مشاهدة النسخة كاملة : محمود ومحمد: كفاح ضد "التابوهات التقليدية" عمره ثلاثة عقود


ام عمار
07-04-2010, 07:52 AM
محمود ومحمد: كفاح ضد "التابوهات التقليدية" عمره ثلاثة عقود


محمد ولد السالك ومحمود ولد السالم "وضع الرفيقان -كما قالا- هدفا كبيرا لنشاطهما السياسي يتمثل في القضاء على التابوهات التقليدية" (الأخبار)

"ولدنا معا في هذه المنطقة ودرسنا معا حتى أكملنا المرحلة الجامعية، ثم قررنا معا دخول مدرسة المعلمين لنتخرج معا، ثم نعمل معا، ولو لم توحدنا القرابة والمسار المشترك لوحدنا الهدف، وهو إخراج المسار السياسي الوطني أو المناطقي على الأقل من قبضة التابوهات الاجتماعية المسيطرة، ومن منطق التقاسم القبائلي الحاكم للفكر السياسي في المنطقة".

ليس هذا حديث رئيس حزب سياسي، ولا وزير متقاعد عاصر مختلف الأنظمة ولا سفير يحكي عصارة تجاربه وأسفاره، وإنما عصارة تجربة "موريتاني بامتياز"، معلم ابتدائية ومستشار بلدي في بلدية تامشكط، محمد ولد السالك حاول تلخيص مسيرته الحياتية المشتركة بينه وابن خالته محمود ولم سالم، مسيرة كان الحاضر الأبرز فيها هو الوقوف في وجه ما أسماه "التابوهات الاجتماعية المسيطرة"، والتقسيم القبلي للمناصب الانتخابية، والذي ظل مسيطرا في كل المناطق الداخلية تقريبا، فشيخ المقاطعة لقبيلة كذا والنائب لقبيلة كذا والعمدة لقبيلة كذا، "لقد رفضنا هذا الواقع المفروض على الناخبين، وأردنا إسقاطه منذ فترة طويلة، كما أصررنا على الحضور الفاعل في كل الاستحقاقات الانتخابية، وكنا نحصل على مستشارين في كل انتخابات بلدية".

بدايات تعود لعصر الكادحين
محمد ولد السالك مدير مدرسة بولاية لعصابة، ومستشار بلدي في بلدية تامشكط المركزية (الأخبار)

بدأت الحياة السياسية للرفيقين – كما يقول محمد ولد السالك – منذ بداية السبعينات وبالتحديد أثناء وجودنا في الابتدائية، حيث تأثرنا حينها بالحركة الوطنية الديمقراطية، وكان كبار التلاميذ ينتمون إليها، وتظهر علامات ذلك عليهم، من خلال تطويل شعر رؤوسهم وحديثهم المستفيض بمصطلحات لم تكن معروفة حينها.

ويتذكر ولد السالك سجن الرفيقين محمد المصطفى ولد بدر الدين ولا دجي اتراوري حين قرر نظام المختار ولد داداه سجنهما بمدينة تامشكط موطن الرفيقين محمود ومحمد، ويتذكر محمد الطرق التي كانت رسائل الرفيقين تهرب بها لتنشر بعد ذلك في "صيحة المظلوم".

ويضيف ولد السالك نجح "الرفاق" في تجنيد مدير مدرسة تامشكط المركزية، وكان يسمى الكيحل ولد محمد العبد وقد أصبح بعد ذلك مديرا لمدرسة تكوين المعلمين في نواكشوط، لقد اختبروه من خلال طلب كتبوا به إليه يريدون توصيفا دقيقا للخارطة السياسية لمدينة تامشكط، كانت الرسالة بمثابة اختبار لمدى تجاوبه، وسرعان ما نجح "المدير في الاختبار" فأصبح الحلقة الثانية بعد طباخ حاكم المقاطعة في إيصال الرسائل من وإلى السجينين بدر الدين ولادجي اتراوري.

كانت سنوات الابتدائية حافلة بالتعاطف والعطاء دون انتماء (ربما لصغرهما حينها)، لكن الرفيقين انضما معا بقوة إلى الحركة الديمقراطية الوطنية في ثانوية العيون، والتي يصفاها "بالحركة النشطة والوارثة لحركة الكادحين"، كنا نجتمع بشكل سري لتقرير الأعمال التي علينا القيام بها، ولنقاش المشاكل التي تعترض عملنا، أذكر أننا كنا نردد نشيدا كل ما مر بنا السجناء ومعهم العسكر في جولة ممارسة الرياضة، كنا ننشد بشكل جماعي "مد الأيدين للكادحين، مدو الأيدين للكادحين".

كانت البداية الحقيقية لانخراطهما النشط في الحركة الديمقراطية الوطنية –كما قالا- في العام الدراسي 1978/1979 بثانوية لعيون عاصمة ولاية الحوض الغربي، كانت الحركات السياسية آنذاك يقول محمد في أوج عطائها، وكان نشاطها مركزا وسريا في الوقت نفسه.

وفرقت السياسة الرفيقين

محمود ولد سالم مدير مدرسة تاشكط المركزية "تخرج منها تلميذا في العام الدراسي 1977/1978 قبل أن يعود إليها مديرا (الأخبار)

كانت مسيرة الرفيقين موحدة علميا وعمليا وسياسيا، فقد انتهى بهما المسار العلمي إلى إنهاء التعليم الجامعي ودخول مدرسة تكوين المعلمين، وانتهى بهما المسار العملي إلى وصول محمود ولد سالم إلى إدارة أول مدرسة دخلاها؛ المدرسة المركزية في مدينة تامشكط، أما محمد فقد انتهى به إلى إدارة مدرسة ابتدائية في ولاية لعصابة.

أما المسار السياسي فقد حددا هدفهما في إسقاط "التابوهات التقليدية" والتقسيم القبلي للمناصب الانتخابية، كما أصرا على الحضور السياسي في كل موسم انتخابي، وهو ما ضمن لهما الحصول على مستشارين بلديين في كل استحقاق انتخابي منذ إعلان الديمقراطية، باستثناء الانتخابات التشريعية في العام 1992 والتي قاطعها الرفيقان تنفيذا لقرار حزبي، وانسجاما مع قرار المعارضة الموريتانية آنذاك بالمقاطعة.

جمعهما اتحاد القوى الديمقراطية أولا، ثم اتحاد القوى الديمقراطية "عهد جديد"، ثم اتحاد قوى التقدم، وذلك لأكثر من ثلاثة عقود من العمل السياسي المشترك والنضال لتحقيق أهداف موحدة.

بعيد انقلاب السادس أغسطس 2008 اختلف توصيف الحالة السياسية بالنسبة للرفيقين، فقد رأى محمود ولد سالم أن النظام الجديد "موريتانيا الجديدة" جاء بآليات جديدة، وأنه يمكن أن يشكل بادرة للخروج على "التابوهات التقليدية"، لكن محمد ولد السالك لم يكن يرى فيه "أكثر من طبعة جديدة للأنظمة المتعاقبة".

بعد أشهر من نشاط ولد السالم ضمن الحزب الحاكم، وبعد أن "أبلى بلاء حسنا في الانتساب لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية – كما يقول- ونجح في جمع الكثير من المنتسبين، كما أقام تحالفات تضمن له الفوز برئيس القسم الفرعي في مدينة تامشكط، أو هكذا تصور".

"فوجئت –يقول ولد سالم- بعدد من القادمين من خارج المدينة أستطيع أن أؤكد لك أن أغلبهم - إن لم يكن كلهم- لا يملك منزلا في المدينة، جاؤوا من العاصمة ووزعوا المناصب الحزبية كما كانت توزع في الأنظمة السابقة، حينها أيقنت –يقول ولد سالم- أن لا جديد في النظام الجديد، بعد الظلم الذي تعرضت له والذي شهد به الجميع".

آلية جمع الشمل
بعد ما تعرض له محمود ولد سالم قرر رفيقه محمد ولد السالك الاتصال به لتنسيق موقف موحد، بعد الاجتماع والمناقشة، قال محمد لمحمود "أنت عملت ضمن الحزب الحاكم لفترة، وأنا كنت ضمن حزب اتحاد قوى التقدم، علينا اليوم العودة لعمل موحد، ومسيرة مشتركة".

بعد نقاش بين الطرفين قال محمد ولد السالك لرفيقه لقد وجدت الحل، علينا أن ينسحب كل منا من حزبه، ثم نضع الأحزاب السياسية على الطاولة ببرامجها وأعمالها على الأرض، ثم نتفق على حزب واحد ننضم إليها.

وبعد دراسة لمختلف الأحزاب يقول ولد السالك قررنا الانضمام لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" عملا بقاعدة اتفقنا عليها تقول: (لا للمعارضة الراديكالية العمياء، ولا للانبطاح للحزب الحاكم)، وبعد قواعد عديدة انطلقنا منها في بحثنا قررنا الانضمام لحزب تواصل لأربعة أسباب رئيسية:

أولها: أنه حزب واعد حيث تأسس في العام 2007 ومع ذلك استطاع تحقيق هذا الحضور الوطني والامتداد في الداخل.

ثانيها: أنه حزب وسطي في موقفه السياسي، يثني على الإيجابيات من أي كانت، وينتقد السلبيات من أين جاءت، كما أنه وسطي في فهمه للشريعة الإسلامية ومقاصدها.

ثالثها: أنه ليس حزبا موسميا يظهر في المواسم الانتخابية ويختفي بعدها كشأن أغلب الأحزاب، وإنما هو حزب مؤسسي يحضر مع المواطنين ومع الشعب في كل الأوقات ويقف معهم.

رابعها: حضوره في منطقتنا المحلية (مقاطعة تامشكط) فنحن وجدنا صعوبة في فهم قيادات الأحزاب لتناقضاتنا المحلية مع مطالبنا، وكان لا بد أن نبحث عن حزب له اهتمام بالداخل وحضور في منطقتنا حتى نشكل وحدة قوية لتحقيق أهدافنا السياسية، ولتتكاتف جهودنا مع كل المصلحين، ولحزب تواصل حضور في ثلاث بلديات من أصل خمس بلديات هي الموجودة في المقاطعة، ونحن هنا نمثل البلدية الرابعة المركزية، ولم نتخذ هذا القرار، ونسافر لأكثر من ثمانمائة كلم إلا بعد التشاور مع القاعدة الشعبية التي نمثل، وقد شجعها على الانضمام ما رأته من وقوف حزب تواصل مع المظلومين والمسحوقين.

يرفض الرفيقان الجمود في السياسة وتكلس القناعات، ويعتبران أن الموقف السياسي يدور مع الزمان والمكان، ولا بد له من مرونة مع قوة المبادئ، فالمواقف منها ما هو تكتيكي ينبغي أن يخضع للتقويم والمراجعة (كالموقف من هذا النظام أو ذاك)، ومنها ما هو مبدئي واستراتيجي لا مساومة فيه.

تعرض الرفيقان لمضايقات من الأنظمة المتعاقبة، خصوصا في مسارهما العملي حيث حولا تعسفيا أكثر من مرة وأبعدا عن منطقة تأثيرهما للحد من عملهما ومن نشاطهما، لكن قناعاتهما ظلت أقوى من كل التحديات.


مشاكل المدينة
الرفيقان تحدثا للأخبار عن مشاكل المقاطعة، مؤكدين أو أوليتها في فك العزلة عنها، حيث تبعد 92 كلم عن الطريق الرئيسي، ومع أنها يقول ولد سالم نشأت منذ العام 1927م فهي ما زالت تعاني من عزلة تامة، وصعوبة شديدة في الطريق، والسبب في ذلك أن أطرها ومثقفيها لا يبحثون إلا عن مصالحهم الشخصية.

وهذا يقول ولد سالم ما دفعنا لأخذ خط سياسي مغاير لما يتخذه هؤلاء، من أجل تغيير وجه المدينة، مع أنه لم تخل حكومة وطنية من أحد أطر المدينة، ومع ذلك لم تستفد المدينة من وجودهم شيا، ولا أدل على عدم اعتبارهم للمدينة من أن مسجدها العتيق لم يستفد من أي صيانة –مع حاجته إليها منذ فترة قبل الآن، وقد أنجزت بمبادرة من أطر من حزب تواصل.

كما تعاني المدينة –يضيف الرفيقان- من ضعف شديد في البنية التحتية التعليمية، فمع وجود عدد من المدارس فيها إلا بنيتها التحتية متهالكة، كما أن الخدمات الصحية ضعيفة جدا في عموم المقاطعة، وتحتاج لزيادة ورفع لمستواها.

ولأن المدينة توجد في منطقة أفل حيث تمتاز بندرة المياه الصالحة للشرب، وضعف السدود وغياب الصيانة فيها وعجز المزارعين في ظل قلة السياج المتوفر لهم، ومنع الدولة لاستخدام الأشجار كوسيلة لحماية المزارع، وبذلك تكون المزارع عرضة للحيوانات السائبة.

الرفيقان ختما حديثهما –الشامل – للأخبار بالقول "أردنا أن نسمع صوتنا وصوت سكان المنطقة، وأن نتجاوز الأطر التقليدية والتقسيمات القبلية، التي وقفت عقبة كأداء أمام تقدم الدولة الموريتانية طيلة العقود الخمسة الماضية، والتي يتم من خلالها فرض أجندة على السكان المحليين تم إعدادها في منازل فخمة بعيدا عن معاناة سكان أفل، وواقعهم الصعب، وظروفهم المزرية".

نقلا عن الأخبار