مشاهدة النسخة كاملة : موت ظاهرة المهرجان


أبو فاطمة
07-04-2010, 03:11 AM
موت ظاهرة المهرجان

يوسف أبو لوز

المهرجانات الفنية والثقافية تموت هي الأخرى مثلها مثل الظواهر التي تزدهر وتتفتح في سنوات معيّنة، ثم لا تلبث أن تتلاشى وتخبو حتى تصبح طيّ النسيان .

في أوائل الثمانينات كان مهرجان المربد في بغداد تظاهرة عربية كبرى يلتئم في رحابها شعراء من كل الأقطار العربية ومن مختلف التيارات والمذاهب الفنية والإبداعية والسياسية .

ولم يكن المربد مجرد مهرجان شعر وحسب، بل، كان مناسبة لتبادل الآراء والأفكار حول قضايا سياسية وفكرية وثقافية تشغل الشارع العربي بكافة مستوياته ونخبه بدءاً من شريحة المثقفين وحتى الجامعيين والنقابيين، أي إن المهرجان كان أشبه بالمنتدى السنوي الدوري الذي يعكس وحدة ثقافية عربية في مقابل التشظيات والتباعدات السياسية من حين إلى آخر في الوطن العربي .

ولكن “المربد” الذي كان عيداً للشعراء العرب في بغداد التي كانت “بغداد” أخذ ينطفئ شيئاً شيئاً خصوصاً مع الحصار إلى أن فقد بريقه وجاذبيته مع الاحتلال أو بعد الاحتلال التحالفي للعراق، وهنا، خسر المثقفون العرب واحدة من أجمل تظاهراتهم الوحدوية والتي كانت خلالها تنعقد صداقات عميقة بين عدد من الشعراء العرب كانوا معاً ضد أي انقسام سياسي وضد تدخل السياسة في الثقافة ومع استقلالية الإبداع والفنون وعدم تبعيتها للأنظمة، وبكلمة أخرى، كان ل”المربد” دور غير منظور، ولكنه فعّال، وهو الدور الوحدوي الثقافي الذي يمثّله شعراء الوطن العربي من شرقه وإلى غربه، وبالطبع، قد انتهى تماماً هذا الدور، لأن بغداد التي يعرفها الشعراء العرب قبل عقدين من الزمن أصبحت ذاكرة جميلة في كيان الشعر، وستعود هذه الذاكرة إلى السطوع يوماً ما، ولكن بعد زوال الاحتلال .

مهرجان جرش في الأردن هو الآخر كان يجمع الشعراء والكتّاب والإعلاميين والنقّاد العرب في لياليه الصيفية المقمرة، وكان الشعر، هو الأكثر توهجاً في مدينة جرش التاريخية الأثرية بأصوات فرسانه العرب الذين قدموا من القاهرة وبغداد وبيروت والرباط وتونس، وغيرها من عواصم عربية تصبح مدينة واحدة في جرش .

ولكن انطفأ مهرجان جرش هو الآخر، وذابت صورته الثقافية الوحدوية، وتفرّق شعراؤه أو غابوا عن أعمدة جرش وما عادوا يحتفظون بشيء آخر من هذه المدينة إلا تلك الذكريات الصغيرة .

لا يتراجع الفن العربي فقط، بل ظاهرة المهرجان بوصفها ظاهرة ثقافية سياسية فكرية وحدوية تتراجع هي الأخرى، ولا عجب في ذلك، فنحن نعيش في زمن الانكسارات والأحلام الموءودة .
نقلا عن دار الخليج