مشاهدة النسخة كاملة : القضية لا تبدأ ولا تنتهي برفع الحصار عن غزة


أبو فاطمة
07-04-2010, 02:42 PM
تفعيل الذاكرة بصدد المسار الفلسطيني... القضية لا تبدأ ولا تنتهي برفع الحصار عن غزة


نصر شمالي

يتميّز المجتمع الإنساني بذاكرته الذهنية عن مجتمعات الكائنات الأدنى بذاكرتها الغرائزية. أي أن ذاكرته، مثلاً، لا تقتصر على مجرّد إحساسه المسبق بالخطر الداهم. غير أنّ الصهاينة غير اليهود واليهود نجحوا إلى حدّ كبير في النيل من الذاكرة الإنسانية عموماً والعربية خصوصاً، وفي الحطّ من شأنها والحدّ من فاعليتها في مواجهة الأخطار العظمى، وليس أدلّ على ذلك من محاولات التمرّد الذهني الأخيرة ضدّ الصياغات والتلقينات والممارسات الصهيونية، التي عبّر عنها بصورة جديدة ومثيرة، على سبيل المثال لا الحصر، كلّ من نعوم تشومسكي الأمريكي (اليهودي) وريجيس دوبريه الفرنسي (الكاثوليكي).

يقول ريجيس دوبريه مخاطباً الإسرائيليين، بصراحة متمرّدة منقطعة النظير حتى الأمس القريب، أنّ يدي الرئيس أوباما مكبّلتين منذ العام 1637 (أي منذ حوالي أربعة قرون) بالعقيدة الصهيونية للآباء المؤسّسين للولايات المتحدة، مثله مثل جميع الرؤساء الذين سبقوه. ويقول إنّ أمريكا الشمالية وأوروبا هما كيانان يهوديان مسيحيان: أمريكا الفاقدة للوعي التاريخي والمؤمنة بالعهد القديم، وأوروبا الملحدة، التي تعاني من تأنيب الضمير التاريخي تحت عنوان: "نجمة داود الصفراء"!

"يتابع دوبريه مخاطباً الإسرائيليين: "الأصوليون الإنكليز عبروا الأطلسي، كما عبرتم البحر الأحمر، كي يؤسّسوا القدس الجديدة، وهاهي آلاف المدن الأمريكية تحمل أسماء من العهد القديم، وهاهي جميع الطوائف البروتستانتية الجديدة تعيش دور القبيلة (العبرية) التائهة التي تعيد اكتشاف شرقها، أي القدس القديمة الحقيقية. أنتم (اليهود) النموذج الأصلي، وهم (البروتستانت) نسخة عنكم. تحالفكما معاً تلقائي ومصيري لكما، وهو يسري في دمائكما منذ العام 1637. ألستم أنتم وهم أبناء مستعمرين أوروبيين؟ أمّا الحدود فهي في نظركم مجرّد تحدّيات يجب تخطّيها. إنّ أمريكا ليست سوى "إسرائيل" كبيرة نجحت، وإنّ "إسرائيل" هي أميركا صغيرة لا زالت تعاني، وإنّ للاثنتين نقطة تجمعهما هي: لا أحد يستطيع محاسبتهما، سوى الربّ".

غير أنّ دوبريه، بعد استعراضه لجرائم الإسرائيليين الشنيعة، يحذّرهم قائلاً: "إذا كان التحامكم بالغرب يضمن لكم حصانة ما، فإنّ الفجوة بينكم وبين الشرق تضمن لكم عدم الأمان. إنّ علاقتكم بالغرب ليست من المسلّمات. وأشكّ أنّ الصين والبرازيل وروسيا والهند، التي سينافس إنتاجها إنتاج الولايات المتحدة وأوروبا في العام 2030، سوف تبقى تدعمكم، ومن دون شكّ فإنّ سندكم سيبقى قوياً، من اليهود خارج "إسرائيل" ومن الولايات المتحدة، غير أنّ سندكم الحقيقي أمامكم. إنّه جيرانكم. ولكن كلّما توجّهت "إسرائيل" إلى الغرب كلّما أدار لها العالم الإسلامي ظهره. أمّا حلفاؤكم في المنطقة، أولئك الذين أبرمتم معهم اتفاقيات سلام متحفظة، مثل الأردن ومصر، فسوف يصعب عليهم أكثر فأكثر إخفاء عدائية مجتمعاتهم المتزايدة تجاهكم. فلنصلّي كي تبقى الديمقراطية معطلة في هذه الدول، لأنّها إن وجدت سوف تجعل حياتكم صعبة، وهاهي تركيا، حليفتكم الوحيدة عسكرياً وسياسياً في المنطقة، تبتعد عنكم بخطى سريعة لأنّ مجتمعها له تأثيره، ولأنّ الانتخابات فيها غير مدبّرة أو ملفّقة مسبقاً". (دأنظر صحيفة "السفير" البيروتية 26/6/2010).

وهكذا فإنّ الذاكرة الأممية بصدد الحقائق الفلسطينية تبدو اليوم كأنّما هي أصبحت متأهبة للتمرّد ضدّ العطالة والتشويه والتلقين والإملاء الصهيوني، فماذا عن الذاكرة العربية، وبخاصة على الصعيد الرسمي؟ سوف نأخذ لا على التعيين نقطة ارتكاز تاريخية، ولتكن عام 1989، حيث الانتفاضة الفلسطينية في ذروتها، ولندخل قاعة اجتماعات منظمة "إيباك"، في 22/5/1989، لنستمع إلى وزير الخارجية جيمس بيكر وهو يعرض على الصهاينة سياسته الفلسطينية/العربية. لقد كان متعمّداً أن يكون لقاء بيكر والصهاينة اليهود في ذلك التاريخ بالضبط، حيث في اليوم التالي سوف ينعقد مؤتمر القمة الـــعربي في الدار البيضاء، وهو المؤتمر غير العادي كما وصفوه، والذي يحتاج، كالعادة، إلى الإملاء والتلقين والتوجيه الأمريكي.

قال جيمس بيكر: "حان الوقت كي تضع إسرائيل جانباً، الآن وإلى الأبد، تصورها غير الواقعي عن "إسرائيل كبرى".. إنّ الولايات المتحدة لا تؤيد ضم الضفة الغربية وقطاع غزة ولا سيطرة إسرائيل الدائمة عليهما". لقد اكتفت وسائل الإعلام الأمريكية بنقل هذا الجزء، وأغفلت تتمته متعمدة، لصالح مؤتمر القمة العربي، والتتمة هي قول بيكر: "كما أننا لا نؤيد قيام دولة فلسطينية مستقلة"!

"كان الأمريكيون قد بدأوا حضورهم العسكري الكثيف في المنطقة العربية تمهيداً لإقامة "الشرق الأوسط الجديد"، وتمهيداً لاحتلال العراق بالطبع، أي أنّ "إسرائيل الكبرى" أصبحت من مهماتهم بدلاً عن الإسرائيليين. لكنّ بيكر أكّد في ذلك الخطاب على الثوابت الإســـــرائيلية لواشنطـــن فقال: "إنّ دعم الحزبين في الولايات المتحدة لإسرائيل إنجاز ضخم ثابت، ليس للجنة إيـــباك وحدها، ولا لمؤيدي إسرائيل وحدهم، إنما أيضاً وفي المقام الأول للمصلحة القومية الأمريكية.. إنّ دعم إسرائيل هو أساس نهجنا في معالجة مشاكل الشرق الأوسط العويصة جداً، بينما نحن نقترب مما أعتقد أنه مرحلة بالغة الأهمية في الشرق الأوسط".

كانت واشنطن تتأهب لعمليات عظمى تجعل الوطن العربي كلّه مجرّد ولاية أمريكية، لكنها ولاية عليها جميع الواجبات من دون أن تكون لها أية حقوق. أمّا عن موقع الإسرائيليين في هذه الولاية فقد قال بيكر: "إنّ الإسرائيليين من الرواد في العالم في مجال الاتصالات والإلكترونيات وتكنولوجيا الطيران، وهم فهموا منذ وقت طويل أنّ أهمّ مواردهم تكمن في مهارتهم وذكائهم، وهذا هو الإطار الأوسع الذي يجب علينا وعلى إسرائيل النظر من خلاله إلى عملية السلام".

لقد كان بيكر يحثّ الإسرائيليين على التعاون من أجل طيّ صفحة فلسطين، وإقامة "إسرائيل الكبرى" بطريقة أخرى غير طريقتهم، أمّا "مشاكل الشرق الأوسط العويصة"، التي قال أنه ينبغي تذليلها، فهي المقاومة المستمرة التي كانت حينئذ تتجلّى في الانتفاضة، وهي (المشاكل) عجز النظام العربي عن ضبط مجتمعاته في المستوى المطلوب، أي تحويلها إلى قطعان، أما السلام المنشود، كما يفهمونه، فهو أن يتحقق ذلك كلّه.

"انطلاقاً من خطاب بيكر (عام 1989) يمكننا قياس مقدار ما حققوه من تقدّم وما أخفقوا في تحقيقه، وأيضاً قياس مـــــقدار ما حققه العرب وما أخفقوا في تحقيقه. فإذا كان الذي يشـــغل الأمة العربية اليوم هو مجرّد رفع الحصار عن غزّة فهذا يعني نجاح أعدائها في تعطــــيل ذاكــــرتها الذهنية وفي جعلها تقتصر على ذاكرتها الغـــرائزية، لكنّ الحال ليس كذلك بالتأكيد. إنّ تفعيل الذاكرة العربية يتحقّق اليوم بسرعة كبيرة حقاً.

كاتب سوري

نقلا عن المركز الفلسطيني