مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا وحرب الجبهات المتعددة آخر تحديث:الخميس ,


ابن تيارت
01-14-2010, 11:14 AM
موريتانيا وحرب الجبهات المتعددة آخر تحديث:الخميس ,


ما يجري على الساحة السياسية الموريتانية هذا الأسبوع يمكن وصفه بأنه يندرج في إطار “حرب الجبهات المتعددة”، فقد أعلن رئيس الوزراء البرنامج العام لحكومته، وتصاعد الجدل السياسي والحقوقي والإعلامي بشأن القانون الجديد لمكافحة الإرهاب، وأطلقت السلطات رسمياً الحرب الفكرية لمواجهة التطرف الديني، فيما بدأت الأغلبية بإعادة توحيد صفوفها لمواجهة ثنائيتي “الواقع” و”المعارضة” .



عطلة الأسبوع، كانت توقيتاً مدروساً بعناية ليعرض رئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف البرنامج العام لحكومته، توقيت مدروس على افتراض أن آخر يوم من الدورة البرلمانية لن يتيح الكثير من النقاشات، لكن ذلك لم يمنع 58 نائبا من مداخلات صدامية ضد ومع، بل وجد رئيس الوزراء نفسه أمام استجواب في قضايا حساسة ومتعددة، ورد الدبلوماسي العريق على تساؤل النواب مستخدما “آلة” العموميات، لكن الشارع بدأ يطالب بالتفاصيل .



ورغم أنه عرض أحد أكبر البرامج التنموية في تاريخ حكومات البلد، وعزز عرضه بنماذج من المشاريع التي يجري تنفيذها حاليا للتأكيد على أن برنامج الحكومة لن يكون وعودا على ورق، أو ما يسميه الرأي العام الموريتاني ب”برنامج التسويفات” (سوف نقوم . . وسوف)، فقد فتح ذلك الباب لجدل واسع حول البرنامج الحكومي الجديد، بل تحول الأمر إلى محاكمة لانقلاب “السادس من يونيو/ حزيران 2008”، الذي حمل الجنرال عزيز إلى السلطة وجدوى ذلك الانقلاب .



وقد رد الفريق النيابي لحزب ولد داداه “التكتل”، أبرز أحزاب المعارضة، ببيان مفصل عرض رؤيته للبرنامج العام للحكومة، متوعدا بأن مصير هذا البرنامج الفشل . واتهم فريق “التكتل” النيابي في رسالة موجهة للرئاسة ورئيس البرلمان وعدة جهات أخرى، رئيس الوزراء مولاي ولد محمد الأغظف بتجاهل الأسباب الحقيقية للأزمات التي تعيشها البلاد، وهي “استبداد النظام” . معتبرا أن خطاب إعلان السياسة العامة لم يحمل أي جديد .



وأبدى أسفه لأن معالجة المحاور المختلفة التي تضمنها بيان الوزير الأول “لم تخرج كثيرا عن تكرار ما كنا قد سمعناه في هذا المكان، منذ شهر أغسطس/ آب سنة ،2008 وكانت عاقبته الفشل الذريع في حل مشاكل البلاد، وإشاعة الوئام والاستقرار” .



وقال “إن أسباب الفشل لا تخفى على أحد، ومردها الأول للاستبداد، الذي جر إلى الارتجال والتخبط والفوضى، والإقصاء، ثم التسلط، وذلكم هو عين الفساد” .



وأضاف “أن الاستبداد أصبح نهجا، بدل التشاور والقانون، حيث لا يوجد اليوم إلا شخص واحد؛ فلا حكومة ولا برلمان ولا قضاء، ولا مالك قرار، مما جعل البلاد تُدار بطريقة أحادية” .



وأعلن الفريق أن المعارضة كانت تتمنى أن “يحفل بيان الوزير الأول المسهب، بالجديد في مضمونه وحتى في شكله، ويقدم حلولا ملموسة، بعيدا عن تكرار الوعود التي قُطعت تحت قبة هذا المجلس، خلال السنتين الماضيتين، من دون أن يُرى لها أثر في حياة الناس” .



وانتقد غياب قانون الإقرار بالممتلكات الذي يعني كبار مسؤولي الدولة، وعدم الكشف عن تسيير الأموال العمومية خلال فترة حكم المجلس الأعلى للدولة، و”مصير بعض الهبات التي لم نر لها أثرا في الميزانية، مثل الخمسين مليون دولار التي قيل إن المملكة العربية السعودية قدمتها” .



كما انتقد غياب “نتائج ملموسة عما قيم به في ملف المخدرات”، و”التزاما بتنفيذ تعهدات الحكومة، وخاصة اتفاقية دكار التي تعهد أطرافها بمتابعة تنفيذها عبر حوار شامل بشأن مشاكل البلاد” . و”غياب التفسير للهفوات الدبلوماسية التي أضرت بصدقية البلاد ومكانتها كعامل استقرار في المنطقة” .



ولاحظ الفريق ما اعتبره “قصوراً مؤسفاً” في مواجهة مشكلة اختراق الأمن الداخلي والعدوان المتربص على الحدود (القاعدة)، وإشغال الجيش في أمور لا علاقة له بها، مثل السياسة .



ورد النائب البرلمان سيدي محمد ولد محم، أبرز نواب الأغلبية، وهو أيضا رئيس محكمة العدل السامية على الهجوم المتواصل للمعارضة بقوله “إن الخلاف بين المعارضة والأغلبية خلاف سياسي بامتياز مصدره انزعاج المعارضة من وجود أغلبية إلى جانبها في البرلمان” .



وقال ولد محم “إن المعارضة تسعي إلى اضطهاد الأغلبية لأسباب أتفهمها وهي أن المعارضة تريد الانفراد بحق مخاطبة الحكومة ونقد سياساتها، وهذا غير سليم فنحن أكثرية حكمة ويجب ألا ينزعج أحد من ذلك” .



وأضاف “بقدر ما للمعارضة الحق في انتقاد الحكومة لنا الحق في دعمها كأغلبية لأن هذا خيارنا وهي منبثقة من هذا الخيار” .



وأضاف “التذكير هنا باتفاق دكار والعودة للانقلاب أو ما نسميه نحن حركة التصحيح أمر لم أكن أتوقعه من المعارضة، خاصة في هذه المرحلة لأن رؤيتنا في ما حدث لم تتغير” .



وقال ولد محم، الذي كان على رأس ما تسميه المعارضة ب”كتيبة النواب” الداعمة للجنرالات إبان الانقلاب الأخير “إذا عاد الزمن سنتخذ نفس المواقف وربما لن نكون وحدنا في ذلك، لأن الشعب الموريتاني أعلن تزكيته لذلك الخيار” .



قانون الإرهاب جدل لن ينتهي



لم يثر قانون في موريتانيا من جدل ونقاش واتهامات كالذي أثاره القانون الجديد للإرهاب، فقد رأت المعارضة أن القانون الجديد لا يحارب الإرهاب بل يكرس الاستبداد السياسي، ويشكل نقطة جذب للإرهاب في حد ذاته نظرا للإجراءات التي أقرها .



وتضمن القانون الجديد أعلى فترة حبس احتياطي في تاريخ القوانين الموريتانية (تصل إلى أربع سنوات)، كما فتح الباب كليا أمام التنصت على المكالمات الهاتفية والبريد وتفتيش المنازل وتوقيف الأشخاص في أي وقت وأي مكان لمجرد الاشتباه .



بل إن القانون الجديد أدخل لأول مرة نظام حماية الشهود وفرض التبليغ عن المشتبهين، وتضمن منظومة قاسية من العقوبات والإجراءات وغيرها .



لكن الأخطر في هذا القانون، كما رآه حقوقيون ومعارضون ومحللون سياسيون هو كونه احتكم للتعريف الغربي لمفهوم الإرهاب .



وقال حزب ولد داداه إن قانون محاربة الإرهاب ابتعد عن مقاصده، وشكل مظهرا جديدا من مظاهر الازدراء بالمواطن وبالقوانين، وعلى رأسها الدستور الذي يضمن حماية حرمة المواطنين ومساكنهم ومراسلاتهم “بل يذهب هذا النص إلى أكثر من ذلك بتقنينه ممارسات غير قانونية بأثر رجعي، وعلى رأسها السجن التحكمي” .



بينما قال النائب البرلماني صالح ولد حننه (الأغلبية) إن قانون الإرهاب الذي صادق عليه البرلمان يضم فقرات سيئة وتتجاوز في تضييقها على الحريات العامة، قانون الإرهاب الذي أقره ولد الطايع بعد عملية “لمغيطي” الإرهابية 2005 .



ودعا ولد حننه السلطات الموريتانية إلى الاعتبار بمصير باكستان التي كانت تمثل أقوى بلد إسلامي بينما تسير الآن بخطى متسارعة إلى الانهيار لأنها خاضت حربا مفروضة عليها، واستخدمت الوسائل التي تؤدي إلى الانفجار وليس جلب الأمن .



أما الخليل ولد الطيب، النائب في البرلمان وزعيم الحركة الناصرية (فرع المعارضة)، فقد سخر من قانون الإرهاب الجديد لكونه لا يفرق بين الإرهاب والمقاومة، قائلا إنه كنائب برلماني معرض للاعتقال بتهمة الإرهاب ودعم تياراته في ظل القانون الجديد، وقال ولد الطيب “أنا أضع في حاملة مفاتيحي الشخصية صورة السيد حسن نصر الله، والقانون الجديد يضعه في خانة الإرهاب والإرهابيين” .



وفي تلميح خطير، قال ولد الطيب “لا يمكنني أن أقول إن القانون الجديد جاء بضغوط قوية من سفارتي فرنسا والولايات المتحدة لأنني لا أملك الدليل على ذلك” .



وانتقد السالك ولد سيدي محمود، القيادي في حزب “تواصل” الإسلامي، قانون مكافحة الإرهاب، قائلا إنه يهيئ الأرضية الصالحة لتحويل البلد إلى باكستان جديدة، ويمهد لانفجار عارم .



ميز الأسبوع الحالي أول تحرك رسمي من الحكومة الموريتانية لمواجهة الإرهاب فكريا، بعد سنوات من رفض السلطات المتعاقبة على الحكم التحرك بشكل جدي في هذا المجال .



فقد افتتح الرئيس الموريتاني بقصر المؤتمرات بنواكشوط أول ندوة علمية من نوعها لمواجهة الغلو والتطرف وذلك بمشاركة أغلب علماء البلد وعدة مفكرين ومثقفين .



وأكد ولد عبد العزيز أن كل دول العالم تكتوي بنار الإرهاب وخاصة العالم الإسلامي، داعيا العلماء إلى قيادة حملة تصحيح للمفاهيم الخاطئة، وإلى صيانة الإسلام المتسامح الذي عرف به المجتمع الموريتاني .



وطالب عشرات العلماء الموريتانيين المشاركين في الندوة السلطات الموريتانية بالحوار مع المتشددين الإسلاميين أو أصحاب الفكر التكفيري وقبول توبة أفراد تلك الجماعات والعمل على استمالة المتعاطفين معهم .



وأوصى التقرير الصادر عن الندوة، التي استمرت أربعة أيام، باعتماد استراتيجية مدروسة لنشر فكر الوسطية والاعتدال، وفتح باب الحوار مع أصحاب فكر التطرف، وتدعيم الهوية العربية والإسلامية للبلاد عبر التمسك بمقومات الشخصية الشنقيطية وموروثها الحضاري، ودعم التعليم الأصلي بتعميم المعاهد الشرعية على كافة ولايات البلاد، مع إشاعة المفهوم الصحيح للجهاد .



ويرى علماء موريتانيون كبار، ومفكرون، وخبراء ميدانيون أن السلطات الموريتانية لن تستطيع النجاح في الحرب الفكرية على الإرهاب بشن حملات عمومية فقط تهدف لتحصين المجتمع، بل إن عليها وضع أدوات فعلية للنزول لقاع التيار السلفي الموريتاني والعمل على كسبه وإبعاده عن “الفكر المسلح”، وهناك مخاوف حقيقية من استمرار رفض الجناح الأمني المتشدد لهذه المنحى، والاتكاء على المقاربة الأمنية وحدها في مواجهة هذا التيار الذي تغذيه بقوة دوافع محلية وإقليمية ودولية .



الأغلبية تتحرك



بحسب رأي قيادي بارز في حزب “الاتحاد” من أجل الجمهورية الحاكم في حديثه ل”الخليج” فإن الأغلبية الحالية لا تريد تكرار أخطاء “الأغلبيات السابقة” بالتأخر عن مواجهة الخطاب المعارض، والركون إلى حسن نية المواطن في فهم التحولات الجذرية الجارية .



ويبدو أن الرئيس ولد عبدالعزيز ورئيس حزبه الحاكم محمد محمود ولد محمد الأمين، دشنا هذا الأسبوع عبر “دبلوماسية العشاء” سياسة “إعادة رص الصفوف من النافذة البرلمانية”، كما تحركا في لقاءات غير معلنة مع سياسيين وفاعلين اجتماعيين لمواجهة البريق المتزايد للمعارضة الموريتانية في عودتها الجديدة للساحة . ويبدو أن الجنرال وأغلبيته ووصلا إلى استنتاج يفيد بأن “كل معركة تنتهي إلا المعركة السياسية” .

""" عن الخليج الإماراتية """