مشاهدة النسخة كاملة : خريطة طريق أم طريق من دون خريطة؟


أبو فاطمة
07-05-2010, 01:29 PM
خريطة طريق أم طريق من دون خريطة؟

د. كلوفيس مقصود

غداً يستقبل الرئيس باراك أوباما رئيس الحكومة "الإسرائيلية" بنيامين نتنياهو. تجيء هذه المقابلة وسط أوضاع "إسرائيلية" تتميز بتوترات داخلية بين نتنياهو وليبرمان الذي احتج على لقاء سري تم بين وزير التجارة والصناعة "الإسرائيلي" بنيامين بن أليعازر ووزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو. كما أن هناك توتراً بين الرئيس الأمريكي ونتنياهو ينطوي على عتاب شديد أكثر مما ينطوي على غضب. في هذا الجو من المتوقع أن يؤول هذا إلى نوع من الاستقامة في العلاقات بين الرئيس أوباما ونتنياهو من دون أن يعني ذلك بقاء نوع من التشكيك المتبادل في نوايا الواحد تجاه الآخر. ويبدو أن الاجتماع الذي حصل في بروكسل بين الوزيرين التركي و"الإسرائيلي" كان بطلب من الإدارة الأمريكية.

لماذا كان هذا الطلب؟

الولايات المتحدة تحاول ألا تتفاقم العلاقات بين تركيا و"إسرائيل"، لأن هذا من شأنه أن يعطل بعض مقوّمات الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما يعطي انطباعاً سائداً بأن على "إسرائيل" تلبية بعض المطالب التركية التي تنطوي على اعتذار وتعويض واتخاذ مواقف جدية لتخفيف الحصار عن غزة، وهذا الأمر لم يُبت لغاية الآن.

الأهم في اللقاء بين أوباما ونتنياهو هو أن الرئيس أوباما يريد إزالة الاحتقان وتطبيع العلاقات التركية "الإسرائيلية"، ولضمان ألا تتعثر العلاقات المصرية مع "إسرائيل"، وألا تتعرض معاهدة السلام إلى أي اهتزاز أو تشكيك أو ما قد يتجاوز التشكيك. من هذا المنظور يتبين أن أي اختراق في موضوع "المسيرة السلمية" واستئناف "المفاوضات" بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، لن يتحقق لأن الإدارة الأمريكية لا تزال عاجزة عن انتزاع اعتراف من "إسرائيل" بأنها سلطة احتلال في الأراضي الفلسطينية، وتعتبر العمليات الاستيطانية المتواصلة بمنزلة دليل واضح على أن "إسرائيل" تعمل جاهدة لإيجاد وقائع تؤكد ملكيتها للأراضي، وأنها تعلن أن الاستيطان سوف يستأنف بعد انقضاء الأربعة أشهر.

في هذا الصدد إذا لم يتمكن الرئيس أوباما من حسم موضوع المستوطنات، حيث يطالب بتفكيكها وليس بتجميدها، فإن أي استئناف "للمفاوضات"، سوف يصبح عبئاً كبيراً على السلطة، بحيث تبدأ بخسارة شرعيتها في تمثيل الشعب الفلسطيني، ومن دون هذا الوضوح سوف تظل المسيرة السلمية اجتراراً للتآكل الاستيطاني ولتهويد القدس الشرقية، من دون أي رادع حقيقي، ما يجعل خريطة الطريق طريقاً من دون خريطة.

إزاء هذه الأوضاع القائمة في الحالة الفلسطينية، وإزاء ما يواجهه الرئيس أوباما من أولويات داخلية متعددة مثل البطالة وسياسات الهجرة واستمرار الأزمات المالية، وما يمكن أن تؤول إليه الحالة الداخلية في العراق، إضافة إلى التعثر الحاصل لحلف شمال الأطلسي في أفغانستان، أعتقد أن كل هذه القضايا تجعل اتجاه الرئيس أوباما إلى تسريع "حل الدولتين" في المستقبل المنظور أمراً صعباً، بمعنى آخر ليس هناك واقع عربي جاد لردع التمادي "الإسرائيلي" في خرق القرارات الدولية المنبثقة عن الأمم المتحدة من جهة، وإجباره على الاستجابة لمطالب العديد من دول مجتمع العالم بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على أرضها وأجوائها ومياهها الإقليمية خاصة في غزة، من جهة ثانية.

إزاء هذا الوضع وحيث إنه لا يوجد وضع عربي قادر على الردع، ولا يوجد استعداد آني لقطع العلاقات الدبلوماسية القائمة بين الدولة المركزية الكبرى مصر و"إسرائيل"، كما أنه ليس هناك استعداد لإعادة تطبيق قرارات المقاطعة الاقتصادية ل "إسرائيل"، فإن الرئيس أوباما يستطيع أن يقوم بتعديلات بسيطة حتى يتمكن من تسويق استمرار ما يسمى ب"المفاوضات" المباشرة وغير المباشرة، فإذا لم تكن هناك تكلفة عربية جدية فلا يمكن لنا أن نتوقع من الرئيس أوباما أكثر من تخفيف الاستشراس "الإسرائيلي" وليس سياسة اقتلاع الشراسة والعدوانية "الإسرائيلية" من فلسطين المحتلة.

أما إذا فوجئنا بقرارات عربية جادة تنطوي على قطع العلاقات مع "إسرائيل"، عندئذٍ سوف يفشل اللوبي "الإسرائيلي" داخل الكونجرس الأمريكي، وسيكون مرشحاً للعجز في تعطيل التزام الولايات المتحدة إنجاز صيغة "حل الدولتين"، وأن ليس كل انتقاد ل "إسرائيل" من قبل أي من الإدارة الأمريكية هو "ضغط" على "إسرائيل"، وتفكيك المستوطنات وعدم تهويد القدس الشرقية ليس "تهديداً وجودياً" ل "إسرائيل"، وأن هذه المحاولات التي يقوم بها الإعلام "الإسرائيلي" والصهيوني عالمياً وداخلياً في الولايات المتحدة التي تحاول شل القناعة والإرادة الدولية، هي بمثابة ابتزاز أصبح مفضوحاً، ومحاولات الإعلام "الإسرائيلي" حذف كامل للوجدان العالمي الذي يعتبر أن ما تقوم به "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير أخلاقي، وبالتالي يدان كما هو الحال الآن، وصار لزاماً أن يعاقب.

مدير مركز عالم الجنوب بالجامعة الأمريكية بواشنطن

نقلا عن المركز الفلسطيني