مشاهدة النسخة كاملة : حين كنت في الوفد المفاوض


أبوسمية
07-12-2010, 08:24 AM
حين كنت في الوفد المفاوض

علاء الريماوي


يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد اتخذت قراراً واضحاً لا رجعة عنه يقتضي بإجبار السلطة على الدخول في مفاوضات مباشرة سقف توقعاتها وضماناتها شعور أوباما بأنه قادر على صناعة اتفاق سلام في غضون ولايته الحالية.

الشعور هذا تعزز بعد سماعه من نتنياهو وعداً في اللقاء الأخير بالعمل على تعزيز فرص السلام والوصول إلى اتفاقات مؤلمة مع الجانب الفلسطيني ستبدأ بجملة تسهيلات على الأرض تهدف إلى تسهيل نفوذ السلطة في الضفة الغربية.

أوباما وكعادته لم يبخل على نتنياهو في لقائه مع القناة الثانية في تصويره كأسطورة ووصفه برجل السلام ، والرجل القوي ، الرجل الذكي ، القائد الذي يفهم ، السياسي الرائد ، شبيه القادة العظام في الولايات المتحدة ، هذا المديح والإطراء لم يأت صدفة ولم يكن وليد اللحظة ذاتها وخاصة أن أوباما كشف عن مدى التشكك بشخصه في إسرائيل بسبب أن والده حسين مما يعني أن الرجل يشك في حياده وهذا ما عبرت عنه عشرات الرسوم الذي أظهرته يرتدي العمامة ووقوفه في محراب الصلاة.

التهمة هذه التي أراد دفعها من خلال تأكيده على أنه ابن الكنيسة والحافظ لميراث العلاقة بين الإنجيل والتوراة ، وأن مجرد العلاقة مع العالم الإسلامي ما هو إلا دفع لشر التطرف والعدوانية التي تستهدف أمريكا وإسرائيل (حسب حديثه للصحافة العبرية ).

في الاتصال الهاتفي الذي قام به أوباما مع الرئيس عباس وما كشف من فحوى الوعود و الاستبشار الأمريكي بإمكانية تحقيق السلام ، بدا الحديث باهتا وخجولا بل ومتراجعا وصادما لفريق التسوية الذي بات يدرك أن الحراك الأمريكي سيقتصر على إنجاز شكلي يتوج باستئناف المفاوضات المباشرة التي جربت ولأكثر من 17 عاما من غير إنجاز واحد يذكر غير شرعنة الوجود الاحتلالي من خلال الاعتراف بالكيان الغاصب على الأرض الفلسطينية.

الواقع الذي تعيشه السلطة الفلسطينية ذكرني بالحالة التي كنا عليها في سجن عوفر في العام 2005 بعد افتتاح وتجديد أحد الأقسام والذي كنت مع مجموعة من الأخوة أول داخليه.

في ترتيبات السجن يحرص الأسرى على بناء منظومة مرتبة في إدارة العلاقة مع السجان والذي جعلني أحد الإخوة الذين يتحدثون مع إدارة القسم.

في لقائنا الأول كان لنا جملة من المطالب والتي وصلت إلى أكثر من عشرين ، لكن كان من أبرزها (حبل غسيل) رفعت الجلسة الأولى ووعدنا بحل المشكلة غاب مدير السجن أكثر من شهر ونحن في كل يوم نطلب تحقيق ما وعدنا به ، و بعد شهر جاء المدير وسألناه عن الوعد بحبل الغسيل قال سيصلكم ما تسرون به اليوم.

جاء الجنود وحفروا في الساحة بعض الحفر ليدق فيها الحمالات التي سيربط عليها حبل الغسيل ، ليمضى على حالة الحفر عاما ننتظر فيه الخطوة الثانية والتي في سبيلها أرجعنا وجبات الطعام وقمنا بخطوات التصعيد والتي على خلفيتها قمعت وبعض الإخوة من القسم إلى سجن آخر مكثت فيه قرابة العام وبعدها عدت إلى ذات القسم وأفرج عني من هناك وتغير مدير السجن والحفرة على حالها ، ووعد مدير السجن القديم انتقل إلى المدير الجديد بأن حبل الغسيل سينصب.

في زيارتي لأحد الإخوة الذين أفرج عنهم قبل شهر من اليوم وعاصر المفاوضات العسيرة على حبل الغسيل أبلغني أن إدارة السجن قامت بهدم القسم وتغيير بنيته وشكله وتكوينه ليكون جاهزا خلال أسابيع لافتتاح جديد من غير المنشر الذي وعدنا به ليبدأ الأخوة من جديد الحديث عن مطالبة جديدة ومفاوضات عسيرة حول حبل الغسيل.

حكايتي مع حبل الغسيل هي الملخص الحقيقي لما يجري مع سلطة أوسلو وفتح من مفاوضات طيلة عمر ما يسمى بالعملية السلمية.

منذ اتفاق أوسلو حرصت إسرائيل على تفجير كل اتفاقية تبرم ، لتعيد البحث عن صيغة جديدة تشرح ما سبق أو توضح ما مضى ، وفي كل عام كانت تعطي فيه بعض الإنجازات على الأرض و تسحب ما يماثلها ، وحين الشعور بأن حجم الإنجازات كبير يتم تفجير الأوضاع لتعود السلطة في المفاوضات إلى نقطة الصفر ، وهكذا حتى تم لإسرائيل على الأرض ما أرادت.

في قراءتي لكتاب السيد صائب عريقات الحياة مفاوضات وجدت في خلاصته أن ما يمكن أن يقدمه المرء في حالة الصراع مع محيطه هو المفاوضة المرتكزة على أدوات المنطق واللغة وأوراق القوة الدوبلوماسية.

عذرا فهذا المنطق يجدي مع التجار الذين يبتاعون الماشية في سوق السبت ، لكن المنهجية المطلوبة لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني في ملف الوجود على الأرض الفلسطينية ولتنجح أدوات السياسة المختلفة نحتاج إلى القواعد الأساسية التالية والتي نفتقدها هذا اليوم:

1. بناء جبهة فلسطينية موحدة ذات برنامج وطني واضح يرتكز في صلبه على الحقوق دون تفريط ولا مساومة.

2. الاستقلالية والمناعة العصية على قدرة الأطراف والقوى الغربية على التدخل ورسم الأجندات والمواقف بحسب مصالحها التي تتعارض بالكامل مع المصلحة الوطنية.

3. القدرة على بناء تحالفات وفق المصلحة الوطنية وعلى قواعد واضحة دون القبول بخارطة التقسيمات والحرص على الألقاب على حساب المبادئ والحقوق.

4. امتلاك القوة المادية والمعنوية والعملية دون تغليب منطق على منطق إلا بحسب الظرف والحالة مما يجعل العدو يعيش حالة من تعثر الحسابات والمخططات.

5. تعبئة الأمة في المواجهة والحقوق العادلة التي نقاتل من أجلها والتي وجب خلق جبهة عالمية تبدأ من المحيط التاريخي والديني القريب للوصول إلى كافة المتعاطفين من مؤسسات وأفراد ودول.

هذه الخماسية التي يجب أن يدور حولها منهج التفاوض والتي إن ملكتها الحركة الوطنية تستطيع من خلالها ترجمة أهدافها على الأرض دون الحاجة إلى بناء الأحلام على المقاس الإسرائيلي والأمريكي القاتل لأحلامنا وطموحاتنا في الدولة و الانعتاق والتحرر.

بذلك لن نعيش تحت سطوة ضعف الرؤساء الذين تفتح ملفاتهم الأخلاقية والعرقية ويساومون بمصالح أحزابهم الانتخابية كما هو الحاصل مع أوباما.

نقلا عن المركز الفلسطيني