مشاهدة النسخة كاملة : النظام الطائفي خطر على الأمن الوطني


أبو فاطمة
07-03-2010, 08:28 AM
النظام الطائفي خطر على الأمن الوطني



عصام نعمان

ما زال لبنان ساحة تتصارع فيه وعليه قوى محلية وإقليمية ودولية . حال الصراع مستمرة، وهي تنطوي على أخطار وتحديات بعضها خارجي وبعضها الآخر محلي . أبرز الأخطار الخارجية الكيان الصهيوني ومن ورائه الولايات المتحدة ودول الغرب الأطلسي . الخطران الصهيوني والأطلسي يتجلّيان في الحرب المستمرة على المقاومة اللبنانية وحلفائها، وفي عمليات التجسس الواسعة التي تستهدف القوى الوطنية الناهضة بمسؤوليات الاستقلال الوطني والسيادة ووحدة البلاد وعروبتها وانتمائها القومي وإنمائها الاقتصادي والاجتماعي .

أبرز الأخطار المحلية الطائفية التي أضحت ظاهرة بالغة التعقيد بعدما تحوّلت من مجرد عصبية إلى نظام سياسي متكامل في خدمة شبكة حاكمة ضيقة وقوى خارجية نافذة .

لعل مواجهة “إسرائيل” في حروبها أو في شبكاتها التجسسية الواسعة مساوية في أهميتها لمواجهة الطائفية بما هي نظام خادم لأعداء لبنان ووحدته واستقلاله وسيادته ومقاومته وجيشه والقوى الحية في شعبه . فالنظام الطائفي الكومبرادوري الفاسد بات خطراً على الكيان الوطني وأداة طيعة لخدمة مخططات خارجية .

في إطار هذا الفهم للنظام الطائفي الفاسد وخطورته، دعا رئيس المجلس النيابي نبيه بري وجمعية متخرجي معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية إلى المؤتمر الأول حول “آلية تشكيل هيئة إلغاء الطائفية السياسية” . انعقد المؤتمر أواخر الشهر الماضي في المجلس النيابي بمشاركة رهط من المفكرين الإصلاحيين والأساتذة الجامعيين والاختصاصيين الدستوريين والنواب الحاليين والسابقين وجمع من طلاب الدراسات العليا في مختلف الجامعات .

من موقعي كرئيس للجلسة المخصصة لبحث “وسائل إلغاء الطائفية السياسية والفوائد الاقتصادية منها”، قدّمتُ للموضوع بمداخلة من خمس نقاط على النحو الآتي:

* أولاً، الأصح اعتماد مصطلح تجاوز الطائفية وليس الغاؤها لأن العملية الإصلاحية المتوخاة لا تنطوي على مجرد اتخاذ قرار بل على مسار، أي على تجاوز متدرج وطويل نسبياً للظاهرة المعقدة . فالدستور اللبناني يتضمن، في مجال معالجة الطائفية السياسية، مادتين . الأولى هي المادة 22 التي تنطوي على “إلغاء” الطائفية السياسية في المجلس النيابي وحصرها في مجلس للشيوخ يُستحدث “مع انتخاب أول مجلس نيابي على أساس وطني لا طائفي” . الثانية هي المادة 95 التي قضت بأنه “على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية” ( . . .) . هكذا يتضح أن تنفيذ المادتين 22 و95 يتطلب إجراءات عدة في سياق مسار سياسي ودستوري طويل نسبياً .

* ثانياً، إذ يوجب الدستور “على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين” (وقد جرى اعتماد المناصفة في جميع الانتخابات النيابية التي جرت منذ 1992 ولغاية 2009) تحقيق إلغاء الطائفية “وفق خطة مرحلية”، فإنه يمكن ترجمة هذه العبارة دستورياً في حيثيات القانون المتعلق بتأليف الهيئة الوطنية لتشمل الإجراءات المطلوبة لإعمال (أي لتنفيذ) المادة 22 التي تنطوي على حقيقة بل ضرورة هي انطلاق متزامن لمجلسي النواب والشيوخ .

* ثالثاً، إزاء حال التشرذم والانقسام والتناحر التي تسود لبنان في الوقت الحاضر، يُستحسن اعتماد لبنان كله دائرة واحدة لانتخاب أعضاء المجلس النيابي “على أساس وطني لا طائفي”، وفق قاعدة التمثيل النسبي، وذلك بوضع كل الناخبين في جميع مناطق لبنان أمام القضايا والتحديات والمشاكل نفسها المراد التصدي لها ومعالجتها، وأمام القوى السياسية بمختلف انتماءاتها وبرامجها وتكتلاتها، كل ذلك من أجل انتخاب كتل سياسية ذات برامج وطنية شاملة ومن قبل ناخبين ينتمون إلى شتى المناطق والطوائف والمذاهب والتيارات السياسية الأمر الذي يُسهم في توحيد الرؤية الوطنية وتوطيد الوحدة المجتمعية .

* رابعاً، يقتضي طمأنة الطوائف الخائفة من الإصلاحات الآيلة إلى تجاوز الطائفية السياسية على “حقوقها ودورها” داخل النظام السياسي باعتماد قاعدتين من شأنهما تحقيق المساواة بين الطوائف بصرف النظر عن تعدادها الديموغرافي من جهة وإعطاء مجلس الشيوخ صلاحيات وازنة في تقرير وتشريع القضايا والأمور الأساسية من جهة أخرى . في هذا الإطار، يُستحسن مساواة الطوائف الست الكبرى الإسلامية والمسيحية (السنّة والشيعة والدروز، والموارنة والارثوذكس والكاثوليك) والطوائف الصغرى من الأقليات الإسلامية والمسيحية (العلويون وسائر الأقليات الإسلامية، الأرمن وسائر الأقليات المسيحية) وذلك بمساواة طوائف الفئة الأولى وكذلك بمساواة طوائف الفئة الثانية بعدد مقاعدها في مجلس الشيوخ، كأن تُخصص أربعة مقاعد لكلٍ من الطوائف الست الكبرى وثلاثة مقاعد لكلٍ من الطوائف الصغرى الإسلامية والمسيحية (اثنان للعلويين ومقعد لسائر الأقليات الإسلامية، واثنان للأرمن وواحد لسائر الاقليات المسيحية) فيكون مجموع أعضاء مجلس الشيوخ ثلاثين . أما لجهة الصلاحيات، فيستحسن أن يكون لمجلس الشيوخ اختصاص النظر والتشريع في معظم المواضيع الأساسية التي اشترطت المادة 65 من الدستور أن يتخذ مجلس الوزراء قراراته في شأنها بأكثرية ثلثي عدد أعضائه وهي: تعديل الدستور، الحرب والسلم، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة الأمد، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حل مجلس الشيوخ، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية .

* خامساً، تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، بوصفه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، من دون استعادة الصلاحيات التي كانت له قبل اسنادها، بموجب اتفاق الطائف، إلى مجلس الوزراء . ذلك يتحقق بأن يكون لرئيس الجمهورية حق إحالة مشروع قانون تجري مناقشته في مجلس الوزراء على استفتاء شعبي عام تكون نتيجته ملزمة للسلطتين التنفيذية والتشريعية شريطة أن تكون لموضوعه صلة مباشرة بواحدةٍ على الأقل من قضايا ثلاث أساسية هي: الحريات العامة، الأمن القومي بما في ذلك الاتفاقات والمعاهدات الدولية، وتعديل الدستور .

ختاماً، أزعم أن من شأن الإصلاحات الدستورية المار ذكرها معالجة نظام الطائفية السياسية وتجاوزه تدريجياً على طريق بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وتعزيز الحكم الدستوري الديمقراطي في البلاد .
نقلا عن دار الخليج