مشاهدة النسخة كاملة : التعليم في الضفة .. إلى أين؟


أبو فاطمة
07-05-2010, 01:25 PM
التعليم في الضفة .. إلى أين؟


النائب حسني البوريني

يعتبر مستوى التعليم في أي مجتمع مؤشرا قويا على وعي ذلك المجتمع ونهضته وقوة تماسكه ووفرة مقومات صموده. ولا أتحدث هنا عن العلم بل عن التعليم وإدارته. لقد شهدت عملية التعليم في المنطقة العربية عامة وفلسطين بشكل خاص في الآونة الأخيرة تراجعا ملحوظا، وذلك حسب تقارير مراقبين محليين ودوليين. ولعل أسبابا كثيرة تداخلت مما أدى الى هذا التراجع .

أما في حالتنا الفلسطينية فقد عصفت بالمسيرة التعليمية عواصف كثيرة بحكم العيش المر في ظل الاحتلال البغيض وتداعياته وما رافق أو أعقب الانتفاضتين المباركتين من إجراءات قمعية قام بها الاحتلال لإجهاضها من إغلاق للجامعات والمدارس وصعوبة انتظام الدوام الجامعي والمدرسي، وصعوبة التحاق الكثير من المعلمين بمدارسهم والمئات من الطلاب بجامعاتهم، كل ذلك وغيره أسهم في إضعاف التعليم في بلادنا. وما دام الاحتلال قائما، فقد ظل الجرح الفلسطيني داميا، والاعتقال والإصابات والإعاقات نتيجة المواجهات اليومية مع جنود الاحتلال وآلته العسكرية ونظرا لهذه الخصوصية في الشعب الفلسطيني فقد تفاعلت عوامل عاطفية إنسانية مع العوامل المهنية الإدارية في تركيبة الجهاز التعليمي، فقد روعيت الجوانب الإنسانية- في كثير من الأحيان- عند عملية قبول الطالب ( الأسير المحرر) في الجامعة، كما روعيت هذه الجوانب- في كثير من الأحيان أيضا- في عملية التعيين في الوظائف الحكومية- وخاصة في التعليم- لذوي الأسير أو الشهيد وذلك على حساب الكفاءة العلمية والخبرة والأهلية لهذه الوظيفة .

لا شك ان للأسير الفلسطيني الذي قضى زهرة شبابه في أقبية السجون حقا على أمته لأنه اعتقل دفاعا عن كرامتها وحريتها وهذا الحق للشهيد ولأسرته أوجب، كيف لا ؟ وقد قدم أعز ما يملك روحه وماله دفاعا عن وطنه وامته وذودا عن كرامة شعبه ومقدساته، وطلبا لتحرير الأرض وتحقيق الاستقلال؟ !

انني مع تكريم الشهيد وأسرته بكل وسائل التكريم، ومع تكريم الأسير وأسرته خلال فترة الاعتقال وبعده. لكن ليس على حساب كفاءة المعلم ومؤهلاته. إن كون المتقدم لوظيفة معلم ابن شهيد أو ابنته أو أخاه أو أخته أو زوجته، لا يكفي وحده مبررا لتقلد هذه الوظيفة الخطيرة، فالتعليم صناعة تحتاج الى علم وتدريب وخبرة، بل هي من أخطر الصناعات، لان صناعة الإنسان وتنشئته الجيل أصعب وأعقد وأخطر وأهم ولا تحتمل خطا واحدا، لقد شهدنا في مدارسنا الكثير من حالات الضعف في نتائج التعليم لأسباب عديدة، لا نبوح سرا إن قلنا أن من بينها ما يتعلق بالمعلم نفسه وأدائه في مهنته .

لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إنني أتفهم الانحياز للجانب الإنساني عند التوظيف، بل أنا مع الانتصار للمعاني والقيم الوطنية حين يتعلق الأمر بأسرة الشهيد أو الأسير بشرط توفر الحد المقبول من الكفاءة والخبرة والعلم، لكن الذي لا يمكن أن يتفهمه كل ذي حس وطني ووازع أخلاقي هو ما تتعرض له العملية التعليمية في الضفة الغربية من مذبحة رهيبة وبأيد فلسطينية .

ودليلي على ما أزعم ما يلي :

أولا: الفصل التعسفي للمئات من المعلمين والمعلمات أصحاب الكفاءة والخبرة والمشهود لهم بالإخلاص والتفاني في مهنتهم وتقاريرهم التربوية تشهد على ذلك. هذا الفصل الذي طال الأخضر واليابس، لا مبرر له من قريب او بعيد، قد يقول قائل: إن الانقسام هو سبب ذلك، أو يحمل طرفا من أطراف الانقسام سبب ما يجري أنا لا يهمني السبب بقدر ما يخيفني المصير المجهول الذي تنحدر إليه المؤسسة التعليمية كلها وفي النهاية الطالب والمعلم هو الضحية والتعليم هو الذبيح والأمة كلها هي الخاسرة، ثم ما علاقة الانقسام بهؤلاء المعلمين الذين لا ناقة لهم في هذا الانقسام ولا جمل ؟ !

ثانيا: رفض قبول طلبات التوظيف من مئات الخريجين بسبب الانتماء أو شبهة الانتماء السياسي المخالف لرغبة السلطات، بل وبسبب القرابة والمصاهرة أو التعاطف والميل القلبي مع من يخالف قناعات السلطان .

ثالثا: التعيين على أساس حزبي من لون واحد بعيدا عن الكفاءة والمؤهلات العلمية، قالها صراحة أحد مديري التعليم الذي وصل هو نفسه إلى هذا الموقع على أساس حزبي بعيدا عن معايير الكفاءة، قال: ( سأعين كل فتحاوي تقدم لامتحان الوظيفة حتى لو رسب في الامتحان ولن يتعين أي حمساوي مهما كانت نتيجته ) . هذه المقولة ليست مقولة شخص، بل هي سياسة معلنة في وزارة التربية والتعليم في الضفة الغربية، وحين سئل مسؤول كبير بعد حديثه عن سيادة القانون عن هذا الفصل التعسفي وخرقه الصريح للقانون، قال : (وقعوا على الورقة المصرية واعملوا مصالحة ( .

رابعا : ملاحقة الجامعات والمدارس الخاصة وإخضاعها لسياسة التطهير العرقي تحت ما يسمى (السلامة الأمنية) للموظفين هو إمعان لسياسة الإقصاء واستئصال لكل مقومات النفع والعطاء وتعميم للمذبحة لتطال كل جوانب التعليم في الضفة .

خامسا: فتح الباب على مصراعيه لاستيعاب المتسربين من الدارس في الأجهزة الأمنية وحرمان الناجحين وحملة شهادة الثانوية العامة من هذا الحق هو أيضا إمعان في سياسة التجهيل وتشجيعه .

فإلى متى يبقى التعليم في ضفتنا الجريحة رهينة بأيدي العسكر؟! والى متى سيصمت الأحرار الغيورون من خبراء التعليم وأعلامه ورموزه وأساطينه؟ !

والى متى ستظل يد وزارة التربية والتعليم مغلولة وعن قرارها مشلولة ؟!، تعين وتفصل بناءً على تعليمات أو رفض ما تسميه ( الجهات المختصة ) .

ذهب جمهور الناس يكرم أحد جنرالات الحرب المنتصرين بعد الحرب العالمية الثانية فقال لهم: لا تكرموني أنا، بل كرموا المعلم الذي صنع جيل الانتصار .

أما نحن فقد أهدرنا طاقتنا العلمية ولفظت مدارسنا معلميها الناجحين، ومكث طلابنا الشهر والشهرين بلا معلم بعد فصل معلميهم الذين ضاقت بهم الحياة .

إنني اخجل مما سيكتبه التاريخ عن هذه الحقبة من تاريخ شعب ما عرف أبناؤه في أرجاء الوطن العربي الكبير الا معلمين أو متعلمين منذ غابر الدهور وعلى مر العصور

نقلا عن المركز الفلسطيني