مشاهدة النسخة كاملة : والعرب هم الأكثر احتياجاً للأمن قبل "إسرائيل"!


ابو نسيبة
07-09-2010, 06:23 AM
والعرب هم الأكثر احتياجاً للأمن قبل "إسرائيل"!

مرسي عطا الله



علينا أن نعترف بالحقيقة مهما تكن مرارتها وأن نقر صراحة بأن التحدي الأكبر الذي نواجهه على صعيد ما يسمى عملية السلام يتمثل في أن "إسرائيل" نجحت في تصوير مسألة أمنها على أنها أهم المشاكل والقضايا في الصراع، في حين أخفق العرب في إظهار خطورة السياسات العدوانية والتوسعية الإسرائيلية على الأمن العربي، باعتبار أنهم المهددون عملياً في أمنهم ووجودهم، ومعنى ذلك أنه طالما أن مساعي التسوية وأولوية المفاوضات تدور في فلك كيفية البحث عن تحقيق أمن "إسرائيل" فإنه لا يمكن توقع نهاية قريبة للصراع العربي - الإسرائيلي أو إمكانية حقيقية لإقامة سلام قابل للحياة بين العرب و"إسرائيل"، لأن أمن "إسرائيل" المزعوم سيظل الذريعة الجاهزة لتل أبيب لتمزيق أي اتفاقيات أو معاهدات لتظل أجواء الصراع والحروب مخيمة على المنطقة.

والحقيقة أنه ينبغي علينا أن نتذكر جيداً أنه منذ أن بدأت محاولات البحث عن سلام بين العرب و"إسرائيل"، ظلت جهود التسوية وعمليات التفاوض تراوح مكانها وكلما اقتربت من تحقيق تقدم تفاوضي ما سرعان ما عادت إلى نقطة الصفر وليس لهذا الفشل المتكرر لمفاوضات التسوية من تفسير سوى استمرار المراوغة والتعنت الإسرائيلي ومحاولة "إسرائيل" الدائمة فرض أجندة أولويات للتفاوض والتسوية تتفق وأطماعها التوسعية وهواجسها الأمنية التي جعلت مسألة أمن "إسرائيل" أهم القضايا وقمة الأولويات وجعلتها باستمرار هي السبب الذي باسمه يتم إجهاض كل محاولات التفاهم أو التقدم في المفاوضات.

ولا شك في أنه لو لم تكن "إسرائيل" تتلقى دعماً وتفهماً لمواقفها بشأن قضية الأمن من جانب أميركا بالذات، لما استطاع تصورها الخاطئ عن الأمن أن يلقى تجاوباً يساعدها على عرقلة المفاوضات والتهرب من الوفاء بالالتزامات والاستحقاقات الضرورية التي تتطلبها مساعي البحث عن السلام والتوصل إلى تفاهمات وتسويات حقيقية، فالمفروض من حيث المبدأ أن تحقيق أمن جميع الأطراف مرتبط بقدرتهم على تسوية جميع المشكلات السياسية التي تفجر بؤر التوتر والصراع، حين يتم حل هذه المشكلات السياسية يمكن نزع فتيل الصدامات المسلحة أو المواجهات العسكرية، وبالتالي فإن توفير الأمن هو نتيجة تالية أو مترتبة على الوصول إلى اتفاقيات سلام تحدد حقوق وحدود كل طرف، وتنهي حالة المواجهة العسكرية.

ومن حيث المبدأ - أيضاً - لابد أن يكون مفهوماً أنه طالما أن "إسرائيل" تحتل أراضي عربية فلسطينية أو غير فلسطينية، فإن المقاومة المشروعة لهذا الاحتلال هي أمر حتمي من قبل شعب لا يقبل أن يعيش خاضعاً لهيمنة واستعباد قوة غازية أو محتلة، فالطريق إلى بلوغ الأمن يبدأ بإزالة الاحتلال الذي يولد مشاعر الغضب والرغبة في المقاومة، أي أن الوصول إلى هدف تحقيق الأمن يتطلب معالجة أسباب وجذور المشكلة المسببة لأعمال المقاومة.

لقد قامت الدعاية الإسرائيلية المضللة في الغرب بالذات على تصوير "إسرائيل" كدولة ديمقراطية عصرية تمثل الحضارة الغربية الحديثة في محيط عربي متعصب ويدعون بأن العرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون لا يريدون ل"إسرائيل" أن تحيا في سلام، بل يتعمدون إثارة المشكلات لها وتهديد أمنها الداخلي، أو التهديد الإقليمي لأراضيها من جانب دول محيطة لا تريد الاعتراف بوجود "إسرائيل"، ورغم أن العرب قد أقروا عملياً بوجود "إسرائيل" منذ أن قبلوا القرار رقم 242 الذي يدعو في إحدى فقراته إلى أن أي حل أو تسوية للصراع يجب أن تضمن أن تعيش جميع الدول المنخرطة في الصراع داخل حدود آمنة إلا أن "إسرائيل" استمرت في التشكيك في نوايا العرب، واستمرت في التهرب من موجبات إحلال السلام بحجة أنها قد تضر بأمن "إسرائيل".

إن "إسرائيل" تصور نفسها وكأن أمنها في حالة تهديد وخطر دائم، رغم أن هناك ضمانة له من أكبر قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية في العالم وهي أميركا ومعها الغرب حيث يضمنان وجود "إسرائيل" وحماية بقائها ومنع سقوطها.. ثم إنه بحجة حماية أمن "إسرائيل"، فقد سمح ل"إسرائيل" بما لم يسمح به لأي دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، وهو امتلاكها للسلاح النووي، ورغم أن اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية تمنع على أي دولة من خارج النادي الذري الخماسي أي أميركا، وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا امتلاك السلاح النووي، إذا ما استثنينا ظروف امتلاك الهند وباكستان للقنبلة النووية، فإن "إسرائيل" هي الدولة الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي ولا توجد مطالبات دولية جادة من القوى الدولية الكبرى لها بنزع سلاحها النووي تحت ذريعة عدم إلحاح بحث هذه المسألة قبل إحلال السلام وتسوية الصراع بين العرب و"إسرائيل"، واطمئنان "إسرائيل" على أمنها ووجودها.

وفي حقيقة الأمر، فإننا أمام وضع غريب، ف"إسرائيل" التي تملأ العالم ضجيجاً وعويلاً ودعايات مكذوبة حول أمنها الذي يتعرض للتهديد، هي التي تمارس احتلالاً فاشياً بشعاً ضد الشعب الفلسطيني ينعدم في ظله أي أمن للإنسان الفلسطيني، ورغم ذلك نجد كل هذه الضجة حول ضرورات حماية أمن "إسرائيل" لتصبح هي أولوية الأولويات في أي مساع سلمية أو اتصالات دبلوماسية، ولو أن الأمور تسير وفق أحكام العقل والمنطق، لأصبح محور أي مفاوضات أو اتصالات دولية خاصة بالتسوية أو السلام في المنطقة هو كيف يمكن تأمين حماية الأطراف العربية وخاصة الشعب الفلسطيني من النزعة العدوانية والممارسات الهمجية ل"إسرائيل" التي تحتل أراضي الدول العربية وتصادر حقوق الشعب الفلسطيني، ثم تدعي أمام العالم أن أمنها مهدد.

وخلاصة القول، إن المجتمع الإسرائيلي لا يستطيع حتى هذه اللحظة الاقتناع بأن قبول العرب والفلسطينيين التعايش مع وجود "إسرائيل" هو أكبر ضمانة لتحقيق الأمن ل"إسرائيل"، وطالما ظلت عقلية فرض الأمن بالقوة العدوانية العسكرية هي السائدة في المؤسسة العسكرية والسياسية في "إسرائيل"، فإن إمكانات تحقيق السلام ستظل بعيدة المنال، لأن الركض وراء تحقيق أمن "إسرائيل" سيظل بمثابة الركض وراء السراب.

أريد أن أقول بوضوح أكثر إن العوامل التي تستثمرها "إسرائيل" جيداً للترويج لمخاوفها وإعطاء قضية الأمن حجماً مبالغاً فيه بحيث يبدو الأمر أن "إسرائيل" وحدها هي التي تحتاج إلى الأمن دون الآخرين هو كثرة الدق على عقدة الشعور بالذنب لدى الأوروبيين جراء الاضطهاد النازي لليهود، حيث رأى الأوروبيون أن حل المشكلة اليهودية يكمن في تشجيع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وما ارتبط بذلك من الخوف من الاتهام بالعداء للسامية الذي استخدمه اليهود سلاحاً للإرهاب والترويع ضد كل من يلمسون فيه مشاعر عداء أو كراهية اليهود، لذلك فإن الدول الأوروبية تغض النظر عن الممارسات الوحشية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ولا تتجه لإتباع سياسات عقابية ضد "إسرائيل"، طالما أن "إسرائيل" تزعم في كل مرة أنها تفعل ذلك دفاعاً عن أمنها وبقائها ودفاعاً عن النفس، وهو الموقف الذي باتت تتبناه أميركا بصورة أوتوماتيكية وقاطعة.

وبسبب تضخيم هذه العقدة الأمنية تولدت نتائج خطيرة بشأن مصير التسوية والسلام، ف"إسرائيل" تتخذ مسألة توفير أمنها كذريعة للتغطية على أطماعها التوسعية في الأراضي العربية ولتبرير الاستيطان وللزعم باستحالة الانسحاب من الجولان وأراضي الضفة الغربية، وقد اعتبر شارون مثلاً، أن العودة إلى حدود 1967م تعني انتحار "إسرائيل"، وتتبنى هذه الرؤية مجموعة كبيرة من جنرالات المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية وهذا ما سيعرقل جدياً وعملياً إنجاز تسوية بين العرب و"إسرائيل" على أساس الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به العرب على أساس المبادرة العربية التي تبنتها قمة بيروت مارس 2002 وقد استغلت حكومة شارون مسألة تهديد أمن "إسرائيل" نتيجة الانتفاضة الفلسطينية للانقضاض على اتفاق أوسلو والعمل على تصفية تجربة الحكم الذاتي الفلسطيني والقضاء على السلطة الفلسطينية والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وقد نجحت الدعايات الصهيونية المضللة وتداعيات أحداث سبتمبر والحملة الأميركية ضد الإرهاب في تشوية كفاح الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال، ووصم عمليات المقاومة الفلسطينية بأنها إرهاب وباتت أولوية الأولويات في التحركات السياسية الأميركية والمطالب الإسرائيلية ضرورة توفير الأمن ل"إسرائيل"، مع تجاهل المطالب العادلة للشعب الفلسطيني في الأمن والحرية والحياة والاستقلال، وقد مكن اختلال موازين القوى الإقليمية والدولية لصالح "إسرائيل" حكومة شارون من استغلال أمن "إسرائيل" لنسف أي محاولات للوصول إلى تسوية متوازنة للصراع الفلسطيني - الصهيوني.

وهكذا أصبحت سياسة التشديد على أمن "إسرائيل" بمثابة وضع للعربة أمام الحصان وقلب للحقائق واستسلام للمنطق المعكوس، فالرؤية العقلانية تعني الإقرار بأن توفير الأمن هو نتيجة مباشرة للتوصل إلى اتفاقيات أو تفاهمات سياسية تضع حلولاً لجذور الصراع وتنصف الشعب الفلسطيني، وهو ما لا يتأتى إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية مما يفتح المجال للشعب الفلسطيني للتطلع إلى المستقبل والشعور بالحرية والتخلص من الاحتلال، لكن الفريق المهيمن على المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية مازال يعتقد بإمكان فرض الأمن بالقوة عبر الاستمرار في قمع الشعب الفلسطيني والإبقاء على الاحتلال للأراضي الفلسطينية والحيلولة دون بلوغ الشعب الفلسطيني أمانيه في الاستقلال وإقامة الدولة، مستندين في ذلك إلى الدعم الأميركي المطلق ل"إسرائيل" حيث تضع واشنطن أمن "إسرائيل" فوق كل اعتبار.

وإذا ما ظلت هذه النزعة السائدة والمشتركة لدى صناع القرار في تل أبيب وواشنطن، فإن كل مساعي التسوية سوف تتحطم على صخرة ما يسمى أمن "إسرائيل" ذلك الأمن المراوغ والمفهوم المطاط الذي تستغله "إسرائيل" للتهرب من التزامات السلام أو الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والذي تحاول أميركا و"إسرائيل" تحت ستاره القضاء على الانتفاضة وكافة أشكال المقاومة ووصمها بتهمة الإرهاب رغم أن كافة الشرائع الدولية تكفل حق مقاومة الاحتلال.

وكفى خداعاً للنفس والذات ومواصلة تعليق الآمال على استجابة "إسرائيل" للمبادرة العربية أو غيرها من مبادرات السلام.. لأنه إذا لم تتغير عقلية الإسرائيليين حول مفهوم الأمن ليصبح أمناً متبادلاً وليس أمن "إسرائيل" وحدها فإن كل حديث عن السلام سوف يظل مجرد كلام في الهواء!

بوضوح شديد أقول لا بد من خطاب سياسي وإعلامي عربي بمفردات جديدة للتأكيد على أن العرب هم الأكثر احتياجاً للأمن قبل "إسرائيل".. والسجل خير شاهد على ذلك من معطيات ووقائع 62 عاماً من التهديد الإسرائيلي للأمة العربية!

نقلا عن المركز الفلسطيني