مشاهدة النسخة كاملة : قمة عربية مصغّرة لأهداف مكبّرة


أبو فاطمة
07-04-2010, 03:02 AM
قمة عربية مصغّرة لأهداف مكبّرة

خليل حسين

التدقيق في بيان قمة طرابلس الغرب العربية المصغرة تعيد للأذهان النقاشات التي دارت بين الدول العربية السبع المؤسسة للجامعة العربية في قمة أنشاص قبل خمسة وستين عاماً، حين اختلف العرب آنذاك على جنس ملائكة الوحدة العربية ونوعيتها، وخلصوا إلى أهون الشرور وهو التعاون بين دول تطمح شعوبها إلى الوحدة، فيما من يقرر غائب عن سمع شعارات الوحدة ونبضها المدوي في كل مكان عربي .

ربما ظروف الدول العربية آنذاك تبرر بعض المواقف، لكن اليوم بالتأكيد ليس من مبرر مقنع لرفض صِيغ نحن بأمسّ الحاجة إليها . واذا كانت مقررات قمة سرت العربية قد أدت قسطها للعلا بإنشاء اللجنة الخماسية لتطوير العمل العربي المشترك، فإن المهم في ذلك المتابعة لإيجاد البدائل الممكنة وعدم الاكتفاء بعرض وجهات النظر التي تمَّ التوصّل إليها، والاكتفاء بمنهج ما سبق من سالف الزمان في التوصيات العربية .

نحن العرب اليوم بحاجة لابتداع نُظم وآليات تعيد بعض ثقتنا بنفسنا قبل فوات الأوان، فنظامنا الإقليمي العربي خارج الجغرافيا الطبيعية له، كما هو خارج تاريخه المفترض . قراراتنا المصيرية المفترضة تؤخذ وتنفذ بمعزل عنا، بحيث أصبحنا أكثر من هامشيين حتى في القضايا المتعلقة بحياتنا واستمرارنا .

وغريب المفارقات في وضعنا، أن ثمة دولاً إقليمية لا تملك إمكاناتنا تنبري للدفاع عنا، وهنا ليس بالضرورة لسواد عيوننا، بقدر ما هو استثمار سياسي إقليمي ليس بالضرورة أيضاً يمكن الاستفادة منه عربياً، بقدر ما هو عملية لإدارة أزمات قابلة للبناء عليها إقليمياً ودولياً . لقد بتنا اليوم مخترقين إقليمياً بعد اختراقنا محلياً بفلسطين والعراق ولا ندري أي دولة قادمة على لائحة الاحتلال .

ربما النقاش اليوم بإنشاء اتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوروبي هو حلم من أحلام اليقظة العربية المعتادة، لكن البحث به وفيه، لا يلغي كونه أمراً واجب التحقيق يوماً . فماذا فعلت آليات التعاون مثلاً ضمن بيئة عمل جامعة الدول العربية؟ ألم تصل إلى أبواب موصدة؟ وإذا كان السؤال الأهم الذي تنبغي الإجابة عنه هو من أوصلها إلى هذا الدرك؟ فالجواب متروك لأصحاب الحل والربط في مجالات التعاون أم الاتحاد أم الوحدة .

المهم في القمة الخماسية انعقادها أولاً، حتى لا يُقال إن العرب لا يرون إلا النصف الفارغ من الآمال، وبصرف النظر عن وجهات النظر المتابينة فإن أمر اللقاء والتوضيح وإمكان البناء على المواقف، ولو ضمن آلية الخمس سنوات، تبقى لها دلالاتها الرمزية المفيدة، إن ثمة في العرب من لا يزال يبحث عن ضوء في ظلام دامس .

طبعاً، ثمة مئات التجارب الدولية ذات الأهداف الاتحادية والوحدوية، التي نجح بعضها وتعثر بعضها الآخر، لكن في غالبيتها كان التصميم والإرادة وراء نجاح من نجح وقصور في الأداء لمن فشل . والمهم في هذا الأمر وجوب التعلّم من التجارب المستفادة إقليمياً لجهة الاتحاد، والنماذج في هذه الأمر عديدة ومتنوعة، بدءاً بالاتحاد الأوروبي مروراً بكل الاتحادات التي قامت على أسس غير سياسية، وواصلت بناء تجربتها وصولاً إلى أهداف سياسية .

ربما تجربتنا الوحدوية أو الاتحادية أو التعاونية، انطلقت عبر أحزاب وشعارات كبيرة، ربما لم تساعدها الظروف على تحقيقها، وعدم التحقيق لا يعني بالضرورة عدم جدوى أو اهمية الفكرة أو الشعار، بقدر ما هو تعبير عن فشل الآليات التي اقترحت لتطبيقها في غير مكان وزمان من وطننا العربي . ولذلك إن الأولوية اليوم وفي حالنا العربي المأزوم، البحث عن الآليات والتجارب السابقة علَّ وعسى يمكن البناء عليها .

إن الواقعية السياسية التي لاحت في بيان القمة المصغرة، هي انعكاس لواقع النظام الإقليمي العربي، فمن الصعب الاتفاق على صيغة اتحاد رغم ضرورتها القصوى، والإشارة إلى البحث عن آليات محددة خلال الخمس سنوات القادمة تعبر عن نية التوصّل بصرف النظر عن الصعوبات والأهواء والأنواء . وتبقى العبرة في النهاية هي جدية المتابعة والعزم والتصميم .

ينبغي الاعتراف أن ثمة مسائل كثيرة وقضايا متنوعة تغيّرت بيئات تحقيقها، الأمر الذي ينبغي فيه التعامل معها برؤى ووسائل مختلفة عن الوسائل التي رُفعت سابقاً والتي كانت بمثابة عدة الشغل السياسي للكثير من أحزابنا العربية وأنظمتنا الحاكمة . فالوحدة أو الاتحاد بالشعارات من فوق لم تعد تعبر عن واقع طموحات من يطلبها، ولربما البحث عن الوسائل البديلة هو الأجدى والأنفع، فالتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري على سبيل المثال خطوة ضرورية، بل شرط لازم لتحقيق أي اتحاد، والأمثلة على نجاحها كثيرة، علاوة على أن تطور الحياة وتشعب أنماطها أسهم في إنتاج أنماط أخرى من السلوك الاجتماعي، وحتى الوطني والقومي الذي يتطلب أنواعاً جديدة من نمط التفكير والسلوك في الذاكرة الجماعية للعرب .

اللافت في التوصيات أيضاً، ما دعت إليه من عقد “قمم نوعية” تعالج قضايا محددة، اقتصادية واجتماعية وتنموية وثقافية، وهي بطبيعة الأمر المسائل التي تشغل بال الشريحة العظمى من مجتمعاتنا . وهو أمر ينبغي متابعته علَّ عمليات المراكمة والبناء عليه يوصل إلى ما هو أبعد من التعاون والاتحاد .

موعدنا القادم، مع وثيقة “تطوير منظومة العمل العربي المشترك” التي ستعرض على القمة العربية الاستثنائية في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل . لعلَّ هذا التاريخ يكون موعداً لإطلاق حلم طال انتظاره .

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نقلا عن دار الخليج