مشاهدة النسخة كاملة : تركيا والشرق الأوسط: سياسة أكثر حذراً


أبو فاطمة
07-04-2010, 03:06 AM
تركيا والشرق الأوسط: سياسة أكثر حذراً

محمد نور الدين

عكس لقاء وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو مع وزير الصناعة “الإسرائيلي” بنيامين بن اليعازر جانباً من التروي والصبر التركي الذي ظهر بعد الاعتداء “الإسرائيلي” على أسطول الحرية .

فالاعتداء الذي استهدف الدور التركي في المنطقة والعالم ما كان ليحدث لولا موافقة، بل تخطيط الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى، بما فيها روسيا والصين التي عبرت عن انزعاجها من تعاظم الدور التركي العالمي، ولا سيما بعد إنجاز الاتفاق النووي مع طهران بالشراكة مع البرازيل . ولقد أدركت تركيا ضمناً حجم الهجوم المضاد الذي تعرضت له ولم ينته بعد .

ورغم الدم التركي المراق للمرة الأولى على يد الجنود “الإسرائيليين” امتنعت الحكومة التركية عن اتخاذ خطوات فورية مؤثرة ضد “إسرائيل”، واكتفت بسحب السفير التركي من تل أبيب، حيث كانت حكومات علمانية متشددة وعسكرية اتخذت خطوات أكثر جذرية عامي 1956 و1980 ضد “إسرائيل”، وفي قضايا أقل بكثير مما حصل الآن ولم تسفك فيها نقطة دم تركية واحدة على يد “الإسرائيليين” .

لقد وضعت أنقرة شروطاً على “إسرائيل” لمعاودة العلاقات الطبيعية معها تعتبر “تحصيل حاصل” . فتلبية “إسرائيل” لشروط الاعتذار والتعويض وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بالحادثة لا يفضي إلا لإعادة الوضع إلى مربعه الأول قبل الاعتداء . وإذا اكتُفي بذلك فهذا يعني أنه لم يحصل اعتداء ولم يُرَق دم تركي ولم تصل الأمور إلى درجة معاقبة “إسرائيل” على عدوانها السافر غير المسبوق على تركيا . وبالطبع تزداد مسؤولية “إسرائيل” وضرورة مضاعفة العقوبة عليها إذا ذكّرنا أنها تعتدي على بلد كان حليفاً لها على امتداد ستين عاماً، وكان مساهماً في تثبيت وجودها الاستعماري في المنطقة . ومع ذلك لم تتردد في إراقة دم تسعة من مواطني هذا البلد الذي اسمه تركيا .

هذه ليست دعوة إلى إعلان تركيا الحرب على “إسرائيل”، بل دعوة لننظر إلى الموقف التركي بعقلانية وموضوعية، وعدم المبالغة في الرهان على أن التغيير في المنطقة يعتمد فقط على تركيا .

فتركيا بعد الاعتداء على أسطول الحرية بدت حذرة جداً في طريقة التعاطي مع “إسرائيل”، وأكثر منها الولايات المتحدة الأمريكية .

وفي تتبع لمجمل التطورات التي تلت الاعتداء على أسطول الحرية بان واضحاً “دولية” الهجوم المضاد على تركيا .

وحزب العدالة والتنمية تحديداً رغم أنه جاء بإرادة شعبية كاسحة مرتين إلى السلطة، لكن الجميع يعرف جيداً أن الاستمرار في السلطة أو توفير عوامل النجاح له لم يكن ممكناً من دون مساعدة الاتحاد الأوروبي مثلاً الذي شجّع على الإصلاح في الداخل، وكان سبباً في مزيد من تمكين سلطة الحزب الداخلية في مواجهة خصومه من العلمانيين والعسكر .

كذلك الأمر يسري على علاقة تركيا بالولايات المتحدة وتشجيع النموذج الذي يجمع بين الإسلام والعلمانية، ليس حباً بالإسلام ولا بالعلمانية، بل لنزع الشبهات عن عداء واشنطن للإسلام ودعمها المطلق للكيان “الإسرائيلي” .

وفي غياب أي مشروع تركي للاقتداء بالنموذج الإيراني لجهة اتخاذ موقف راديكالي ضد الغرب و”إسرائيل” فإن تركيا بكل الجيوبوليتيك المعقد الذي تقع فيه، وفي ظل تعددية الخريطة الداخلية وفي ظل التوترات المزمنة والمستجدة في ما يتصل بحزب العمال الكردستاني، لا تستطيع الابتعاد عن المحور الغربي بدرجات يرى الغرب فيها خطراً على مصالحه .

وربما أدركت تركيا أيضاً أنها بدت شبه وحيدة في الصراع الحالي مع “إسرائيل” والغرب، خصوصاً أن غالبية النظام العربي لم يكن متحمساً لطريقة الأتراك في الدفاع عن غزة، لأنها ببساطة تحرجهم وتكشفهم، وهو ما دفع لبنان مثلاً للامتناع عن التصويت على قرار فرض العقوبات على إيران في مجلس الأمن، خصوصاً أن الوزراء الذين صوّتوا داخل مجلس الوزراء اللبناني على موقف الامتناع عن التصويت محسوبون بالكامل على دول “الاعتدال العربي”، في وقت كانت فيه تركيا تصوت ضد العقوبات وتعتبرها عقوبات أيضاً عليها بسبب إنجازها اتفاق طهران النووي .

لم يَرُق للغرب ولا ل “إسرائيل” ولا للقوى الكبرى ولا لمعظم العرب تنامي الدور التركي باتجاهاته السياسية المعروفة . لكن تركيا لم تتوقع لحظة أن تكون رسالة هؤلاء إليها مغمسة بالدم .

لقاء أحمد داود أوغلو وبنيامين بن اليعازر في بروكسل يوم الأربعاء الماضي عنوان لمرحلة جديدة من المقاربة التركية لقضايا الشرق الأوسط، قد لا تتغير فيها العناوين الأساسية التقليدية للسياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، لكنها ستكون بالتأكيد أكثر حذراً ورويّة في كل خطوة مستقبلية .
نقلا عن دار الخليج