مشاهدة النسخة كاملة : أفغانستان ولعنة الدول الكبرى ـ أمريكا بعد بريطانيا والاتحاد السوفييتي


ام خديجة
07-05-2010, 02:15 AM
أفغانستان ولعنة الدول الكبرى ـ أمريكا بعد بريطانيا والاتحاد السوفييتي



http://img27.imageshack.us/img27/458/70123192.jpg (http://www.mushahed.net/vb)
عبد الحميد صيام
7/5/2010


يبدو أن أقدار الدول العظمى متشابهة إذا ما تعلق الأمر بأفغانستان. فبوادر فشل الخطة الأمريكية في القضاء على حركة طالبان وإقامة دولة الاستقرار وسيادة القانون وتداول السلطة بدأت تنهار وأصبحت ظاهرة للعيان، وكان آخرها طرد قائد القوات ستانلي ماكريستال واستبداله بديفيد بتريوس. فهل طبق الهزيمة التي تذوقت منه بريطانيا ثم الاتحاد السوفييتي سابقا أصبح الآن جاهزا بانتظار الولايات المتحدة لتأخذ حصتها منه؟ لنفتح بعض صفحات من التاريخ لمن يريد أن يتعلم شيئا منه.

بريطانيا ومذبحة ممر خرد كابل

دفعت بريطانيا في نهاية عام 1938 بقوات بريطانية وهندية إلى أفغانستان تقدر بعشرين ألف جندي لتأمين مصالحها بعد أن استشعرت بالخطر الروسي وتغير موقف الحاكم دوست محمد الذي كان يعتبر حليفا لبريطانيا. احتلت القوات البريطانية كابل في آذار (مارس) 1839 ثم أسقطت دوست محمد وعينت مكانه 'كرزاي' ذلك الزمن شاه جوها والذي لم يكن قادرا على تأمين حكمه فطلب من البريطانيين البقاء في كابل. بدأت الانتفاضة ضد القوات البريطانية في تشرين الثاني (نوفمبر) 1841 ولم يكن البريطانيون مستعدين للمواجهة. إقتحمت الجماهير قلعة الحاكم البريطاني ألكسندر بيرن الذي عرض أموالا على الجماهير الغاضبة فرفضتها وحاصرته إلى أن استسلم وقتلته.
عام 1842 توصلت بريطانيا إلى اتفاق مع أكبر خان، ابن حاكم البلاد دوست محمد يؤمن الخروج بسلام لنحو 16 ألفا بين جندي ومدني. بدأ الانسحاب في الخامس من شهر كانون الثاني (يناير)، إلا أن حراس القلاع على الطريق البالغ طوله 48 كيلومترا بين كابل وغانداماك لم يلتزموا بالاتفاق فهاجموا القوات البريطانية في معبر خرد كابل وقتلوهم جميعا ما عدا 44 شخصا. ثم عادوا وقتلوا 43 منهم وأبقوا على رجل واحد هو الدكتور وليم برايدن ليروي للناس قصة الوجود البريطاني في تلك البلاد.

الاتحاد السوفييتي والانهيار الأكبر

السوفييت بدورهم لم يتعلموا من الإنكليز فدفعوا بقوة أولية مكونة من 100.000 عسكري في 24 كانون الأول (ديسمبر) عام 1979 لحماية حليفهم ببراك كرمال لكن سرعان ما وجدوا أنفسهم قد غرقوا في مستنقع البلاد وأصابتهم لعنة كره الأجنبي التي وحدت كافة فئات الشعب الأفغاني ضد المحتلين السوفييت. بدأت المقاومة الفعالة في منتصف عام 1980 عندما تكاتفت عدة دول وأخذت على عاتقها دعم المجاهدين. فكانت باكستان تستقبل وتدرب، والسعودية تمول، والولايات المتحدة تسلح. وصل عدد القوات السوفيتيية والقوات المحلية إلى ما يزيد عن 300,000 مقاتل عام 1986. الولايات المتحدة تحت رئاسة ريغان صممت على هزيمة الاتحاد السوفييتي بأي ثمن كرد اعتبار لهزيمتها في فيتنام والذي كان مسؤولا، ولو جزئيا، عن تلك الكارثة. تشكلت قيادة موحدة من الفصائل السبعة وأنيطت القيادة لشاه مسعود. يومها كان ذاك الكفاح يسمى جهادا يباركه خطباء الجمع، وتحولت باكستان إلى بلد استقبال لكافة المتطوعين من العالمين العربي والإسلامي وصل عددهم إلى 100,000 قدموا ليؤدوا فريضة الجهاد بدعم من خزائن النفط وتسليح من الولايات المتحدة بما في ذلك صواريخ ستنغر (قارنوا هذا الوضع مع من يحاول أن يدعم جهاد الفلسطينيين). بعد عشر سنوات من القتال وجدت الإمبراطورية السوفييتية نفسها عاجزة عن حسم المعركة فقررغورباتشيف لملمة جراحه ولعق كرامته والانسحاب بذل من تلك البلاد حيث تم سحب آخر جندي سوفييتي في 15 شباط (فبراير) عام 1989 لتبدأ بعد ذلك عملية تفككك تلك الأمبراطورية الواسعة والذي استغرق سنة وبضعة أشهر حيث تناثر عقدها مخلفا خمس عشرة دولة مستقلة.
هل يستطيع باتريوس إخراج الولايات المتحدة من ورطتها؟
في التقرير المفصل الذي قدمه ستانلي ماكريستال لمديره ديفيد بيتريوس حول الحرب الأمريكية في أفغانستان ونشرتة جريدة 'الإندنبندت'، يقول فيه إن الخطط التي أقرها بتريوس عام 2009 لم تنجح وأن توسيع رقعة الاشتبكات التي بدأت في شباط (فبراير) الماضي لم تنجح وأن الخطة المعمول بها للست شهور القادمة لن يكتب لها النجاح أيضا. وذهب ماكريستال بتقييماته هذه إلى العلن بل وسخر من قيادة الرئيس أوباما كما جاء في مقابلته مع مجلة 'رولنغ ستون' والتي كلفته منصبه.
والآن يجلس في مقصورة القيادة الجنرال بتريوس نفسه صاحب نظرية 'زيادة عدد القوات في العراق' ويعتبره الأمريكيون، وخاصة الحزب الجمهوري، قائدا عسكريا فذا يرجع إليه الفضل في تهدئة الأمور في العراق. بقى أن يعتمد مجلس الشيوخ هذا التعيين لينتقل بخططه إلى ميدان المعركة في أفغانستان. فما هي الخطوات التي نتوقع أن يتخذها على المدى المنظور؟
- من المتوقع أولا أن يلغي الموعد الذي حدده الرئيس أوباما للانسحاب من أفغانستان وهو تموز (يوليو) 2011 وإبقاء الخيارات مفتوحة، وهذا الإلغاء سيلقى ترحيبا من صقور الحرب من الحزب الجمهوري وعلى رأسهم جون ماكين، مرشح الرئاسة السابق.
- من المؤكد أن باتريوس سيحاول أن يحدد الهدف من الحرب، ويبتعد، كما فعل في العراق، من ترداد مفردات عامة كالانتصار أو هزيمة الأعداء ، وسيضع لنفسه وقواته هدفا متواضعا كالاستقرار وتنمية قدرات الجيش الأفغاني ونقل كثير من المسؤوليات إلى السلطات وقوى الأمن الأفغانية؛
- ليس من المستبعد أن يشجع باتريوس فكرة كرزاي بفتح خطوط للمفاوضات المباشرة مع حركة طالبان. لقد أصبح كرزاي يجاهر بفكرته هذه في كل محفل. وليس مستبعدا أنه يحظى بدعم من الأجنحة المعتدلة في إدارة أوباما. فقد طرد مؤخرا وزيرين مقربين من الإدارة الأمريكية: وزير الداخلية حنيف أطمار ووزير الأمن أمرالله صالح. وفي مؤتمر السلام الوطني الذي عقد في كابل في الخامس من حزيران (يوينو) لمدة ثلاثة أيام وشارك فيه نحو 1600 شخص، شكل اللقاء لجنة من اللويا جرغا للتفاوض مع طالبان، فكان رد طالبان أن نفذت هجوما على مقر المؤتمرنفسه.
- سيحاول باتريوس، كما فعل في العراق، أن يستميل رؤساء القبائل وقد يحاول أن ينقل تجربته مع سنة العراق وتحويلهم من حاضنة دافئة للمقاومة إلى قوات تطارد المقاومين. إن الدور الذي لعبته قوات الصحوات في العراق كان محوريا في تهدئة الأوضاع في العراق وتخفيف حدة العمليات. صحيح أنها لم تقض على المقاومة لكنها بالتأكيد جعلت مهمة المقاومة أصعب وأكثر كلفة وأقل إغراء للشباب الصغار الذين ينتمون إلى منظوماتهم العشائرية. لكن التركيبة القبلية في أفغانستان تختلف عنها في العراق، وإمكانية استمالة رؤساء القبائل لن يكتب لها النجاح في ظل سقوط المئات من المدنيين واقتحام المساجد وانتشار الفساد واعتقاد الغالبية الساحقة من الأفغان أن سقوط حكومة كرزاي بات وشيكا.
ما نشهده الآن هو أن الولايات المتحدة بدأت تغوص في المستنقع الأفغاني كما غاصت الدولتان العظميان من قبلها: بريطانيا والاتحاد السوفييتي، ويبدو أن مصير التدخل الأمريكي في هذا البلد العجيب لن يكون أفضل من مصير سابقيه: اندفاع فتورط فبحث عن مخرج فهزيمة. ومن الواضح أن الولايات المتحدة تمر الآن في المرحلة الثالثة والتي قد تطول وقد تقصر حسب المعطيات على الأرض لكنها لا شك مؤدية إلى المرحلة الرابعة والأخيرة والتي يتلوها إسدال الستار.

' أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك

نقلا عن القدس العربي