مشاهدة النسخة كاملة : المنطقة تكرر أزمة بداياتها


أبو فاطمة
07-03-2010, 08:36 AM
المنطقة تكرر أزمة بداياتها


سليمان تقي الدين

بعد أن عاد وزير الحرب “الإسرائيلي” ايهود باراك من واشنطن ولديه تطمينات أن أمريكا تحرص على “تفوق دولته النوعي” في المنطقة استطاعت الدولة العبرية أن تتملص من أية مطالب أمريكية ولو شكلية وأن تضع أولوياتها في صلب القرار الأمريكي . لم يعد تجميد الاستيطان في التداول، وزادت الحماية الأمريكية للإرهاب الصهيوني الذي تصاعد مع الاعتداء على أسطول الحرية، وليس في الاهتمامات الدولية تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني لإعطائه الأمل كما كان يقول الرئيس الأمريكي باراك أوباما .

يتورط الرئيس الأمريكي أكثر من الحرب الأفغانية ولو عكس تقديرات القيادة العسكرية . لم تعد الإدارة تتحدث عن الانسحاب من العراق وتساهم في تعقيد الأوضاع السياسية ربما لتمديد مهلة الانسحاب واستكمال الترتيبات الأمنية في الخليج . عطلت الحوار مع إيران ولم تستجب لمبادرة تركيا والبرازيل، وسارت في طريق العقوبات وتتباطأ في إرسال سفيرها إلى سوريا . إن دلّت هذه المؤشرات على شيء فهي تدل على احتواء المؤسسة الأمريكية لرغبات الرئيس وتطويعها لحاجات المشروع الإمبراطوري الذي ينشر أذرعه العسكرية في كل العالم . وخلافاً لبعض التوقعات من تأثير الأزمة المالية سلباً في النزعات العسكرية فإن توجه أمريكا في قمة العشرين على رفض الإجراءات التقشفية والتنظيمية لصالح البحث عن مصادر الثروة والمال في المزيد من استدراج العالم النامي للمشاركة في دفع كلفة هذه الأزمة . فإذا كان من معنى لإشراك الدول خارج المحور الأمريكي الأوروبي في تقرير السياسات المالية فهو توريطها في نقل السيولة والتوظيفات والانخراط في اتفاقات تؤدي إلى السيطرة على مواردها، وفي طليعة الأساليب والوسائل توسيع سوق التسلّح واختراع منظومات دفاعية كما تهديدات أمنية تؤدي هذا الغرض .

احتاجت أمريكا إلى عدو لكي تبرّر انتقالها من السيطرة الاقتصادية والسياسية إلى ممارسة الحرب ووضع القبضة العسكرية على مصادر الطاقة والأسواق . كان ضرورياً لهذا المشروع أن يدمّر العراق لكي يصبح أرضاً منهوبة بلا حساب . كانت بحاجة إلى الخطر الإيراني وتعظيم الملف النووي الذي مازال في بداياته لكي تصير هي حامية الخليج . كان “الإرهاب” ضرورياً أن يتمدد في غير بلد ومنطقة لكي تكون هي من يعيد تشكيل النظام الإقليمي وتملي عليه ساساته المالية والثقافية وتجعله أسير الخوف من الحركات الأصولية .

كانت الدولة الصهيونية ولا تزال ضرورة كوظيفة في المشروع الغربي لمنع هذه المنطقة من الاستقرار والتطلع إلى سياسات منفتحة على حاجات التنمية والمشاركة . الدولة الصهيونية ليست إلاّ عدواً مباشراً للشعب الفلسطيني الذي تحاول الغاءه لتثبيت حضورها ودورها . هي في الماضي والحاضر الوكيل الاستعماري الثابت الذي يتدخل في تطور المنطقة وخيارات شعوبها ودولها وتمارس هذا الدور لمصلحتها ولمصلحة الغرب بالتكامل . لم يتوقف الحلم الصهيوني يوماً عن الاندماج في مصالح المنطقة والمشاركة في ثرواتها وخيراتها .

عين هذا الكيان على النفط والغاز والماء وعلى الأسواق وعلى ما دعا إليه قادتها لشراكة “العقل والثروة” . تأخذ الغاز المصري بحدود كلفته وتستثمر الثروات المائية في الجولان وجنوب لبنان والضفة الغربية وتهدد بوضع اليد على جزء من ثروة لبنان النفطية المحتمل ظهورها على الشاطئ الجنوبي .

لا شيء يردع الطموح والمطامع الصهيونية عن طلب التسليم بما تعتبره أمنها العسكري أو المائي أو الاقتصادي . لا يمكن لهذا الكيان الذي استثمر فيه الغرب آلاف مليارات الدولارات، أن يستمر إلاّ على إعادة انتاج نفسه كوظيفة ودور يؤمن للغرب مصالحه الأساسية . من باب التفاصيل والوسائل كيف تكون الأنظمة السياسية من حوله إلاّ أنها يجب أن تكون راغبة في التعاون والتكامل والمشاركة في إخضاع المنطقة للسيطرة الغربية حارسة لأمنه ولمصالحه .

بعد ثلاثة أشهر على مهمة جورج ميتشل المبعوث الأمريكي إلى فلسطين لم تظهر ولا فكرة واحدة عن احتمالات التقدم في المفاوضات . ترتفع حرارة الحديث عن فك الحصار عن غزة . الاعتداءات والغارات مستمرة بشكل متفرق ومتقطع ولكن ليس هناك قرار بالحرب . تراجعت الأولوية الفلسطينية عن الاهتمامات الدولية وجرى احتواء أزمة أسطول الحرية بلجنة تحقيق شكلتها الدولة المعتدية على هواها . تركيا نفسها التي تعرضت للاعتداء تراجعت لهجتها الحادة وأرسلت تطمينات للغرب على أنها تبحث عن الاستقرار وليس عن تصعيد التوتر . في هذه الأثناء ينفتح ملف لبناني جديد هو حقول النفط والغاز في الشاطئ والبحر . استبقت الدولة الصهيونية الأمر بإعلان وضع يده على جزء من المياه الإقليمية اللبنانية شمالي فلسطين المحتلة .

اختلف اللبنانيون على تحريك هذا الملف لجهة ترسيم الحدود البحرية أو لجهة صلاحية المرجع اللبناني الذي يتولى الإشراف على هذه الموارد بعد التنقيب عنها . دخل النفط والغاز كملف نزاعي جديد مع الدولة الصهيونية . كما ان النفط على شاطئ غزة يشكل عنواناً آخر من عناوين الصراع . دخلنا مجدداً في عنوان الأمن الاقتصادي للدولة العبرية وحاجتها للنفط بعد المياه . ليس في الأفق ما يوحي بقدرة العرب على رفع الملف الفلسطيني إلى واجهة المعالجة . الأمريكيون عادوا يركزون على أولوياتهم في افغانستان والعراق وإيران . ترابط المشكلات والأزمات يؤكد استحالة فصلها وعلى الحاجة إلى بلورة رؤية وتعاون إقليمي عربي أساساً لمعالجتها . بقاء الأزمة الحكومية العراقية يدل على ان التجاذب الأمريكي الإيراني هو الذي يتحكم بالموقف . إطالة أمد تقوية الدولة المركزية العراقية يعزز الاتجاه التقسيمي وقد بلغ شوطاً كبيراً على الجبهة الكردستانية .

عادت المسألة الكردية تطل بدورها كعنصر يستخدم للتأثير في سياسات تركيا . عوقبت تركيا على مواقفها مؤخراً بفتح الملف الكردي وانطلاق العمليات الأمنية التخريبية . هدأت الجبهة في شمالي اليمن لكن الحراك الجنوبي يضغط على الاستقرار ويخرج الأزمة من السياسة إلى الأمن . المشهد العربي الراهن هو تراكم الأزمات وغياب المبادرات والانتظار الطويل لما سيتبلور من خطط أمريكية ليست محسومة . لكن الذي يرجح في الإدارة الأمريكية هو الاتجاه المتشدد وتضعف هيبة الرئيس الأمريكي وشعبيته ما يؤدي إلى التخلّي عن فكرة الحوار والتفاوض والشراكة في المصالح والاتجاه مجدداً إلى المواجهة .

نجحت القوى الاعتراضية في المنطقة عبر “استراتيجية الصبر” كما قال الدبلوماسي الأمريكي كروكر، لكن الكيان الصهيوني نجح أيضاً في اللعب على الوقت ولا يزال للتملص من استحقاقات التسوية . كأن المنطقة تعيد تكرار الأزمات من بداياتها .

نقلا عن دار الخليج