مشاهدة النسخة كاملة : تركيا الجديدة هدية تاريخية للأمة العربية


أبو فاطمة
07-03-2010, 11:59 AM
تركيا الجديدة هدية تاريخية للأمة العربية



محمد إبراهيم خاطر

الدور التركي تجاه فلسطين أصبح أكثر وضوحاً وقرباً فقد دخل الأتراك على خط القضية الفلسطينية وأعادوا لها الزخم الذي فقدته لأسباب كثيرة من أهمها الشقاق الذي وقع بين حماس وفتح. والدور التركي تجاه إيران تبلور من خلال الاتفاق الثلاثي الذي عقد بين إيران وتركيا والبرازيل بشأن تبادل الوقود النووي.

والدور التركي المتنامي في المنطقة أثار حفيظة البعض ودفعهم إلى التشكيك في المواقف التركية واتهام تركيا بمحاولة بسط نفوذها وسيطرتها على المنطقة وهؤلاء لا يريدون للأمة خيراً ولديهم حساسية تجاه كل ما هو إسلامي وتجاه أي طرف يقدم دعماً للقضايا العربية والإسلامية.

وتركيا التي يشككون في مواقفها بدأت بالفعل في دفع ثمن مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية فقد حذر نواب أميركيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري تركيا من مغبة التقارب مع إيران واستمرار النهج المعادي ل"إسرائيل" وحزب العمال الكردستاني المرتبط ب"إسرائيل" الذي قام بمهاجمة القوات التركية على الحدود العراقية وبتفجير حافلة تقل عسكريين وأسرهم بالقرب من اسطنبول وقبل ذلك الهجوم الذي استهدف قاعدة بحرية في مدينة الإسكندرون.

والتشكيك في نوايا تركيا ومواقفها من القضايا العربية والإسلامية لا يخدم سوى الكيان الصهيوني ومشروع الولايات المتحدة التي تريد إحكام قبضتها على الشرق الأوسط وتريد نزع مخالب إيران والحد من النفوذ والدور التركي المتعاظم في المنطقة والداعم للقضايا العربية والإسلامية.

وأعداء الأمة لا يريدون حلولاً إسلامية ولا يريدون حلولاً قومية ولا يريدون المقاومة ولا يريدون التحالف مع من يناصرون القضايا العربية والإسلامية.

وهؤلاء يرفضون حتى الأسلوب النفعي في الدفاع عن حقوقنا فمن حق المظلومين والمضطهدين أن يستعينوا بإخوانهم في العقيدة وبجيرانهم وبكل من يمتلك القدرة على المساعدة لرفع الظلم وإعادة الحقوق لأصحابها وضعف الدول العربية وتخلفها في جميع المجالات تقريباً يجعلها بحاجة ماسة إلى تركيا كحليف قوي لمواجهة المخططات الخارجية التي تتابع فصولها واحداً تلو الآخر.

وللمتخوفين من تعاظم الدور التركي في المنطقة نقول: ما البدائل التي تقترحونها سوى الاستسلام للأمر الواقع والرضوخ لإملاءات الإدارة الأميركية التي تصر على مواصلة التفاوض حتى احتلال آخر شبر في فلسطين وحتى رحيل آخر فلسطيني عن أرض فلسطين. ولهؤلاء وأمثالهم نقول: ماذا قدمتم للقضايا العربية التي تتاجرون بها منذ عقود ونقول لهم لقد حان الوقت لكي تصمتوا قليلاً ولكي تكفوا عن نشر أفكاركم المسمومة وتتوقفوا عن توزيع الاتهامات والتشكيك في المواقف والمحاسبة على النوايا.

العثمانيون الجدد

المواقف الشجاعة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان كانت السبب المباشر في إطلاق وصف العثمانيين الجدد على أعضاء الإدارة التركية الحالية.

وتجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم تجربة تستحق الدراسة والتطبيق في الدول العربية والإسلامية فقد حقق هذا الحزب نجاحات كبيرة في كل المجالات واستطاع أن ينقل تركيا في غضون سنوات قلائل إلى مصاف الدول المتقدمة واستطاع أن يعيد تركيا إلى محيطها الإسلامي وأن يعزز دورها في المنطقة.

والمواقف التركية الداعمة للقضية الفلسطينية ليست قاصرة على مواقف حزب العدالة والتنمية فقط فهناك دعم من الأحزاب الأخرى وهناك اصطفاف شعبي خلف رجب طيب أردوغان في مواجهة الغرور والصلف الإسرائيلي.

والموقف العربي من تركيا الحديثة بقيادة رجب طيب أردوغان لا يحتمل التردد والإحجام ويتطلب تعاوناً وثيقاً في كافة المجالات. والعرب يجب أن يكفروا عن الخطأ الجسيم الذي ارتكبوه بحق أنفسهم وبحق الأتراك فمن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها العرب في القرن الماضي محاربة الدول العربية لدولة للخلافة العثمانية نيابة عن الاحتلال البريطاني الذي خدعهم بالحصول على الاستقلال وكافأهم في نهاية الأمر بتسليم فلسطين لليهود وتقاسم الدول العربية مع فرنسا.

فالثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي قامت ضد الدولة العثمانية بناء على وعد الحكومة البريطانية للعرب بالاعتراف لهم بدولة عربية مستقلة مقابل اشتراكهم في الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك والمكافأة كانت اتفاقية سايكس بيكو في 1916 بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ وتقسيم المنطقة العربية ووعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 الذي قدمه آرثر جيمس بلفور إلى اللورد «ليونيل روتشلد» بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي 24 يوليو 1922 أقر مجلس عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين ووضع هذا الانتداب موضع التنفيذ في 29 سبتمبر 1923 وأثناء الانتداب ارتفعت النسبة المئوية لليهود من المجموع الكلي للسكان من 11% عام 1922 إلى 31% عام 1945 واستطاعت سلطة الانتداب بالتعاون مع الوكالة اليهودية أن ترفع بالهجرة عدد اليهود في فلسطين من حوالي 84 ألفا عام 1922 إلى 500 ألف عام 1943.

وآثار الحرب على الدولة العثمانية ما زالت باقية إلى اليوم وأخطرها على الإطلاق هو التشويه والتحريف الذي تعرض له تاريخ هذه الدولة التي رفعت راية الإسلام ووفرت الحماية للدول العربية. وهذا التاريخ المحرف والمزيف ما زال يدرس إلى اليوم في مدارسنا وجامعاتنا العربية ولا زلت أذكر حتى اليوم بعضاً من مقرر التاريخ الذي كان يدرس لنا في المرحلة الإعدادية وكان التركيز فيه منصباً على مثالب الحكم العثماني والسؤال الذي كان يتكرر دوماً في الامتحانات هو: أذكر مساوئ الحكم العثماني؟!! وموقفنا من تركيا في الوقت الراهن يتطلب أولاً تصحيح التاريخ المزيف الذي كتبه أعداء الأمة بهدف خلق عداوات بين العرب والقوميات الأخرى ويتطلب التعاون مع تركيا في كل المجالات وهو ما دعا إليه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وهي دعوة يجب أن تأخذ طريقها نحو التنفيذ فالدول العربية بحاجة إلى تركيا في العديد من المجالات وبخاصة السياسية والاقتصادية.

والكثير من احتياجات الدول العربية التي تستورد من الخارج يمكن تأمينها عن طريق التبادل التجاري مع تركيا التي تقدمت في المجالين الزراعي والصناعي بشكل يدعو للإعجاب. وتركيا بلد سياحي من الطراز الفريد والسياحة فيها لها فوائد كثيرة منها التواصل مع الشعب التركي المسلم وفتح المجال أمام رؤوس الأموال العربية للاستثمار في القطاع السياحي والعمل على إعادة أمجاد الماضي.

المصالح العربية مع من؟

للمشككين في الدور والنوايا التركية نقول: ماذا جنينا من الصداقة مع أميركا سوى الوعود الزائفة بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفي المقابل إعطاء "إسرائيل" المزيد من الوقت لتوسيع المستوطنات واحتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية وتهويد مدينة القدس وخلق وقائع جديدة على الأرض تجعل من الحلول المقترحة للقضية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية؟

والولايات المتحدة التي يعتز الكثير من القادة العرب بصداقتها وبمتانة العلاقات معها تقوم بتسليح "إسرائيل" بأحدث الأسلحة وتضمن تفوقها عسكرياً وتقنياً على جميع الدول العربية وأمن "إسرائيل" يمثل أولوية عند جميع الرؤساء الأميركيين بما فيهم الرئيس الحالي باراك أوباما.

وفوق ذلك كله توفر الولايات المتحدة الحماية ل"إسرائيل" من المساءلة على الجرائم التي ترتكبها بحق الفلسطينيين وبحق الأبرياء العزل وتمنع أي إدانة دولية للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان وللمعاهدات والقرارات الدولية. والفيتو الأميركي جاهز دائماً لإجهاض أي قرار يمس "إسرائيل" في مجلس الأمن.

ونقول لهم ماذا جنينا من المفاوضات العبثية التي بدأت منذ عقدين من الزمان وماذا جنينا من اللجنة الرباعية غير الوعود الزائفة والمقترحات التي تصب في مصلحة "إسرائيل" ولا تلبي الحد الأدنى من المطالب العربية والفلسطينية؟

وللمشككين في الدور التركي الفاعل والمؤثر في المنطقة نقول: ماذا قدمتم لقضايا الأمة سوى الاتهامات والتخوين والمحاسبة على النوايا وليس على الأفعال؟

وما هي البدائل المتاحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والأميركي والتخلص من التبعية والهيمنة الغربية على المنطقة؟

رابطة الجوار العربي

لم يعد أمام الدول العربية لمواجهة الأخطار المحدقة بالمنطقة في الوقت الراهن سوى التحالف مع دول الجوار ممثلة في تركيا وإيران وتغليب الحقائق التاريخية والواقع الجغرافي والمصالح المشتركة على الخلافات السياسية المفتعلة والتي تمنع حدوث تكامل بين هذه الدول في كافة المجالات وتحرم دول المنطقة من الأمن والاستقرار وتحرم شعوب المنطقة من الاستفادة من ثرواتها وخيراتها.

ورابطة الجوار العربي التي دعا إليها عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية في القمة العربية الأخيرة التي عُقدت بمدينة سرت الليبية ينبغي أن تدخل حيز التنفيذ على الفور وذلك من أجل مواجهة التحديات الخارجية التي تهدد أمن واستقرار الدول العربية والإسلامية.

وتقوية الروابط بين الدول العربية والإسلامية وخلق تجمع إقليمي قوي سيصب في مصلحة الجميع ويعيد لهذه الدول مكانتها وكرامتها ويتيح لها الأخذ بزمام المبادرة وقيادة التغيير في المنطقة لصالحها لأن التغيير الذي يتم حالياً لا يخدم سوى مصالح "إسرائيل" ومصالح الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

والعرب هم المستفيدون من تنامي الدور التركي في المنطقة ومستفيدون أيضاً من الممانعة الإيرانية وتصدي إيران للهيمنة الغربية وللنفوذ الأميركي في المنطقة.

ومن قصر النظر بل ومن العمى أن نشغل أنفسنا بالخطر النووي الإيراني وأن ننساق وراء المحاولات التي تريد أن تجعل من إيران العدو الأول للعرب وأن نغفل الخطر الداهم المتمثل في الترسانة النووية الإسرائيلية.

والمطلوب من العرب أن يتعلموا من دروس التاريخ وأن يتوقفوا عن خوض الحروب نيابة عن الآخرين وأن يرفضوا توجيه ضربة عسكرية لإيران لأن تكلفة الهجوم على إيران ستدفعها دول المنطقة من أمنها واستقرارها ومن ثرواتها. من حق إيران الحصول على الطاقة النووية واستخدامها في الأغراض السلمية والخوف من الدور التركي المتنامي في المنطقة ليس له ما يبرره فمن حق تركيا أن يكون لها دور في المنطقة بحكم التاريخ والجغرافيا وانطلاقاً من النهضة الشاملة التي حققتها في كافة المجالات وتبقى الحقوق العربية رهينة بالمواقف العربية وبتعاون الدول العربية مع دول الجوار التي تتقاطع مصالحها مع المصالح العربية ولذلك فإن من الحكمة أن نقيم علاقات متينة ومتوازنة مع تركيا وإيران وأن نستفيد من الروابط والعوامل المشتركة التي تجمعنا وأن نضع نقاط الاختلاف مع هاتين الدولتين في حجمها الطبيعي حتى لا تُستغل من قبل الأطراف الخارجية ويكون لها تأثير سلبي على دول المنطقة.

ودمتم بخير.

نقلا عن المركز الفلسطيني