مشاهدة النسخة كاملة : كان حاميدو بابا- لابد من التغيير


أبو فاطمة
07-03-2010, 11:06 AM
كان حاميدو بابا- لابد من التغيير



في إطار الأنشطة المخلدة لذكرى مرور خمسين سنة على استقلال المستعمرات الفرنسية في إفريقيا الغربية، احتضنت العاصمة الفرنسية – الأسبوع المنصرم – ندوة حول حصيلة نصف قرن من على استقلال الدول الإفريقية التي شكلت ما عرف بمجموعة إفريقيا الغربية الفرنسية، وحصلت على استقلالها بشكل شبه جماعي، عام 1960.. وقد تميزت الندوة بعرض مفصل قدمه رئيس حزب الحركة من أجل إعادة التأسيس، النائب البرلماني الموريتاني د. كان حاميدو بابا، بعنوان "أية إعادة تأسيس لموريتانيا في سن الخمسين؟"؛ تناول أهم مراحل بناء الدولة الموريتانية المستقلة وما اعترض ذلك من عقبات وما اعتراه من أخطاء، كان لها الأثر البالغ في المراحل اللاحقة التي أفضت لما عليه موريتانيا اليوم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.. قبل أن يقدم جملة من "الخطوط العريضة" لرؤيته الخاصة بمستقبل البلاد، من خلال الدعوة لما أسماها "إعادة التأسيس" التي يعتبرها "إرادة فعلية لإحداث تغيير جذري للدولة والمجتمع".. وخلص كان حاميدو بابا إلى تقديم جملة من المقترحات النظرية التي رأى أنها تشكل الأسس الصحيحة لضمان "الاندماج الوطني" بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني سبيلا إلى إنجاح عملية إعادة التأسيس التي تشكل جوهر خطاب حزبه السياسي، المنتمي لائتلاف أحزاب الأغلبية الرئاسية الداعمة للرئيس محمد ولد عبد العزيز..

الترجمة الكاملة لنص المحاضرة:

على غرار الـ 16 الفرانكفونية الأخرى في إفريقيا، ستحتفل بلادنا، موريتانيا، بخمسينيتها.. وإذا كانت 50 سنة تعني سن النضج في قياس عمر الإنسان، فهل يمكننا – بموضوعية- أن قول الشيء نفسه عند قياس عمر دولة؟ سؤال لا شك أن المؤرخين سيتكفلون بالإجابة عليه..

ستخيب – قطعا- آمال الذين ينتظرون من هذا العرض حصيلة كاملة لمراحل المسار الذي قطعناه، ومعهم ستخيب أيضا توقعات من ينتظرون منه تشخيصا لمجموع القطاعات التي ساهمت، من قريب أو من بعيد، في تنمية موريتانيا أو في تخلفها.

إن المحاضر الماثل أمامكم، يحاول – ببساطة- استخلاص الدروس والعبر الرئيسية على عتبة الخمسينية.. وهي مهمة ليست بالسهلة ولا بالمتفق عليها، بل ربما تكون تمردا على منطق التحليل؛ بغية إبراز الخطوط المستقبلية التوجيهية لما نسميه: إعادة التأسيس.

لقد قلنا: "إعادة التأسيس" وخرجت العبارة! لنكن واضحين بهذا الخصوص: الأمر يتعلق تماما بموقف، ففعل إعادة التأسيس لا يقوم على تشخيص، وإنما على إرادة للقيام بتغيير عميق للدولة والمجتمع الموريتانيين، عبر إصلاحات توافقية، جريئة، ناجعة ومستدامة.

قد تقولون لي إن هذا برنامج فياض، لكنه يحتاج للشجاعة!

إن التمعن التدريجي في مختلف هذه النقاط سيتيح لي تحديد ما يستحق شد انتباهنا:

1- في الجزء الأول سنحاول إبراز الخطوط العريضة للتطور السياسي في بلدنا (بالمعنى الواسع)، مع التركيز – مرة أخرى- على العبر الممكن استخلاصها من رهانات الماضي، أو من الساحة السياسية؛ التي هي غير متحجرة ولا محصورة في مفهوم السياسة المتسيسة الضيق.. ذلك أن كل موضوع تجعل منه تناقضاته الاجتماعية مشكلة سياسية، هو سياسي. وبذلك تنطبق هذه الصفة على مسألة حقوق الإنسان، المسألة الثقافية أو مسألة التعايش.

2- في الجزء الثاني، سنكشف عن المحاور الكبرى لإعادة التأسيس: لأية رؤية، بأية أهداف، أية مؤسسات، أي رجال، أية طريقة؟.. باختصار: من أجل أية جمهورية؟

أ‌- الخطوط العريضة للتطور السياسي في البلاد

السياق الجيو سياسي

إن دبلوماسية أي بلد تمليها، قبل كل شيء، جغرافيته وتاريخه. يقول الجنرال ديغول: " لتصديق أن الأمم ستختفي، لا أعرف غير طريقة واحدة، هي أن نجهل التاريخ، ونجهل الجغرافيا جهلنا للتاريخ!".

على الصعيد الجيوسياسي، يلاحظ أن موريتانيا تقع على قوس للأزمات يعبر إفريقيا من الشرق إلى الغرب. صحيح أن بلدان قوس الأزمات عرفت مخاطر مختلفة، لكن بدرجات متباينة حسب الفترات. فقد أثار صدام الثقافات الإثنية- الدينية، الإثنية- العرقية ، أو العرقية – الدينية في إفريقيا (جدلية الدور والتسلسل) أعمال عنف شديدة منذ السنوات الأولى للاستقلال. وقد أدت أكثر تجليات ذلك بروزا إلى انفصال إريتريا عن إثيوبيا، ولكن أيضا إلى التقطيع غير الرسمي للسودان بين شمال مسلم عربي الأصول، وجنوب مسيحي وثني. ولئن كانت قضية الطوارق بنزاعها المسلح، قد هدأت اليوم، فإننا نعلم أنها ما تزال مصدر انشغال بالنسبة للنيجر كما بالنسبة لمالي؛ بل – إلى حد ما – لموريتانيا والجزائر.

وأخيرا، ليس من النادر أن تشمل موجة الصدمة الدول المتاخمة لبلدان قوس الأزمات، وإن اختلفت الانعكاسات. من يستطيع اليوم أن يقول إن أزمة الهوية غير العميقة في ساحل العاج لا تحمل بوادر صراع بين الحضارات؟

العبرة الأولى التي نستخلصها من ذلك هي ما يلي: مناطق التواصل هي مناطق انفصام محتملة.

إذا كانت وضعية موريتانيا مختلفة نسبيا في بلد مسلم مائة بالمائة، كل سكانه سنة على المذهب المالكي، رغم وجود عامل تعقيد جلبته الممارسات السلفية (الإرهاب)، إلا أن البلد لا يسلم من الطائفية العرقية، الإثنية والسيوسيو سياسية كما ظهرت خلال العقود الخمسة التي مرت على الاستقلال. نفهم أيضا – في هذه الظروف – الرهان الذي يمثله تصنيف الهوية الموريتانية: بلد عربي إفريقي وإسلامي، بلد إفريقي عربي وإسلامي، بلد عربي زنجي إفريقي وإسلامي؟

العبرة الثانية التي نستخلصها من ذلك هي: خلف هذه المعركة من أجل فرض تصنيف لموريتانيا، يتراءى بطبيعة بالتأكيد صراع من أجل فرض فكرة ما عن موريتانيا وبالتالي نجد الأيديولوجية المهيمنة آنذاك حاضرة على نطاق واسع.

على الصعيد الجيو سياسي، ما تزال وضعية بلادنا معقدة بفعل عوامل تأزيم أخرى، من بينها النتائج التي لا يمكن التنبؤ بها لنزاع الصحراء الغربية، والتي ليست بالهينة. فبعد أن كانت موريتانيا طرفا فاعلا في النزاع، حدث ما يشبه تحويل الرهان من المستوى إقليمي نحو المستوى الوطني.. وقد شكلت حرب الصحراء، وبالخصوص عدوان 16 مارس 1981، تحولا حاسما في تدخل العسكر في مفاصل الدولة واللعبة السياسية الوطنية.

إن السؤال الجدير بأن يطرح هنا هو: هل كان العسكر سيأتون إلى السلطة لو لم تكن هناك حرب الصحراء؟ ليس في ذلك الوقت المبكر! (انقلاب 1978 كان الثالث والعشرين الذي يقع في إفريقيا).

السؤال المطروح اليوم يتمثل في الآتي: أية مكانة وأي دور بالنسبة لجيش موجود في السلطة منذ 1978، تارة فاعلا وطورا وسيلة؟ سنعود إلى هذه النقطة لاحقا..

هل موقف الحياد المتبع منذ اتفاق أغسطس 1979 موقف موفق وهل كان مجديا؟ أليس من الوارد أن تكون أية تسوية بدون موريتانيا تسوية ضد موريتانيا؟

مع ذلك فإن الشيء الأكيد هو أن بناء المغرب العربي يتوقف، إلى حد كبير، على تطور الملف الصحراوي. لكن قد يكون لهذا التطور انعكاسات مباشرة على التوازنات الهشة داخل البلد، بل على استمرار هيكلة الدولة كما ورثت عن الاستعمار.

• يشير تقرير لوزارة الخارجة الأمريكية إلى أن "موريتانيا بلد لم يتم رسم حدوده نهائيا"

نختم هذا الجانب الجيو سياسي بالحديث عن العلاقات مع بلدان المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي انسحبت منها موريتانيا منذ سنة 2001. وكانت الأسباب الرسمية التي ساقتها السلطات الموريتانية آنذاك لتبرير قرار الانسحاب، تتلخص في عزم تلك الهيئة الإقليمية المشتركة إنشاء اتحاد نقدي من شأنه جعل الدول الأعضاء تفقد جزء من سيادتها. تبرير سيء بطبيعة الحال، حيث لا يمكن اتهام هيئة مشتركة بالعمل عكس ما أنشئت من أجله أصلا.

• إذا كانت موريتانيا، مع ذلك، واصلت بعض جوانب سياستها في مجال الاندماج الإقليمي مع البلدان المجاورة عبر مجانسة تعرفة التجارة الخارجية مع تلك المطبقة في تلك البلدان، وعبر الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يلزمنا تحديد موقف تمليه مصالحنا البنيوية (بالمعنى الأوسع) وتمليه الجغرافيا.

السياق السياسي

في إفريقيا، تكون الدولة العصرية كما نعرفها سابقة على الأمة. وتحيل هذه الملاحظة إلى إشكالية الإرث الاستعماري وتطرح – بدورها –مشكلة تعايش واندماج مختلف المجموعات الأولى (بالمعنى الاجتماعي للكلمة) في دولة موحدة. إلى أي حد تم إشراك مختلف المجموعات، التي تتقاسم نفس المصير، في ممارسة السلطة السياسية؟ ماهي الآليات ، أو إن شئتم، التناقضات الاجتماعية التي شكلت إطار ممارسة السلطة، التي نعلم جيدا أنها تتحكم في توجيه الموارد؟

عند حصولنا على الاستقلال، سعت الطبقة الحاكمة، ومن ضمنها الرئيس الأسبق، إلى شرعنة السلطة من خلال الحديث عن دور موريتانيا كهمزة وصل بين إفريقيا السوداء والعالم العربي. كانت إيديولوجية البناء الوطني تقضي بتقزيم، ثم بمحو، الاختلافات الإثنية والعرقية. كان الخطاب الرسمي منبثقا من مناخ إيديولوجيات المواءمة لتلك الفترة، حيث ركز على ما يجمع، مثل الإسلام (وهذا صحيح)، وكذا على تعايش سلمي ضارب في القدم بين مختلف المجموعات. لكن الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

وكنتيجة لتلك البنية الداخلية الهشة والمحسوسة بشكل بارز، عملت السلطة المدنية جاهدة على تجنب أي نقاش حول التناقضات داخل الشعب. ومن المفارقة أنه، حتى المعارضة السرية آنذاك (الحركة الوطنية الديمقراطية) لم تجد وحدة صفها، إلا من خلال تبسيط الطرح الأيديولوجي ( اختلافات رئيسية وثانوية).

تزامن عهد الأنظمة العسكرية (اعتبارا من 1978) مع فترة الشك في الأيديولوجيات ذات النطاق الواسع. فالكثير من النخب العصرية المحبطة وجدت ملاذا في المجموعات الأولى، ومن ضمنها العائلة، القبيلة والعرق، التي لعبت دورا بارزا، وإن كان هؤلاء الفاعلون السياسيون قد واصلوا دمج نضالهم في حركات أيديولوجية، لكنها تصب في انتماءات ضيقة (ناصريون، بعثيون، إسلاميون، شيوعيون، قوميون زنوج، أو حراطين).

• هكذا لم يتحدث الموريتانيون مع بعضهم البعض خلال هذه الفترة!

في هذه الظروف، ليس من الغريب البتة أن نلاحظ كيف أن تراكم مشاعر الغبن و سوء الحكامة قد أسهما في تفجير الأزمات بين الحادة بين المجموعات في 1966، 1979، 1986، 1987 لتلبلغ ذروتها بين 1989-91..

تنويه: على الرغم من الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وحجم الإرث الإنساني وظرفية الدمقرطة التي اجتاحت إفريقيا خلال تسعينيات القرن الماضي (قمة لابول)، إلا أن المؤتمر الوطني الذي طالبت به القوى الرافضة لنظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع المستبد، لم ير النور. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يخسر فيها الموريتانيون فرصة التحدث فيما بينهم!

هكذا كان الحال في ظل الجمهورية الأولى (1960-1978) مع المسار الزاحف لمأسسة الحزب الواحد، التي أفضت إلى ممارسة هذا الأخير هيمنته على الدولة أو – بعبارة أدق- في الدولة.

هكذا كان الحال أيضا في ظل الأنظمة العسكرية المتلاحقة (10 يوليو 1978 إلى 20 يوليو 1991، مع سيل مواثيقها الدستورية وممارسة السلطة من قبل لجان عسكرية.

وهكذا – أخيرا- كان الحال في ظل الجمهورية الثانية (1991- 2005) التي اتسمت بنظام ديمقراطي، منبثق من دستور 20 يوليو 1991؛ برئيس منتخب عبر الاقتراع العام وبرلمان من غرفتين، لكنه كان يدور في حلقة مفرغة!

في المحصلة، امتازت بلادنا – في مجال الحوارـ بالفرص الضائعة. فهل يعود ذلك إلى الحواجز اللغوية؟ أم إلى بعض السمات الثقافة؟ أم إلى ثقافة تقوم على الهمس بدلا من الصراحة في الشرح؟ فتشوا عن السر.

ماذا عن فترة الماضي الأقرب؟

يمكن الحديث عن الفترة الممتدة بين 2005 و2009 باعتبارها فترة الأنظمة الانتقالية. ولم يكن نظام سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله سوى امتداد لـ"مكتسبات" المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية. ولم تكن المرحلة الانتقالية الأخيرة (مرحلة المجلس الأعلى للدولة) التي انتهت بالانتخابات الرئاسية في 18 يوليو 2009 سوى واحدة من تجليات تلك المرحلة الانتقالية الطويلة، التي جاءت بعد 13 عاما من الأنظمة الاستثنائية و14 عاما من النظام الاستبدادي.

ورغم كونه قد وضع حدا لسبع وعشرين سنة من عدم الديمقراطية، يطبعها الغموض في موقف من قاموا بالتغيير، إلا أن مسار التفكيك السياسي تم تعطيله فترة طويلة، حتى لا نقول خنقه بواسطة آليات يحتفظ العسكر بسرها. وقد أنهت انتخابات 18 يوليو 2009 الرئاسية، الأزمة الدستورية الناجمة عن تغيير 6 أغسطس 2008، أو انقلاب 6 أغسطس 2998 لمن يفضل هذا الوصف؛وفحت – في الوقت ذاته – آفاقا من أجل إعادة تشكل المشهد السياسي.. وبما أننا نقف في صف المتفائلين بشكل إرادي، فإننا نقول: إعادة التأسيس.

لكن أية مؤسسات تلائم ما يمكن أن يشبه جمهورية ثالثة؟ أية أسس لإعادة التأسيس؟

ب ـ رؤية للاندماج الوطني

إن إعادة التأسيس، في نظري، تقوم قبل كل شيء على رؤية للاندماج الوطني. وهذه الأخيرة ـ بطبيعة الحال ـ متعددة الأبعاد: بعد سياسي أولا، وكذلك بعد اقتصادي وآخر اجتماعي ورابع ثقافي.. لكننا لن نتناول ـ في هذا المقام أساسا ـ سوى البعد السياسي للاندماج الوطني وهي مهمة ليست بالسهلة في حد ذاتها..

عندما نتحدث الأسس، وعن جمهورية جديدة إلخ..فإن الذهن عادة يذهب بنا إلى التفكير بالقانون الأساسي للبلد، أي الدستور. وإذا كانت هذه المقاربة لا تخلو من صواب، فإنها تظل قاصرة نوعا ما. فقد بينت التجربة المتراكمة خلال السنوات الماضية أن الدساتير نتجت عن موازين القوة البحتة، بحيث كانت في الغالب الأعم تصب في صالح الممسكين بزمام السلطة. وكلما حدثت أزمة، لا يجد المجتمع الدولي ما غير شعار المطالبة بالعودة إلى "الوضع الدستوري"، دون الاهتمام بالكيفية التي تم فيها إيجاد ذلك الوضع الدستوري. في موريتانيا، تم إعداد دستور 1991 في "مطابخ سرية" وعرض على الاستفتاء دون نقاش.

لقد مكنت الإصلاحات المقام بها في ظل المرحلة الانتقالية للمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية من تصحيح المناخ السياسي عبر:

• التعديلات الدستورية، التي من ضمنها تحديد عدد المأموريات الرئاسية؛

• وجود إحصاء ذي طابع انتخابي يعتد به؛

• إنشاء لجنة وطنية انتخابية مستقلة؛

• إصلاح نظام الاقتراع؛

• إطار تشريعي جديد يزيد من حضور النساء على القوائم الانتخابية، وبالتالي في غرف التمثيل البرلماني والبلدي؛

• نظام المعارضة.

غير أن تلك الإصلاحات والمنظومة الانتخابية، التي شكلت تقدما مهما، لم تحدث قطيعة مع سوء الحكامة السياسية. ففي الواقع أثارت الأزمة السياسية خلال فاصلة سيدي ولد الشيخ عبد الله، الثغرات الدستورية وفي نفس الوقت، محدودية التغييرات المقام بها.

زيادة على الدستور، يلزمنا أن نتساءل بشأن ظروف وضع النصوص القانونية. ولهذا فإن رؤية إعادة التأسيس لا تتخذ من الدستور نقطة انطلاق، وإنما تضعه في إطار الميثاق السياسي الجديد، الذي ينبغي علينا ترقيته. مثل هذا الميثاق، الذي يستند إلى عقد الثقة المزدوج بين الدولة والمجتمع من جهة؛ وبين الدولة والمواطن من جهة أخرى، يشكل قاعدة إعادة التأسيس.

هل يمكننا تجاهل الديناميكيات الاجتماعية التي تحكم المجتمع؟ إذا كانت مسألة الوحدة الوطنية والوئام الاجتماعي في غاية الأهمية، بصرف النظر عن الخطاب الموحد، فما العمل من أجل تقويتها؟ أية آليات تمكن من تعزيزها؟

هذه التساؤلات تتجاوز – بطبيعة الحال – الجوانب الظرفية للوحدة الوطنية، أي أنها تتجاوز مسألة العودة المنظمة للمبعدين على سبيل المثال، أو تسوية الإرث الإنساني. والأجوبة على مثل هذه التساؤلات ليست، من وجهة نظري، ضمن ما يسميه البعض "التعايش"، إذ أن هذا الأخير يجلب من المشكلات أكثر مما يقدمه من حلول؛ بل الجواب يكمن في البحث الجاد عن الاندماج الوطني.

عقد الثقة بين الدولة والمجتمع

ينبغي أن يمنح عقد الثقة بين الدولة والمجتمع مكانة للفئات الاجتماعية التي وقعت ضحية التمييز بكافة أشكاله. تحضرنا هنا – بطبيعة الحال – عمليات الشرخ المفتوحة أكثر والأوسع نطاقا؛ وبالتالي حماية المجموعات ضد عنف الدولة، ضد الطل؛ سواء من حيث توزيع السلطة أم من حيث توزيع الموارد العمومية، أم من حيث الحقوق الثقافية.

تحضرنا كذلك محاربة كل أشكال العبودية والممارسات المرتبطة بها.. ويحضرنا - أخيرا- التكفل بالتوازنات بين الجهات وحتى بين القبائل، لكن دون جهوية ولا قبلية.

كل ذلك يمر- طبعا- عبر إعداد معاهدة أو ميثاق للوحدة يكون ديباجة للدستور، وكذلك عبر تنفيذ سياسة كبرى للاستصلاح الترابي تأخذ في الحسبان مراجعة التقطيع الإداري بشكل أكثر إنصافا، على المستويين الجهوي والبلدي. وفي هذا الصدد أقرت الحكومة مؤخرا إعلانا يتعلق باللامركزية والتنمية المحلية، وكذا مدونة للتجمعات المحلية، تنص على رفع الولاية لمرتبة الناحية. وهو خيار يستحق أن يدعم من خلال إعادة تقطيع تأخذ في الحسبان الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للكيانات الخاضعة للامركزية.

بالنسبة لـ "إعادة التأسيس"، تنفيذ هكذا عقد للثقة بين الدولة والمجتمع، يشكل ركيزة الميثاق السياسي الجديد في إطار حوار يؤسس لـلتوافق الوطني. ويمثل خطاب رئيس الدولة في كيهيدي يوم 25 مارس 2009، وكذا التخليد السنوي لما بات يسمى "يوم المصالحة الوطنية" من أهم الأسس على طريق بناء التوافق الوطني. وفي مجال عقد الثقة بين الدولة والمجتمع، بصرف النظر عن محاولات التعويض، فإن مضاعفة الأعمال الرمزية ألمصاحبة للإجراءات الملموسة للتدارك، ستمكن من تسوية أزمة الثقة الناجمة عن الإرث الإنساني، تسوية مستدامة. لقد بات القيام بإصلاحات من جيل جديد تتيح تسريع التوافق الوطني، أمرا ملحا من أجل بناء موريتانيا جديدة. وينبغي أن تخضع إرادة العيش معا لميثاق يقوم على أسس جديدة تحدد الأدوار الموكلة لمؤسسات الدولة، للمجتمع وللمواطن.

إن الرهان بالغ الأهمية في وقت بات فيه الحكم النهائي شبه المعروف، يكشف أن التجارب المعاشة، سواء على طريق الوحدة الوطنية أم على مستوى بناء الديمقراطية، لها طعم مر، وأن المكاسب تظل هشة.

ودون أن أكون متشائما، أعتقد أن الرزانة تستدعي منا، بعد سلسلة الأزمات التي عشناها وتفكك المشهد السياسي منذ أغسطس 2005، أن نبني توافقا حقيقيا حول بعض المسائل من أجل إعادة بناء "البيت الموريتاني".

إن التحديات كثيرة، وهي ليست سياسية وحسب، بل اقتصادية واجتماعية وثقافية أيضا، ويسرني هنا أن أثمن عاليا المجهود الكبير الذي قدمته المجموعة الدولية – للتو ـ لصالح بلدنا موريتانيا، من خلال منحها تمويلا لبرنامجها الثلاثي للاستثمار العمومي، بلغ 3.2 مليار دولار، بينما لم تطلب ـ في الأصل ـ سوى 2.8 مليار.

هذه القدرة الرائعة على تعبئة الموارد، يجب أن توظف في خدمة الميثاق السياسي الجديد، بغية إرساء مجتمع الحرية والمسؤولية والرقي والعصرنة. وقد رأينا أن إحدى ركيزتي الميثاق السياسي الجديد تقوم على عقد للثقة بين الدولة والمجتمع. أما الركيزة الثانية فتستند إلى عقد للثقة بين الدولة والمواطن.

عقد الثقة بين الدولة والمواطن

حين ينبني عقد الثقة بين الدولة والمجتمع على أساس توافق وطني مكين، فإنه سيمكن من تعزيز عقد آخر هو عقد الثقة بين الدولة والمواطن من خلال عقلنة مؤسساتنا الديمقراطية، وإضفاء الأخلاق على ممارساتنا السياسية وإرساء ثقافة جديدة للمواطنة.

هل الديمقراطية الانتخابية، القائمة على أغلبية تحكم ومعارضة تقف ضدها، تلائم ظرفيتنا الخصوصية؟

بالنظر إلى المسألة عن قرب، حتى في الديمقراطيات الغربية، نجد أن قوة تلك الديمقراطيات تكمن في المكانة التي توليها لأقلياتها السياسية!

• مثال ألمانيا وبريطانيا العظمى: رئاسة لجنة الميزانية للمعارضة؛ وحكومة الظل.

في انتخابات تشبه لعبة الانتصار مقابل لاشيء، يفقد الخاسر فيها كل شيء، بحيث يكون مستعدا لرفض النتائج رفضا مميتا تقريبا، يكون الخطر محدقا وداهما.. فكيف نتجنب الانحرافات المتكررة، التي تقود لموت الناس خلال الانتخابات الإفريقية؟

إن إعادة التأسيس تطرح ـ إذن ـ مسألة حال مؤسساتنا وتتطلب منا في الوقت ذاته إعادة النظر في ممارساتنا وثقافتنا السياسية. ولذا، سنتناول موضوع المؤسسات الدستورية، ثم بقية المؤسسات التي تقوم عليها الجمهورية، وأخيرا، الروابط الضرورية بين الفاعلين السياسيين، وهو ما يحيل إلى الممارسات والثقافة السياسية.

الإصلاحات المؤسسية

لا يمكن لإعادة التأسيس، التي هي ـ بالضرورة ـ عملية تقوم على إصلاحات عميقة، أن تتم دون إعادة النظر في مؤسساتنا من خلال إثارة بعض التساؤلات من قبيل:

• هل كل المؤسسات الدستورية ذات جدوى، فعالة وملحة؟

• هل تلك الموجودة منها كافية، وإلا فما المؤسسات الجديدة الوارد إنشاؤها؟

سنكتفي ـ في هذا المقام ـ بإلقاء نظرة عامة وخاطفة، لملاحظة العناصر التالية:

ـ حول السلطة التنفيذية:

يمنح الدستور سلطات زائدة لرئيس الجمهورية، الأمر الذي يستدعي مراجعة الجهاز التنفيذي بما يتيح جعل الوزير الأول؛ الذي هو مسؤول أمام رئيس الجمهورية وأمام البرلمان؛ يتمتع بصلاحيات خاصة أو مشتركة في مجال تحديد السياسة الاقتصادية والاجتماعية، وفي ميدان السلطة التنظيمية.

ـ حول السلطة التشريعية:

تتمثل في البرلمان بغرفتيه: مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية.

• من حيث المبدأ، يفترض أن يمثل مجلس الشيوخ الدوائر الترابية، بينما تمثل الجمعية الوطنية السكان. إلا أن التقطيع الانتخابي القائم على أساس الدوائر الإدارية جعل 81 من أصل 95 نائبا في الجمعية الوطنية لهم يأتون من نفس القاعدة التي يأتي منها الشيوخ!

• يصوت مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية على القوانين في نفس الظروف. وحالات الاختلاف وحدها تخضع للجنة مشتركة، بينما تلك الحالات تبقى نادرة جدا.

هذه الملاحظات ليست ـ قطعا ـ بريئة. وهي تثير مشكلة عقلانية ونجاعة مؤسسة البرلمان:

في بلد فقير كموريتانيا، يكاد عدد سكانه يبلغ 3 ملايين نسمة، ألا تعد الثنائية البرلمانية ترفا؟

هل يمكن التوفيق بين ضرورة تفعيل الرقابة وبين برلمان يقضي ثمانية أشهر من السنة في العطلة أو في البطالة؟

ـ حول السلطة القضائية:

إن إصلاح القضاء ليس ضمانة لأمن المواطن فحسب، وإنما شرطا لتنمية بلادنا أيضا، وهو يساهم في تنقية مناخ الأعمال في البلد.

ـ حول المؤسسات الأخرى:

هناك مؤسسات دستورية أخرى ينبغي أن تبرهن على حسن أدائها وبالتالي على جدواها.. من تلك المؤسسات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، المجلس الإسلامي الأعلى، المجلس الأعلى للقضاء، إلخ..

ماذا نفعل بمؤسسات مهمة لكن الدستور لم ينص عليها؟

• الجيش الوطني؛

• اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات؛

• السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية.

+ الجيش الوطني:

أقل ما يمكن قوله هو أن الجيش كان حاضرا بقوة في الساحة السياسية، طيلة الفترة الممتدة من 10 يوليو 1978 إلى 18 يوليو 2009، فاعلا في الغالب الأعم، وتارة مستخدما من جهات أخرى.. وتثير المؤسسة العسكرية إشكالية علاقاتها مع الجمهورية:

• أي جيش وطني نريد؟

• أي جيش يمكن أن نحصل عليه؟

• كيف نبعد الجيش عن الحقل السياسي؟

+ اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات:

في ظل النظامين الانتقاليين (المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية والمجلس الأعلى للدولة)، أطهرت التجربة الموريتانية نجاحات جلية تم تحقيقها في مجال الشفافية الانتخابية. وقد ثمن المجتمع الدولي ـ بالإجماع ـ الاستحقاقين الرئاسيين الذين توجا كلتا المرحلتين. وكان للجنة الوطنية المستقلة للانتخابات دورها المشهود في ذلك. ومع أن دورها مفيد للغاية، إلا أنه اقتصر على الرقابة الإشراف والرقابة. ثم إنها ظهرت كهيئة تحكيم ذات فترة محددة في مهمتها المؤقتة. فأي إصلاح يتعين القيام به في أفق تعميق الديمقراطية؟

هناك جانبان يبدوان لنا جديرين بالاهتمام:

إنشاء لجنة وطنية مستقلة للانتخابات تكون دائمة وذات هياكل غير ممركزة؛

توسيع مهمات اللجنة المستقلة للانتخابات، فيما يتعلق بتنظيم الاستحقاقات الانتخابية. والأمثلة في إفريقيا كثيرة (مالي، بينين، جمهورية الكونغو الديمقراطية، ساحل العاج..إلخ).

+ السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية:

باعتبارها رمزا للسلطة الرابعة، فإنها تستحق جيدا أن تتم مأسستها دستوريا. وهنا يجب علينا تثمين إجراءين في غاية الأهمية: نفاذ المعارضة إلى وسائل الإعلام التابعة للدولة والتزام رئيس الدولة بتحرير الإعلام السمعي البصري.

ج ـ نقدم بعض المقترحات: مؤسسات جديدة لجمهورية جديدة

من الملح ـ اليوم ـ القيام بمراجعة للدستور! وهي تمر ـ بطبيعة الحال ـ عبر الحوار السياسي بين كافة الفاعلين الراغبين فيه. وينبغي أن يكون الهدف العام من الحوار تقوية السلم المدني من أجل إنجاز الإصلاحات الكبرى المتعلقة بجميع القضايا ذات الصلة بالهم الوطني، والتي تتطلب ـ بالضرورة ـ توافقا وطنيا.

من هذا المنظور، تندرج إعادة التأسيس ضمن منطق اتفاقيات دكار. فنحن أيضا أمام واقع كون الوثيقة الإستراتيجية التي اعتمدها ائتلاف أحزاب الأغلبية، وحزب الحركة من أجل إعادة التأسيس عضو فيه، إذ تجعل تلك الوثيقة من مسألة الوحدة الوطنية والحوار مع المعارضة محورين بارزين في العمل السياسي للائتلاف.

يتعين على مختل الفاعلين تجاوز الحواجز النفسية ليحددوا ـ معا ـ نطاق ومضمون الحوار. وبخصوص إعادة التأسيس، فإن الحوار ليس ضرورة فحسب، بل شكلا من أشكال الحضارة.

إن مسار إعادة التشكل السياسي الجاري أمام أعيننا، من خلال محاولات لم الشمل السياسي المتتالية (اندماج أحزاب، تشكيل منسقية للمعارضة الديمقراطية وائتلاف لأحزاب الأغلبية)، يستدعي مزيدا من الانتباه يمكن من مواكبة هذه الظاهرة بخطوط سياسية ذات قدرة إضافية على الحركية. فبمعنى من المعاني، نجد أن أغلبية اليوم، بما فيها الحركة من أجل إعادة التأسيس، هي معارضة الأمس؛ وبعض المعارضة اليوم كانت أغلبية بالأمس.

ومن هنا فليس من الغريب أن نلاحظ ـ وهذا مصدر اعتزازـ أن الحوار بين الأغلبية والمعارضة، هو حوار داخل الأغلبية، وكذلك حوار داخل المعارضة ذاتها.

من الواضح أنه، من بين المواضيع الوارد مناقشتها، يجدر بالإصلاحات السياسية، بما فيها مسألة إعادة التقطيع والمدونة الانتخابية، أن تتصدر الأولويات ذات الطابع الاستعجالي.

بيد أن هذه الإصلاحات يجب ـ كذلك ـ أن تشمل مسألة الترشحات المستقلة، والقانون المتعلق بالأحزاب السياسية، بغية عقلنة انتشارها، سبيلا إلى الحد من ظاهرة الترحال التي لا يستفيد منها غير الكسالى.

أخيرا تدعو حركة إعادة التأسيس بإلحاح، إلى القيام بإصلاحات عميقة يتيح مضمونها تحديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، على أسس جديدة.

إن حزب الحركة من أجل إعادة التأسيس، المؤمن بديناميكية من المبادئ والأفكار والأفعال، يدعو إلى اعتماد نشيد وطني جديد، نستطيع ـ كلنا ـ أن ننشده جماعيا، بكلمات تحمل رسائل قيم الاندماج الوطني، ويكشف لنا ـ نحن ـ وللعالم الخارجي قوة شعارنا: شرف ـ أخاء ـ عدالة.

هكذا ستحمل الحركة من أجل إعادة التأسيس وجه الجمهورية الثالثة.

د. كان حاميدو بابا

رئيس الحركة من أجل إعادة التأسيس

باريس: 26 يونيو 2010

ترجمة: السالك ولد عبد الله

نقلا عن أقلام حرة