مشاهدة النسخة كاملة : فلسطين والجيل العربي الصاعد


أبو فاطمة
07-03-2010, 08:45 AM
فلسطين والجيل العربي الصاعد



أسامة عبد الرحمن

ربما لا يعرف الجيل العربي الصاعد عن فلسطين إلا القليل، الذي ربما مرّ عليه في بعض الكتب المدرسية، وربما لا يعرف عنها حتى القليل، إذا كانت الكتب المدرسية خالية من التطرق إلى قضية فلسطين، خصوصاً بعد أن أصبح السلام هو الخيار الاستراتيجي، وحتى لو مرت القضية الفلسطينية في بعض الكتب المدرسية، فقد يكون مرورها عابراً، ويطويها النسيان بعد أن تنتهي مهمتها .

والجيل العربي الصاعد الذي لم يشهد النكبة الأولى عام ،1948 ولم يشهد النكبة الثانية عام ،1967 تغيب عنه إلى حد كبير القضية، مع أن صورة الاعتداءات الصهيونية مستمرة والجرائم الصهيونية ماثلة للعيان من خلال الفضاء الإعلامي الواسع . غير أن الجيل العربي الصاعد ربما لا يكون مشدوداً إلى القضية لجهله بها، وربما شدته مواقع جذب كاسحة في هذا الفضاء الإعلامي الواسع . وربما كان الجذب في مواقع يطغى فيها الغثاء . ولكن من الإنصاف الإشارة إلى أن الجيل العربي الصاعد قد يكون مشغولاً بأهدافه اليومية والمستقبلية، بما فيها وضعه المعيشي، ومستقبله الوظيفي، والآمال التي يسعى إلى تحقيقها . وقد ينطبق الأمر بصفة عامة على كثيرين ممن يواجهون مشاكل الفقر والبطالة على الساحة العربية . ولكن يظل بعض هؤلاء ممن شهدوا النكبة الأولى أو النكبة الثانية محتفظاً بالقضية في ذاكرته، أو متابعاً إلى حد ما لتداعياتها ومشاهدها المتمثلة في الجرائم الصهيونية .

صحيح أن من هؤلاء من سئم قتامة الصورة وانسداد الأفق، وعجزه عن القيام بأي دور فاعل، بل وعجز النظام العربي الذي تراكم عجزاً فوق عجز مهما تصاعدت وتيرة الاعتداءات الصهيونية، واستمرت حلقاتها .

إن الجيل العربي الصاعد لا يحمل في ذاكرته الكثير عن القضية الفلسطينية، وأصبح في معظمه لاهثاً خلف طموحاته الشخصية، أو محاولة حل أزماته أمام تفاقم الفقر والبطالة . وليس لديه دافع أو حافز للبحث عن جذور القضية وتاريخها، وحقوق الشعب الفلسطيني المغتصبة والأرض الفلسطينية المحتلة، وربما ليس لديه الرغبة في التقصي ومحاولة الفهم والإدراك لأبعاد القضية وتداعياتها، وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة النضال والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني كخيار مشروع، والمحصلة أنه قد لا يكون متحمساً للقضية أو مناصراً لها .

غير أنه يجب ألا يغيب عن البال، أن كثيرين غيره ممن شهدوا النكبتين أو إحداهما، واحتلت القضية حيزاً من فكرهم ووجدانهم في وقت من الأوقات، وكانوا متحمسين لنصرتها في حدود استطاعتهم، ولو كانت بأضعف الإيمان، فإن معظمهم ربما انصرف عنها نأياً بنفسه عن قتامة الصورة، وانسداد الأفق والعجز العربي المتفاقم .

ولهذا فإن محاولة استحضار القضية دائماً في أذهان الشباب العربي وفكره ووجدانه، مسألة يجب أن تكون محور اهتمام كبير، وكذلك استعادة الوعي بالقضية في أذهان الذين كانت القضية في أذهانهم وفكرهم ووجدانهم، قبل أن تصرفهم عنها إحباطات الواقع العربي الراهن، والعجز العربي في مواجهة التحديات المصيرية، وأبرزها الاحتلال الصهيوني الذي لا تقف عدوانيته عند حدود فلسطين، وإنما تطال الأمة العربية بأسرها . ويبدو أن النظام العربي الرسمي إجمالاً، وهو الذي اعتبر السلام خياراً استراتيجياً من دون أفق لهذا السلام وإلغاء أي مواجهة عسكرية بعد النكبات التي حاقت بالأمة، لا تمثل القضية في جوهرها حيزاً كبيراً من الانشغال له، وإن ظل يعلن في كل وقت أن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى، وأنه يناصر القضية بكل ما لديه من إمكانات . ورغم هذه الصورة السلبية فإن القضية الفلسطينية تبقى جذوتها متقدة في فكر الشباب العربي الفلسطيني ووجدانه وضميره، ويظل مستعداً للنضال في سبيلها متى ملك القدرة، وهو يملك الإرادة، وهي جذوة متقدة في فكر ووجدان وضمير الفلسطينيين الصابرين والصامدين والمرابطين والمقاومين، حتى داخل الكيان الصهيوني وفي مخيمات الشتات .

أما الفلسطينيون المهاجرون للدول الغربية بصفة خاصة، فربما تظل القضية متقدة عند بعضهم ممن ذاق مرارة النكبتين أو إحداهما، وتظل متقدة عند الشباب إن أوقدوها لديهم .

ولكن الحقيقة التي تفرض نفسها، أن القضية قضية وجود للشعب الفلسطيني، وقضية وجود للشعب العربي برمته، ومهما كانت اللحظة التاريخية الراهنة قاتمة، فإن التاريخ ليس رهين هذه اللحظة التاريخية .

نقلا عن دار الخليج