية، بحجة ثقافة السلام، وقبول الآخر واحترامه، والخضوع للأمر الواقع .

نقلا عن دار الخليج