مشاهدة النسخة كاملة : مقاومة سلمية أم مسالمة قومية


أبو فاطمة
07-04-2010, 02:38 PM
مقاومة سلمية أم مسالمة قومية


عبد المجيد زيدان



رفعوا البندقية يوما وقالوا هذا نهجنا، وصاغوه شعارا فقالوا نحن الرصاصة الاولى، قبلناهم وسعدنا بهم، رفعوا الى جانب بندقيتهم غصن زيتون كشعار ايضا، اخذناها بحسن ظن وقلنا اساليب يحاربون بها وينتزعون لنا الحق من مغتصبيه، القوا البندقية ورفعوا مكانها غصن زيتون آخر، نبذه فريق منهم ولكنه سرعان ما اخرس كما تخرس الشاة على باب المسلخ، فبتنا نرى بعض مسلحيهم يقتلون على بوابات الاجهزة الامنية في نابلس برصاص القوات الخاصة الاسرائيلية، وفي هذا لدينا جعبة مليئة بفتاتهم المبعثر.

ولكن ما يثير الغثيان هذه الايام هو ان نهجهم هذا بات نهجا تسير عليه شخوص وشخوص، فنراهم يروجون للمقاومة السلمية وينبذون ـ كما يسمونه ـ العنف والارهاب او ما نسمية نحن مقامة، ترى هل هما سيّان؟

تندفع حركة المقاومة الفلسطينية هذه في الفترة الاخيرة الى مفترق طرق يقسمها الى اسلوبين ان جاز ان نسميها اساليب اصلا، فاسلوب في غزة يبدع فن المقاومة المسلحة ويرتقي مع كل ضربة توجه الى صدره، يرد الضربة بالضربة والإهانة بالإهانة، ويثبت يوما بعد يوم انه المشروع الانجح، بعكس اشاعات رام الله التي تبثها كالسم ـ في الشارع العربي بشكل عام وفي الشارع الفلسطيني بشكل خاص ـ والتي تقول: بان المقاومة هي من يجلب "الويلات" الى الشعب الفلسطيني ـ وكأننا بلا ويلات ـ، متناسين خيانتهم التي لا تقودنا الى ويلات، بل تعمل على طمسنا وهويتنا الفلسطينية التي صغناها على مدار ستين سنة من النضال دفعنا فاتورتها آلاف من الشهداء، هذا مشروع، ومشروع "مقاومة" في الضفة المحتلة ينهج نهجا لم يعرفه الشعب الفلسطيني يوما من ايام ثورته المقدسة، لم يعرف خباياه وآثاره، فضلا عن انه لا يعرف كيف يخوض غماره او يقنع به نفسه، فقد اصبحت سلطة اوسلو اليوم تدفع بدفة المقاومة والمواجهة مع الاحتلال الى الاساليب السلمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وكانهم بهذه يطبقون جزئية من جزئيات اتفاقات اسلو العبثية، فكما نعلم ان اتفاقية اوسلو المذلة حرمت على الشعب الفلسطيني استخدام "العنف" واوجبت "محاربة الارهاب" والذي يفسر على انه المقاومة بالاسلوب الاخر "المقاومة المسلحة" المقاومة الفلسطينية التي عرفناها ونشأنا منذ صغرنا على مفاهيمها وتصوراتها، وحلم الفلسطيني بها حين تحقق له انجازات على ارض الواقع بعزة وشرف، لا مقاومة نقف فيها مع بعض المتضامنين الاجانب، نرفع الرايات ونعلي الشعارات ونهتف "لا للاحتلال" "لا للجدار" "لا للحرمان" اي مقاومة هذه التي باتت تنادي بها حركة فتح جنبا الى جنب مع سلطة اوسلو، اي مقاومة هذه، اما تضامن الفلسطيني مع اخيه فبات باسلوب ارقى من ذاك الذي نهجناه بالامس، فبتنا نقطع التيار الكهربائي لمدة كذا وكذا في اليوم الفلاني دعما لصمود اخواننا في غزة وقت الحرب، ترى هل يمكن ان نقول ان ما وصل الى اهل غزة اليوم هو ثمار حصدناها يوم ان قطعنا التيار الكهربائي يومها، بات الصغير في حجر امه يجيب عن هذا السؤال وشاكلته هذه الايام.

ما عادت القضية قضية مقاومة باسلوبين، اصبحنا امام اقناع شعب كامل في الضفة الغربية بوجوب وقف بل وأد اي ذكر للانتفاضة، حتى اذا مات ذكرها من مخيلة الشعب الفلسطيني وتراثه، استطاعوا العبث بهذا الشعب دون مانع او مقاوم لهم، وحينها ينفذون آراءهم وتنسيقهم الامني ومشروعهم لبناء مؤسسات بتمويل امريكي دون اي رادع، وعندما يسهل عليهم ما اسلفنا، يصبح الشعب "المغلوب على امره" اداة تتطوى وعجينة لينة في ايديهم، فبهذا يرسمون لهذا الشعب نهجا كاملا شعاره: ان يا شعب فلسطين كن مسالما.

ثم لنتطرق الى "موسوعة جينيس" الجديدة، فمرة باكبر شطيرة، واخرى بأكبر "سدر كنافة"، نحن لا نعيب هذا ان جرى في دبي مثلا، وحضره كل زعاماتهم، ولكننا نمتعض حين يكون بين براثن الضبع في الضفة الغربية، نمتعض حين يكون تحت نير الاحتلال الذي يكوي اكباد آلاف الفلسطينيين في الضفة المحتلة وغزة الشامخة، فالاولى ان يدخل الفلسطيني موسوعة جينيس هذه ببطوللاته واساطير فدائه، هذه المضامير كلها ايضا لا نعدها الا خطوات ضمن مشروعهم، كل تلك السخافات التي يشغلون بها الشعب الفلسطيني.

وهنا نلمس شيئا من الخطوات الممنهجة، فلم تعد القضية تدور حول تجربة استخدام المقاومة "السلمية"، ولكن الامر اخطر واعمق من هذه القشور، فهم اليوم يحولون النهج، ويسوقون افراده الى مبتغاهم، فالقضية ليست قضية "اسلوب جديد" من اساليب المقاومة، بل هي نهج يقوم على شطب الهوية "المسلحة" للشعب الفلسطيني، واستبدالها ببضع هتافات فارغة، وعدد من المتضامنين في نعلين مثلا، وقد ينجح مشروعهم على ارض الواقع ـ ظاهريا ـ، فقد تنجحه اسرائيل لتروج فكرة ان هذه المقاومة وهذا الاسلوب هو الانجع لاسترداد الحق المغتصب، فنصرف انظار "الطيبين" عن الاصل، وهو سلاحه الذي شكل شرفا له طوال السنين الماضية، والذي حصد له انجازات على ارض الواقع في غزة، والمقاومة المسلحة لم تكن يوما بلا انجازات، بل هي الوحيدة التي افرزت للعرب ما ارادوا، او على الاقل جزءا مما ارادوا حتى الان، فجنوب لبنان يشكل نموذجا اخر من نماذج المقاومة، والتي انجزت الكثير.

ولا ننسى اننا نتعامل مع العقليه الصهيونية الفكر التوراتية الاصول، وها يكفينا كدافع لاستخدام اشد الوسائل لردع العدوان، فالعقل الصهيوني لا يردع بالمقاومة بسهولة، فيكف لنا ان نردعه "سلميا"، اصحاب هذا النهج يعرفهم الكل، فتجارتهم خاسرة، واهدافهم واضحة، والتي تتمثل في مجملها باقامة الدولة على الارض التي تفرزها لهم مفاوضاتهم العبيثة.

ولكن هيهات هيهات، فما هم سوى طفرة ستنقضي ذروتها وتقضي عليهم، فما هم غير لقمة مرة سيلفظها الشعب الفلسطيني يوما، فليس نهجهم هو نهج الفلسطيني ولا ديدنه.
وسيبقى صاحب الانجازات والمواقف، صامدا مصمما لا تهزه المحن، ولا تلوذ به الايام جانبا.

نقلا عن المركز الفلسطيني