مشاهدة النسخة كاملة : استقواء نتنياهو... واستضعاف أوباما


ابو نسيبة
07-09-2010, 06:33 AM
استقواء نتنياهو... واستضعاف أوباما

محمد السماك



وضعت زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض أوباما أمام خيارين يتعذر -بل يستحيل- التوفيق بينهما. الخيار الأول إسرائيلي، وهو استخدام ورقة الضغوط الصهيونية الإعلامية والسياسية والمالية في معركة الانتخابات العامة المقبلة لنصف أعضاء الكونجرس. فأوباما حريص جدّاً على تعزيز الأكثرية الديمقراطية في المجلسين: الشيوخ والنواب. وهو يعرف جيداً أن اللوبي الصهيوني اليهودي، واللوبي الصهيوني المسيحاني، يملكان من النفوذ والتأثير ما يمكّنهما من ترجيح كفة أحد الحزبين المتنافسين، "الجمهوري"، أو "الديمقراطي".

ولقد لعب نتنياهو بصبر وطول أناة ورقة المماطلة في المباحثات السياسية مع المبعوث الأميركي ميتشل من دون اتخاذ أي موقف بانتظار هذه اللحظة التي تتحول فيها طبيعة الضغط السياسي من ضغط أميركي على الحكومة الإسرائيلية، إلى ضغط إسرائيلي على الإدارة الأميركية.

ولذا لم يحصل المبعوث ميتشل على أي التزام، أو أي تعهد من "إسرائيل" على رغم سلسلة الزيارات الم****ة التي قام بها بين القدس المحتلة ورام الله. وكل ما حصل عليه هو تجميد الاستيطان حتى شهر سبتمبر المقبل. وقد أوحي له بأن المساحة الزمنية مفتوحة أمامه لإحداث اختراق يؤدي إلى الانتقال من المباحثات غير المباشرة إلى مباحثات مباشرة.

غير أن هذه المساحة كانت في الواقع تستجيب لحاجة إسرائيلية في الدرجة الأولى. ذلك أنه مع اقتراب موعد الانتخابات في الولايات المتحدة تتحول "إسرائيل" من حليف يتعرض لضغط الإدارة الأميركية إلى حليف يمارس الضغط عليها.

وهذا ما يفسر الاختلافات التي رافقت مراسم ونتائج زيارتي نتنياهو الأولى والثانية إلى البيت الأبيض. فأثناء الزيارة الأولى في مارس الماضي واجه نتنياهو ما لم يواجهه رئيس حكومة إسرائيلية من قبل، حتى أن الإعلام الرسمي للبيت الأبيض احتجز صور لقائه مع أوباما في مبادرة دبلوماسية نادرة للإعراب عن الاستياء. وقد كشفت العلاقات الأميركية - الإسرائيلية عن مدى التدهور الذي تعاني منه بسبب التباين الشديد في المواقف. وبسبب الرفض العنيد من الجانب الإسرائيلي التجاوب، ولو بالحد الأدنى، مع المقترحات التي اعتبرها الرئيس الأميركي ضرورية لفتح ثغرة في الطريق المسدود إلى التسوية السياسية في الشرق الأوسط.

وقد أثار تدهور هذه العلاقات مخاوف داخل "إسرائيل" وخارجها. وأثار في الوقت ذاته ردود فعل صهيونية متطرفة أيضاً صبّت جام غضبها على أوباما وإدارته. ومنذ ذلك الوقت بدأت حملة التشهير بالرئيس الأميركي، حتى أن الدراسات الاستطلاعية أوحت بأن شعبية أوباما هبطت إلى ما دون الأربعين في المئة بعد أن كانت تجاوزت الستين في المئة.

كما أطلقت الحركة الصهيونية الأميركية مدافعها السياسية والإعلامية على مواقع أوباما شخصياً لحمله على التراجع عن مواقفه. وهي العملية التي كان نتنياهو يراهن عليها أصلاً في صراعه معه. والمسافة الزمنية بين زيارتيه للبيت الأبيض كانت كافية لتمكين هذه المدفعية من دكّ حصون أوباما، بهدف حمله على الاستسلام للأمر الواقع.

وكلما اقترب موعد الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ وحكام الولايات، يشتد القصف على مواقع الرئيس والحزب "الديمقراطي". ولقد جاءت زيارة نتنياهو الثانية إلى البيت الأبيض في أوج هذه العملية. فكان دخوله المكتب البيضاوي هذه المرة أشبه ما يكون بدخول الفاتحين. وبدا وكأنه -أو هكذا صوّره الإعلام الإسرائيلي- قد تمكّن من ليّ الذراع التي حاولت أن تلوي ذراعه!

وفي الواقع منذ قيام "إسرائيل" وهي تعتمد في الدرجة الأولى على قوة اللوبي الصهيوني الأميركي بجناحيه اليهودي والمسيحاني. وهذان الجناحان هما اللذان حملا الحزب "الجمهوري" بزعامة بوش إلى المواقع الأمامية في مجلسي الكونجرس، وفي رئاسات الولايات، وبالتالي في البيت الأبيض.

ولم تنتكس قوة هذا اللوبي إلا بعد الكوارث المفجعة التي تسبب بها من جراء غزو العراق بعد أفغانستان وإعلان حرب هوجاء على ما كان يسميه الإرهاب الإسلامي. فالخسائر المادية والمعنوية التي مُنيت بها الولايات المتحدة أدت إلى انقلاب الرأي العام الأميركي ضد الإدارة السابقة مما مهد الطريق أصلاً أمام وصول أوباما إلى البيت الأبيض.

غير أن غرق الرئيس وإدارته الجديدة في وحول الحرب الأفغانية، جدد مشاعر القلق وعدم الرضا، وهو ما يوظفه اللوبي الصهيوني في حملة التشهير التي يخوضها ضده. فهل يتمكن نتنياهو من أن يقطف ثمار هذه الحملة تراجعاً في موقف الرئيس الأميركي عن مبادئ التسوية السياسية التي يعمل عليها جورج ميتشل في الشرق الأوسط؟

وفي الخيار الثاني، وضع أوباما إدارته الجديدة، إزاء حملة التمنع والعناد الإسرائيلية، أمام خيار جديد يقوم على محاولة استيعاب رد فعل العالم الإسلامي واستعادة ثقته بعد السياسة الهوجاء التي مارسها سلفه بوش. وبدا ذلك من خلال الخطاب التاريخي الذي ألقاه في جامعة القاهرة. فالرئيس الأميركي كان واضحاً جدّاً في إعلانه ليس فقط الالتزام بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في إقامة دولة مستقلة وقابلة للحياة، بل كان واضحاً أيضاً في قراره انتهاج دبلوماسية جديدة ومختلفة ضد التطرف. وكان يتطلع إلى تعاون العالم الإسلامي مع الولايات المتحدة خاصة، ومع العالم الغربي عامة، لمواجهة الفكر المتطرف وأدواته الإرهابية.

وكان الرئيس الأميركي يدرك جيداً أن المدخل إلى هذه الاستراتيجية هو إقرار الحق الفلسطيني، كما كان يدرك جيداً أيضاً أن إعادة هذا الحق إلى أصحابه يتطلب انتزاعه من براثن الاحتلال الإسرائيلي. ومن هنا كان الصدام أصلاً بين أوباما ونتنياهو، وبين الإدارة الأميركية وقوى الضغط الصهيوني.

ولذا ما كان لرئيس الحكومة الإسرائيلية أن يعطي مما لا يملك إلى من يستحق. فذلك أمر يتناقض مع فلسفة الوجود الإسرائيلي من الأساس. ولكنه في الوقت ذاته لم يكن في موقع القوة بحيث يستطيع أن يقول لا لأوباما، وهو يعرف أن استراتيجية الرئيس الأميركي الجديدة تقوم على أساس إعادة الحق -أو بعضه على الأقل- إلى الفلسطينيين. ولذلك انتظر نتنياهو حتى تمر عاصفة فوز أوباما بالرئاسة الأميركية، مستوعباً مبعوثه ميتشل من دون أن يدفعه إلى اليأس. حتى إذا اقترب موعد الانتخابات الأميركية تتغير المعادلات وتنقلب رأساً على عقب. وهذا ما عكسه اللقاء الثاني بين نتنياهو وأوباما في البيت الأبيض. فاللقاء الثاني أعاد الحديث عن الحلف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وعن التزام واشنطن الذي لا يتزعزع بأمن "إسرائيل"، وعن تمسكها القوي بعدم فرض أي أمر لا تراه في مصلحتها.

أما أوباما فلم يكن مخادعاً في خطاب جامعة القاهرة. كان واثقاً من نفسه. وكانت تلك الثقة ثمرة من ثمار "قوة الدفع" التي انطلقت من فوزه الباهر بالرئاسة الأولى. ولكن مع الوقت تراجعت هذه القوة وضعف موقفه، وأخذ اللوبي الصهيوني يعمل على زيادة هذا الموقف إضعافاً، فيما يقف العالم العربي والإسلامي موقف المنتظر والمتفرج.

نقلا عن المركز الفلسطيني