مشاهدة النسخة كاملة : الديمقراطية والتنمية


أبو فاطمة
07-03-2010, 01:59 AM
الديمقراطية والتنمية



إن وضع هذين المفهومين إلى جوار بعضهما يوحي ان ثمة تعالقا وترابطا بينهما. وقد عمد العديد من الفلاسفة والمفكرين منذ القديم إلى استجلاء واستكناه هذا التواشج سعيا إلى الوقوف على مدى التفاعل والتأثير المتبادل بين ما قد اصطلح على تسميته لاحقا بالديمقراطية والتنمية.

فقد قال ارسطو بوجود صلة بين الديمقراطية والرفاهية الاقتصادية كما اتفق كبار المفكرين الغربيين من أمثال توك فيل (Toque Ville) وكونت (AConte) وماركس (K.Marx) وديركايم (Dur Keime) ويبرز (Max Weber) وجود علاقة أكيدة بين نوعية الوضعية الاقتصادية الموجودة في سياق وطبيعة النظام السياسي السائدة فيه. وقد حاول Seymour Libset أن يثبت من خلال أبحاثه في أواخر الخمسينيات أن تحسين ظروف الجماهير العريضة يجب أن يمر عبر اضطراد النماء الاقتصادي الذي يتأثر هو الآخر سلبا أو إيجابا بدرجة ديمقراطية الأنظمة السياسية.
وقد حاول Badie خلال الثمانينيات تبيان وجود علاقة وطيدة بين النمو الاقتصادي المجسد في التبادلات التجارية الدولية وبين رسوخ النظام الديمقراطي.
وقد قاد ازدياد اهتمام الساسة والمفكرين بقياس مدى العلاقة الجدلية بين النظام الديمقراطي والتنمية الاقتصادية إلى قيام منظمة اليونسكو في نهاية التسعينيات بإنشاء هيئة دولية تحت رئاسة بطرس بطرس غالي تدعا الهيئة الدولية حول الديمقراطية والتنمية. وقد أنجزت هذه الهيأة تقريرا وافيا تحت عنوا "التفاعل بين الديمقراطية والتنمية".
كل هذه الجهود والتحريات ترمي في التحليل النهائي إلى إثبات أن النظام الديمقراطي ومرجعيته الأيديولوجية والمنظومة القيمة المواكبة له هو السبيل الأوحد إلى التنمية الاقتصادية وما تتيحه من وفرة وجدة وبحبحة وازدهار وتقدم على مختلف الصعد.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل هذه الافتراضات صحيحة ؟ وهل طرائق قياس سلامتها دقيقة وموضوعية أم أنها مجرد تسويغات إيديولوجية لتسويق نسق اقتصادي وسياسي وفكري يسعى إلى احكام سيطرة الغرب على العالم وصهر حضارات باقي الأمم في قوالب موحدة لا تفسح مجال للتنوع والاختلاف والمغايرة ؟
الواقع أنه مما لا مراء فيه أن الديمقراطية هي النظام الأوحد الذي يفترض ويقتضي العدالة والمساواة والتعددية السياسية والفكرية وصيانة الحريات الأساسية واستقلالية القضاء وعلوية القانون والشفافية والمساءلة وإشراك المجتمع المدني عبر تنظيماته الجمعوية في تدبير الشأن العام وصياغة المستقبل؛ كما أن غيابها يعني الاستبداد والسلطوية وتهميش المرأة ومصادرة الحريات ومحاربة الفكر المتنور وتفشي الأمية والجهل والعقل الخرافي.
ولا ريب كذلك أن التنمية الاقتصادية هي السبيل إلى وفرة الموارد وتنامي الثروات واتساع الامكانيات؛ مما يوفر الفرص أمام إمكانية رفع الدخل وتحسين ظروف العيش بالنسبة للجماهير العريضة. ولعله أيضا قد بات من الراجح أن ثمة تواشجا وتفاعلا وتأثيرا وتأثرا بين تجذر الديمقراطية وتوطيد التنمية الاقتصادية.
إنماالشيء الذي لا يمكن تجاهله في هذا المضمار والذي يثير الحيرة والإرباك ويبعث على القلق هو أن الديمقراطية على إيجابيتها ورغم المنظومة القيمية التي تقوم عليها ورغم المبادئ النبيلة والمثل السامية التي ترتكز عليها فإنها لا تخلو من انزلاقات وإخفاقات تناقض مقوماتها وتتنافى ومراميها حيث أن مجتمعات البلدان الديمقراطية تفتقر في معظمها إلى تكافئ الفرص في النفاذ إلى الموارد وإلى الأمن والسلم الاجتماعي وكذلك إلى المساواة بين الاجناس والاعراق والطبقات الاجتماعية. كما أن الديمقراطية لم تحل دون الاحتراب بين الأمم والجموح إلى الهيمنة الاقتصادية والنزوع إلى بسط السيطرة السياسية على الغير واعتماد ازدواجية المعايير تجاه القضايا الدولية وعدم الاكتراث باحترام الشرعية الدولية وعدم التردد في اللجوء إلى القوة لفض النزاعات العالمية.
فكيف يمكن التوفيق بين هذه المسلكيات ومقتضيات الديمقراطية ؟
وكيف يمكن تسويغ الحد من حرية الصحافة في انساق ديمقراطية والذي يتجلى فيما ذكرته Freedom House من أنه لم يحصل في المعدل أي تقدم ذي بال منذ 1995 إلى اليوم في مجال حرية الصحافة وأنه في 40% من البلدان الديمقراطية في العالم لا توجد حرية حقيقية للصحافة.
وإن مما يدعو إلى الإحباط كذلك هو كون التنمية الاقتصادية الذي يراد للديمقراطية أن توطدها وتعاضدها تتمثل في أغلب الأحيان في عولمة اللبرالية المتوحشة وإفساح المجال بشكل كامل لسيطرة الشركات العملاقة العابرة للحدود وإزاحة كل الحواجز في وجه المضاربين والمقامرين المدفوعين بمحض الجشع واللهث وراء الثراء الفاحش.
كما أن تعطش الشركات الاحتكارية وكبار المضاربين العالميين إلى المزيد من الأرباح قد أدى إلى خلق ديناميكية استهلاكية جنونية قادت إلى استنزاف مفرط لموارد كوكبنا مما تسبب في اختلالات خطيرة في التوازنات المناخية والبئوية يخشى أن تكون لها انعكاسات مدمرة على كوكب الأرض وكامل ساكنته.
وليست الأزمة الكارثية التي تعصف حاليا بالنظام الرأس مالي الليبرالي وتهدده بالانهيار التام وكذا التداعيات المخيفة لظاهرة الانحباس الحراري إضافة إلى ظهور وانتشار أوبئة لم تكن معروفة قبل الآن إلا نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لتكثيف انبعاث الغازات السامة في الجو ومضاعفة حجم المواد الكيماوية والنفايات الملوثة المرتبطة بأنواع الصناعات التحويلية المختلفة.
وختاما أود أن أكد أنني لا أقصد من وراء كلامي هذا التقليل من قيمة الديمقراطية أو التشكيك في نجاعتها كنسق اجتماعي وسياسي، كما أنني لا أرمي إلى التأليب على التنمية الاقتصادية أو نعتها بالسلبية والعبثية، وإنما أريد فقط أن أهيب بكل الذين يحرصون على تقويم اعوجاجات النظام الديمقراطي وتصويب انحرافاته واختلالاته من مثقفين وقادة رأي وفاعلين سياسيين وجمعويين أن يحكموا قبضتهم على جميع الميكانيزمات والرافعات الكفيلة بتصويب العمل الديمقراطي في كل أبعادة وانتهاج العملية الديمقراطية النهج القويم المنسجم مع أهدافها ومراميها والمتماشي مع قيمها ومثلها السامية.
كما أنني أهدف كذلك إلى التنبيه إلى ضرورة جعل الانسان هو محور ومبرر ومحك نجاعة وجدوائية التنمية الاقتصادية بكل أنواعها.
ذلك أن هدفها الأول والأخير وغاية وجودها يجب أن يكون هو إسعاد الإنسان وتطويره على كل الصعد والارتقاء به إلى أسما مكانة ممكنة بالحياة.
أ‌. محمد الأمين ولد الكتاب

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء