مشاهدة النسخة كاملة : الأسرى المحررون وازدواجية المعاناة


أبوسمية
07-10-2010, 08:11 AM
الأسرى المحررون وازدواجية المعاناة

النائب فتحي قرعاوي




كان "مؤيد" متوتراً وباديا عليه الغضب والحزن في الوقت الذي كان ينتظر فيه لحظة الافراج عنه بعد أن قضى أكثر من خمس سنوات داخل قلاع الأسر منتظراً الافراج عنه لحظة بلحظة.

بادرته بالسؤال وهو الذي كان يبادرني بابتسامته المشرقة ويسرع إلي من أجل أن نتمشى سوية في ساحة القسم رقم 8 بعد العدد وقبل بدء جلسة القرآن المعتادة ، سألته عن سر حزنه الذي يكتمه في قلبه والذي بدت ملامحه واضحة على محياه ، أجابني .. إنه أبي ..
اسرعت بسؤاله عن أبيه إن كان أصابه مكروه لا سمح الله ؟!
قال : لا ، ولكنه أبلغني انه لن يدفع الغرامة المترتبة علي وهذا يعني أني ساقضي خمسة شهور إضافية في السجن ..
ولما سألته عن السبب قال : إنه يخشى علي الاعتقال لدى أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية ..

شيء محزن وصفحة سوداء في تاريخ القضية الفلسطينية لم تمر على قضيتنا حتى في أحلك الظروف وأشدها ذلك لأن الجهود كلها كانت منصبّة تجاه عدو واحد وهدف واحد ..
أشعر بالحزن والألم وأنا أسأل الحاجة أم احمد عن نجلها الذي كان معنا في سجن النقب وهو الذي تم التمديد له عدة مرات إداريا بعد انتهاء الحكم الذي فرضته المحكمة عليه فقالت لي : الحمد لله لقد مددوا له ستة أشهر أخرى ، ثم قالت – بكل أسف ولتقرأ ذلك بتمعن - :( لسه عند اليهود أحسن )!!!

أحسست بالحزن الشديد والمفاجأة والانقباض وتمنيت أني لم اخلق على وجه الأرض أن يصل التفكير عند ابناء شعبنا الى هذا الحد ..
عند اليهود أحسن ...!!!؟ حسبنا الله ونعم الوكيل . ترى من المسؤول عن هذه المأساة....؟

ولقد حدثني أحد الأخوة الذي زار قسمنا عن ( مناحة ) عبر التلفون بين الأسير وزوجته وأولاده وأمه وإخوته وهم يناشدونه أن يحاول التمديد لنفسه حتى لو افتعل مشكله مع إدارة السجن وأن لا يخرج الآن لأن الأجهزة الأمنية أرسلت لعائلته رسالة تهديد بضرورة تسليم نفسه فور خروجه وأن حسابه سيكون عسيراً.

ولا أخفي سراً أن عبارة الحاجة أم أحمد صارت شائعة في أوساط الأسرى الذين أشرفت محكومياتهم على الانتهاء وعند ذويهم الذين يتمنون بقاءهم في سجون الاحتلال على تحررهم ومن ثم اعتقالهم على أيدي أجهزة الأمن الفلسطينية ، حتى إني رأيت علامات الرضى على وجوه بعض الأسرى الذين تم التمديد لهم مرة أخرى خاصة أن بعض من خرجوا قد نفذت التهديدات بحقهم فبعضهم تم سحقه أثناء التحقيق والبعض الآخر خرج بعاهة مستديمة والبعض الآخر لا زال إلى الآن يراجع الدوائر الأمنية الفلسطينية في دوامة لم تنته بعد .

إن اعتقال الأسرى المحررين فور وصولهم وفي أحيان كثيرة كانت تلك الأجهزة تقيم الحواجز العسكرية لاستقبال هؤلاء الأبطال على طريقتها الخاصة ليتم اعتقالهم فوراً ويوضعوا في الزنازين وغرف التحقيق قبل أن يروا ذويهم وعائلاتهم ، وكانوا يوقعونهم على تعهد بالمثول أمام هذا الجهاز أو ذاك ويعطونه إجازة لعدة أيام على أن يعود بعدها للسجن..

إن هذه المأساة .. بل هذا الكابوس يلاحق الأسرى داخل قلاع الأسر وبعد اطلاق سراحهم من قبل الاحتلال كما يلاحق ذويهم وأسرهم ، لتعد من أكبر المآسي ، فالأسير الذي قضى سنوات طوالا خاصة قدماء الأسرى الذي قضوا ما بين 10-15 عاماً او اكثر ثم يتم استدعائهم للمقابلة وقد تطول بهم مدة الاعتقال او تقصر قد نغصت على الناس حياتهم ، فالاسير الذي حرر وهو يشعر بنشوة الانتصار .. انتصار الإرادة انتصار حب الوطن وحب الحياة والانتصار على قسوة السجن والسجان يخرج للحياة وسرعان ما يستقبله الزبانية ليفتحوا معه ملفه الاعتقالي وإن كان قد أخفى شيئا عن الاحتلال وعن مجموعته بل عن كل نشاطه المقاوم بل عن كل حياته منذ ولدته أمه.

إن من المشين بمكان أن يحاكم الاسير المحرر أمام محكمة عسكرية فلسطينية على نفس القضية التي حوكم بها أمام المحكمة العسكرية الاسرائيلية وأن يأخذ نفس الحكم الذي قضاه في قلاع الأسر الصهيونية .

إن بعض الأسرى قد تم التحقيق معهم على خلافات داخلية مع الفصائل قبل عشرين عاما أو عن دوره في مشكلة حصلت مع فتح داخل المعتقل في مسلسل انتقامي وتعمد الإهانة والايذاء النفسي والجسدي ، يتزامن ذلك مع منع الأهل من الزيارة ومنع ادخال الحاجيات الضرورية إلا بشق الأنفس وإراقة ماء الوجه ، ليكشف عن مدى تردي وضع حقوق الانسان في فلسطين والذي تغمض الجهات والمنظمات الحقوقية بل والفصائل الوطنية أعينها وتصم آذانها عنها..

إن المنظمات الحقوقية المحلية والدولية أشارت إشارة من بعيد عن وضع حقوق الإنسان في الضفة الغربية تحديداً ، وأتساءل هنا بشيء من السخرية وأشير بأصبع الإتهام الى وزارة الأسرى في رام الله التي تحتفل بعمداء الأسرى داخل السجون الاسرائيلية وببلوغ الأسير الفلاني عشرين عاماً في الأسر وتتعامى في نفس الوقت عن معاناة الأسرى المحررين في داخل السجون الفلسطينية.

إن بعض كبار مسؤولي وزارة الأسرى ( يهمسون ) و ( يوشوشون ) أنهم غير راضين عن معاناة الأسرى المحررين داخل سجون السلطة ولكنهم للأسف الشديد مشاركون في صنع معاناتهم ذلك لأنهم جزء من المنظومة السياسية المشاركة في معاناة هؤلاء الرجال الكرام..

إن واجب وزير الأسرى وهو الأسير السابق أن يخرج عن صمته إزاء جرائم خطيرة ارتكبت بحق أسرى محررين - والمعلومات عن ذلك موجودة وموثقة - ، أو أن يصمت ولا يحدثنا عن معاناة الأسرى ، ولا يخرج في استعراضات كشفية واعلامية عن معاناتهم في سجون الاحتلال..

إن هؤلاء الأسرى المحررين الذي ذاقوا الويلات والأهوال في سجون الاحتلال ثم ذاقوا مرارة الاعتقال والإهانة في سجون السلطة بعد تحررهم والإفراج عنهم ليسوا سوى قادة مجتمع ورجال فكر ورواد إصلاح والمجتمع الفلسطيني في كل فلسطين يعلم علم اليقين ويعرف من هو فرج رمانة وحسين أبو كويك ومحمد الريان وعدنان عصفور ومحمد غزال وعبد الله ياسين وأنور اعمير وجمال حدايدة ورياض ولويل وسامح عفانة ويحيى زيود وخالد وعبد الباسط الحاج ونزيه أبو عون ونبيل النتشة واياد حبيب وحسن الورديان وغسان هرماس وغيرهم وغيرهم من كرام الرجال أصحاب الأيادي النظيفة البيضاء الذين كانت ولا زالت أياديهم ناصعة وكانوا خدماً لأمتهم وأساتذة بل ومدارس يعلمون الناس الوطنية والصدق والاخلاص وحب الوطن وفن الفداء كالشمع يحترقون ليحيى غيرهم..

هٍؤلاء وغيرهم من تعمدت السلطة وأجهزتها اسقاط الهالة عنهم وتشويه سمعتهم والإساءة الى تاريخهم الناصع .
إن المتباكين على المصالحة والذين يعتبرون أن مجرد التوقيع على الورقة المصرية إنما هو السر في حل العقدة والتي ستفتح الآفاق أمام المستحيلات عليهم أن ينتبهوا إلى أن هناك عقدة أكبر بل وأخطر من كل الورق ومن كل الوثائق ، هي عقدة الإساءة إلى الأحرار وإهانة كرام الرجال والتي لا يكفرها سوى اغلاق هذا الملف سيء الصيت والسمعة والاعتذار للشعب الفلسطيني عن هذه الحقبة السوداء.

إن مقولة ( أسرانا أغلى ما نملك ) ومقولة (الأسرى والشهداء أشرف منا جميعا) قد سقطت وأصبحت كلمات باهتة لا معنى لها أمام المجزرة التي يتعرض لها الأسرى المحررون ، قد سقطت عندما لعن هؤلاء الشهداء ونبشوا قبورهم وأساؤوا إلى ذويهم.

لقد كان الرئيس الراحل أبو عمار يكرر كلمة ( خيار أبناء شعبي في السجون ) فقد جاء من بعد أبي عمار من يقول لأبي عمار أنت مخطئ وليعلن أن كل مقاوم وكل أسير إنما هو من الأشرار الذين يجب معاقبتهم على مجرد تفكيرهم بالمقاومة ويجب أن يدفعوا ثمن مقاومتهم بأثر رجعي.

وبقي سؤال أخير .. هل يرضى الآخرون ..؟؟!!

لقد علمتنا التجارب أنه لو تم تقديم رؤوس أبناء الشعب الفلسطيني كله على طبق من ذهب لا يمكن أن يرضوا .
إن تكريم الأسرى والأسرى المحررين وعدم المس بهم إنما هو واجب وطني ، وإنني أدعو لجان المصالحة الساعية لرأب الصدع الفلسطيني أن تضع هذا الموضوع على رأس أولوياتها لأنه لا مصالحة والنخبة من أبناء الامة يذاقون الهوان.

كما أدعوإلى توقيع وثيقة شرف يوقع عليها الكل الفلسطيني تدعو إلى تحريم المس بأي أسير كان على خلفية الانتماء السياسي قبل فوات الأوان ولات حين مندم.

نقلا عن المركز الفلسطيني