مشاهدة النسخة كاملة : تركيا تشترط.. إما الاعتذار أو القطيعة


أبوسمية
07-10-2010, 08:23 AM
تركيا تشترط.. إما الاعتذار أو القطيعة


عبدالله الكعبي
حين تنظر "إسرائيل" إلى المواقف التركية الأخيرة من حصار غزة ومن القضية الفلسطينية بشكل عام على أنها رغبة تركية حقيقية في التوجه شرقاً وإعطاء ظهرها لأوروبا بعد فشل مساعيها التي استمرت لسنوات من دون أن تسفر عن شيء يذكر، فإنها بذلك لا تقيم الموقف بهدف تدارك الأسباب التي أدت لمثل هذا التأزم وإنما هي تطلق تهديداتها المعتادة باعتبار أن الخاسر الحقيقي في هذه المواجهة هي تركيا ولا أحد غيرها لأن مصالح أوروبا مرتبطة بالمصالح الإسرائيلية بشكل وثيق والعكس صحيح.

لا يمكن أن نتصور كيفية تقبل "إسرائيل" للتهديدات التركية التي جاءت هذه المرة بشكل مباشر ومن دن لف أو دوران. فتركيا تخير "إسرائيل" بين الاعتذار عن أعمال القرصنة التي طالت أسطول الحرية أو إعادة النظر في العلاقات بين البلدين في إشارة إلى قطعها إذا تطلب الأمر.

ف"إسرائيل" التي لم تتعود على تلقي التهديد من أحد منذ رأت دولتها النور، توضع اليوم في هذا الموقف الذي أبسط ما يمكن أن يقال عنه أنه محرج بالنسبة للساسة اليهود الذين يعون جيداً أهمية العلاقات مع تركيا وانعكاساتها المباشرة على الأحداث في المنطقة. فالاعتذار ليس من شيم الساسة اليهود ولا يمكن تصوره في الوقت الحالي بالذات لأنه قد يشكل خطوة إلى الخلف بالنسبة للمواقف الإسرائيلية المتعنتة التي تعودت على ليونة المواقف العربية في المباحثات والمفاوضات حين أخذت منهم كل شيء ولم تعطهم في المقابل أي شيء ولكنها لم تجد منهم حتى مطالبة واحدة بالاعتذار عن واحدة من الجرائم الكثيرة التي ارتكبتها بحقهم.

وفي المقابل فإن "إسرائيل" تدرك جيداً أن القطيعة مع تركيا الجديدة واردة وقد تكون حجة الاعتذار مجرد مبرر لإعادة النظر في العلاقات بين البلدين اللذين تقاربا بهذا الشكل في زمن مختلف تماماً عن زماننا الحالي. لذا فإن "إسرائيل" تضع على عاتقها مهمة الحفاظ على هذه العلاقة ليس من أجل تحييد الجانب التركي وإبعاده عن ساحة العلاقات مع العرب وإنما من أجل الوجود الإسرائيلي الاستراتيجي في المنطقة المرتبط أساساً بديمومة مثل تلك المتناقضات التي تأتي في طليعتها العلاقات مع الأتراك وعلى هذا المستوى الرفيع.

ردة الفعل الغاضبة التي تبديها "إسرائيل" على المطالب التركية هي في حقيقتها ردة فعل قديمة ربما تعود لعام 2002م عندما تمكن حزب العدالة والتنمية من الوصول إلى السلطة وهو الحزب ذو التوجهات الإسلامية المحظورة في تركيا العلمانية التي تناوب على حكمها منذ الانقلاب الأتاتوركي عدد من الأحزاب العلمانية الذين تعاملوا بأريحية مع الحكومة الإسرائيلية وفتحوا باب العلاقات معها وانفتحوا على الغرب وأداروا ظهرهم لتاريخهم الطويل الذي يتمركز جله في الشرق في الوقت الذي تجاهلوا فيه أيضاً تاريخهم وبطولاتهم السالفة في أوروبا التي ترتعد فرائصها وتمتعض أشد الامتعاض كلما تذكرت تلك السنين الخوالي.

"إسرائيل" تعلم جيداً أن العلاقة الموروثة من زمن الأحزاب العلمانية غير قابلة للاستمرار في ظل الحزب الجديد الذي أصبح أكبر الأحزاب وأكثرها ثباتاً وشعبية نتيجة الإنجازات الكثيرة التي حققها في ظرف سنوات بسيطة، وهي بالتالي تأخذ التهديدات الأخيرة على محمل الجد حتى وإن سمعنا من المتحدثين باسمها بعض التعليقات الغير لائقة بحق تركيا وعن ثقة "إسرائيل" بنفسها على أساس أنها تمتلك كل مفاتيح العلاقات مع أقرانها في المنطقة.

أعتقد أن الوقفة التركية الجادة والثابتة ستستدعي تدخل أطراف أخرى كثيرة في الأزمة من أجل لعب دور الوسيط والقيام بالدور الذي ترفض "إسرائيل" القيام به حيث تعودت على أن تقوم بكل أفعالها فيما يقوم الآخرون بالدفاع عنها وحمايتها وربما في بعض الأحيان الاعتذار بالنيابة عنها. فالسيناريو إذا ما تم على هذه الصورة فإن المكاسب التركية ستكون كبيرة فيما لن تحقق "إسرائيل" أي شيء يذكر لأنها لم تأت بجديد ولم تثبت للعالم قوة حجتها التي تحاول الدفاع بها عن مجازرها في أسطول الحرية. كما أن هذا السيناريو إذا ما سار على هذا النهج فإنه سيؤكد للعالم من جديد أن مبدأ العدالة والمساواة وغيرها من الشعارات التي ترفعها تلك الدول ليس سوى أكاذيب وأباطيل غير قابلة للتحقق على أرض الواقع الذي يشهد في كل يوم جريمة جديدة تتناقض أحداثها مع ما يتحدثون عنه.


نقلا عن المركز الفلسطيني