مشاهدة النسخة كاملة : ياشين، الحارس الذي غيّر التاريخ


hamees
07-08-2010, 06:59 PM
ياشين، الحارس الذي غيّر التاريخ


http://ar.fifa.com/mm/photo/classic/players/01/16/27/26/1162726%5fsmall.jpg

يعتقد البعض، عندما ندعي أن فلاناً غيّر مجرى تاريخ كرة القدم، أن ذلك ضرب من التضخيم والمبالغة. إذ قليل هم الأشخاص القادرون على الخلق والإبتكار بشكل يُغيِّر المسار العادي والطبيعي للأمور وإن كانوا نجوماً ذائعي الصيت. لكن الحديث عن المبالغة في حالة ليف ياشين مغالطة وتزييف للحقائق، حيث يقر العارفون أنه ترك بصمات واضحة على حراسة المرمى، وأنه بحق نموذج فريد ما تكرر قط في تاريخ كرة القدم.

إذ غيّر بداية نظرة السوفييت لحراس المرمى، بعدما كان يكتفي هؤلاء بانتظار وصول الكرة على مقربة من الخط. وكان هو أول من فرض ضرورة سيطرة حراس المرمى على مربع العمليات وتحكمهم فيه، بما كان يتميز به من خفة ساعدته على التصدي للتسديدات وعلى قطع عمليات الخصم أيضاً واستباقها قبل أن تكتمل.كما شكّل ليف ياشين، إضافة إلى ما أظهره من قدرات خارقة في الدفاع عن المرمى، أحد كبار نجوم كرة القدم وأعلامها الأوائل. إذ شارك في أول كأس عالمية بثت عبر التلفزيون (بفضل القمر الصناعي السوفييتي سبوتنيك 2) سنة 1958، مما جعله محط أنظار العالم وأسطورة في أعين الجماهير العالمية. وقد أطلق عليه في تلك الفترة لقب "العنكبوت الأسود" نسبة إلى الزي الأسود الذي رافقه طوال حياته وتشبيهاً له بهذا الكائن ذي الأيادي المتعددة بسبب قدرته على الإنقضاض على الكرة في أي مكان.

الثورة الروسية
ولد ليف إيانوفيتش ياشين في مدينة موسكو يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 1929، وعاش في صباه مآسي الحرب العالمية الثانية وآلامها. واضطر إلى العمل في أحد مصانع الأسلحة عندما كان يناهز عمره 12 سنة. رغم ذلك استطاع الطفل اليافع الإنخراط في فريق كرة القدم الخاص بالمصنع، ولفت في وقت وجيز انتباه نادي دينامو موسكو العملاق، وانضم إلى صفوف يافعيه سنة 1949. وقد لا يصدق البعض اليوم أن ياشين لم يغير قط جلدته ولا ناديه، وأنه استمر في الدفاع عن ألوان هذا النادي إلى أن اعتزل اللعبة سنة 1971، حيث خاض معه 300 مباراة ونال معه لقب الدوري السوفييتي أربع مرات وكأس الاتحاد السوفييتي مرتين.

ولكن "الفهد الأسود" (وهو لقب ياشين الأول عند جمهور موسكو) دافع عن قميص فريق آخر خلال مسيرته الكروية، وتفانى في الذود عن ألوانه 75 مرة بين سنتي 1954 و1970. وكان قميصه الجديد أسود أيضاً، لكنه كان يرتديه مع منتخب الإتحاد السوفيتي هذه المرة، وهناك أصبح الفهد "عنكبوتاً"، وذاع صيته بين جماهير كرة القدم العالمية. وقد بلغ المنتخب السوفييتي خلال عهد ياشين قمة كرة القدم الأوروبية والعالمية، وحاز الكثير من الألقاب. إذ نال بداية الميدالية الذهبية الأوليمبية في دورة ميلبورن 1956، واستحوذ على كأس أوروبا في فرنسا 1960، وشارك أيضا في كأس العالم FIFA ثلاث مرات: السويد 1958، وتشيلي 1962، حيث بلغوا دور ربع النهائي، وانجلترا 1966، حيث احتلوا المرتبة الرابع وهو أفضل إنجاز في تاريخ منتخب هذا البلد.

وأصبح تسجيل هدف في مرمى هذا الحارس الداهية خلال تلك الفترة منبع فخر لمهاجمي ولاعبي الخصوم، حيث أكد النجم الإنجليزي توم فيني الذي نازل السوفييت في دورة 1958 هذا الأمر وقال: "كنا منهزمين 2-1 عندما أعلن حكم المباراة ضربة جزاء لصالح منتخبنا، وأنيطت بي مسؤولية تنفيذها أمام الداهية ياشين. لقد كان حارساً خارقاً للعادة وحارساً خبيراً في صد ضربات الجزاء. كما كان يزيد لون قميصه الأسود من شدة الضغط على اللاعبين."

ثم أضاف توم مستحضراً تفاصيل ذلك اليوم التاريخي بحماس: "قررت التسديد إلى الجهة اليمنى، لأني أعلم أنه يتقن الصد على الجهة اليسرى. وقد سجلت الهدف بالفعل، وخدعت ياشين." ورغم تسجيل توم لضربة الجزاء تلك، استطاع العنكبوت الأسود صد ضربات كثيرة أخرى خلال مسيرته الطويلة، حيث تمكن من الوقوف في وجه الخصوم 150 مرة.

كما حظي ياشين باهتمام العالم الغربي، خصوصاً لتزامن مروره بصحبة المنتخب مع الحرب الباردة والقطيعة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وظل لوقت طويل بطلاً قومياً ورمزاً لقوة هذا المعسكر بفضل تدخلاته الموفقة وشخصيته القوية. وقد كان يجيب السائل عن سر قوته وحضوره المتميز أثناء المباريات بالقول متهكماً: "السر أنني أدخن سيجارة لتهدئة الأعصاب، ثم احتسي شراباً كحولياً قوي المفعول لتحسين مردود العضلات."

وقد توج العنكبوت الأسود سنة 1963 بالكرة الذهبية، أمام نجوم من وزن أوزوبيو وألفريدو دي ستيفانو، وفي عالم اعتاد تكريم مسجلي الأهداف لا من يقف للدفاع عن الشباك، وهو للإشارة حارس المرمى الوحيد الذي نال هذا الشرف حتى الآن.

وتجمع التصريحات والتعليقات على أن ليف ياشين لاعب "فريد"، ما شهدت الملاعب المستطيلة نظيراً له قط. وقد نال قبل وفاته سنة 1990 العديد الجوائز ونظمت له العديد من الحفلات التكريمية، حيث تسلم سنة 1968 وسام لينين الشهير، ونظمت له مباراة وداع سنة 1971 حضرها أكثر من مائة ألف متفرج وشارك فيها أساطير اللعبة بيليه وأوزوبيو وبيكنباور وغيرهم. وقد أصبح هذا الحارس اليوم قدوة ومثلا أعلى للعديد من الحراس الشباب، لاسيما بعد أن منح FIFA اسمه لجائزة أحسن حارس مرمى في دورات كأس العالم FIFA منذ سنة 1994. لذلك يحق لنا أن نقول أن ليف ياشين غير مسار ومجرى حراسة المرمى ومنحه بعداً جديداً.