مشاهدة النسخة كاملة : "إسرائيل" تخسر أحد أهم حلفائها


أبو فاطمة
07-03-2010, 01:13 AM
"إسرائيل" تخسر أحد أهم حلفائها

د. فايز رشيد

خسارة إسرائيلية كبيرة لا يمكن تعويضها. هذه الجملة المختصرة تعبر تماماً عن واقع العلاقات التركية - الإسرائيلية الحالية, والمرشحة بأن تشهد المزيد من التدهور، وبالفعل لم يستقطب حدث خلال الأشهر الأخيرة هذا الاهتمام الإعلامي والدولي الكبير، والذي أسفر عن تداعيات كثيرة وكبيرة مثل الهجوم البربري الصهيوني على قافلة أسطول الحرية في البحر المتوسط، فإضافة إلى الجريمة النكراء بحد ذاتها، فإن انعكاسات ما جرى، بدا وكأنه المسمار الأخير في نعش العلاقات التركية - الإسرائيلية، التي تردت بالمعنى التدريجي منذ بداية تسلم حزب العدالة والتنمية في تركيا.

كتابات وتحليلات كثيرة كُتبت ولا تزال تُكتب حول العلاقات التركية - الإسرائيلية. البعض يصور ردود الفعل التركية على جريمة الأسطول، بأنها فورة غضب، ولا تلبث أن تعود العلاقات بين الطرفين إلى سابق عهدها. كتابات تتطرق إلى ما أسمته اللعبة السياسية التي تمارسها أنقرة للدخول في الاتحاد الأوروبي من باب تأثيرها ودروها القوي في المنطقة. وتتساءل بعض الأعمدة الصحفية بسخرية عن الدور التركي من خلال التساؤل: وهل ستقوم تركيا بتحرير فلسطين؟ وأخرى تستذكر الآثار السلبية للحقبة العثمانية في الوطن العربي، وتستنكر إمكانية العودة إلى مرحلة شبيهة, وإلى آخر هذه التحليلات، التي لا تنطلق من مقاييس الموضوعية، بل من غايات وأهداف، البعض منها تشكيكي, والآخر استنكاري, ومواقف تعمل على إلباس تركيا ثوباً من التحليلات والمواقف, لم تصدر عنها.

منذ النجاح الذي أحرزه حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2002 وتسلمه للحكومة، بدأت مقدمات عهد تركي جديد في الظهور، من ملامحه: التعامل مع الولايات المتحدة ليس كتابع استراتيجي، وإنما كند استراتيجي فيما يتعلق بشؤون المنطقة. كان عدم السماح للقوات الأميركية باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق بداية هذه المقدمات، وشكَّل آنذاك بداية تغيير في العلاقات التركية - الأميركية. أيضاً حرصت تركيا على تطبيع علاقاتها مع جمهورية أرمينيا, ومع حزب العمال الكردستاني. فيما يتعلق بما يُتهم به الأتراك (من اقتراف مذبحة تاريخية ضد الأرمن) وتهديدات بعض السياسيين الأميركيين بإثارته في الكونجرس الأميركي, اتخذت تركيا موقفاً حمل في طياته تهديداً للولايات المتحدة، بأنه وإذا ما أثيرت هذه المسألة, فإن ذلك سيلحق ضررًا بالعلاقات التركية - الأميركية، وبالفعل اضطر أوباما إلى الابتعاد عن استعمال كلمة (مذبحة) عند الحديث عن هذا الموضوع، ونادى مراراً بتطبيع العلاقات التركية - الأرمنية.

من ملامح عهد حزب العدالة والتنمية أيضاً، أن الموقف التركي بالنسبة ل"إسرائيل" بدأ يشهد اختلافاً جذريّاً، ففي مراحل ماضية فإن العلاقات التركية - الإسرائيلية تميزت بمتانتها وبعدها الاستراتيجي, ومثلت تركيا الدولة الصديقة الأفضل ل"إسرائيل" في المنطقة، بعد ذهاب حكم الشاه إثر الثورة الإيرانية.

حزب العدالة والتنمية ولأسباب سنتطرق إليها فيما بعد، ألغى الصفة الاستراتيجية عن العلاقة مع "إسرائيل"، وأبقى على علاقة المصالح المشتركة، من خلال منظور يتمثل أحد أهم أسسه الانفتاح على دول الجوار العربي وإيران. لذلك شهدنا ونشهد تطوراً مطرداً في العلاقات التركية مع إيران ومع الدول العربية. وبخاصة الجارة سوريا، وتأييداً كبيراً للحقوق الوطنية الفلسطينية. القضايا العادلة العربية أيضاً أتت ضمن هذا السياق، ومن ثم بدأ الفتور المتدرج في العلاقة التركية - الإسرائيلية، وفي سياقها جاءت حادثة أردوغان في دافوس، والمحاولة التركية لرعاية مفاوضات غير مباشرة بين سوريا و"إسرائيل"، تبين للأتراك بعدها زيف مقولات السلام الإسرائيلية، وجاءت أيضًا التصريحات التركية المتصاعدة في حدتها وخاصة بعد العدوانيين الصهيونيين على لبنان في يوليو عام 2006، وعلى قطاع غزة 2008-2009 والمذابح والمجازر التي ارتكبتها "إسرائيل" في العدوانين، الأمر الذي زاد في توتير الأجواء بين الطرفين. قبل حادثة الأسطول تراجعت أنقرة عن دعوة "إسرائيل" لحضور تدريبات عسكرية للناتو في عام 2009، وقامت بإلغاء المناورات مع "إسرائيل" بعد الاعتداء على أسطول الحرية.

وفي نفس السياق جاءت حادثة إهانة السفير التركي في "إسرائيل"، وإصرار تركيا على اعتذار الكيان الصهيوني. وبالفعل هذا ما تم.

الاعتداء الإجرامي على الأسطول, كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لذلك كانت ردود الأفعال التركية العنيفة, المتمثلة في خطوات عملية, وفي تصريحات عنيفة وصلبة.

وكرد إسرائيلي على هذه المواقف، ووفقاً لما نشرته صحيفة (حرييت) التركية، فإن العمل حاليّاً يجري في "إسرائيل" على تنظيم قافلة من السفن الإسرائيلية للتنديد (بغزو تركيا لشمال الجزيرة)، تحمل شعاراً رئيسيّاً هو (تعالوا ننهي احتلال تركيا لشمال قبرص). عززت هذا الخبر أيضاً صحيفة فيليلفثيروس القبرصية، والتي ذكرت أن اثنين من الناشطين الإسرائيليين وهما: اليكس جولداب العضو السابق في الكنيست وبنيامين هارآزاف وهو ناشط متطرف في حزب ميرتيس, سيقودان مجموعة ناشطين إسرائيليين وأجانب, وسيكونان معهم على متن إحدى سفن أسطول التنديد الإسرائيلي (بالاحتلال التركي لشمال الجزيرة).

الخطوات التركية التصعيدية في حدتها تجاه الكيان الصهيوني، مرشحة لأن تستكمل بخطوات أخرى. أما على صعيد التحول في الموقف التركي من "إسرائيل" في مرحلة حزب التنمية والعدالة فلذلك أسبابه ومن أبرزها: أن الحزب في أساسه هو حزب إسلامي التوجه, مستنير، يدير تركيا بذكاء كبير بعيداً عن المهاجمة المباشرة للعلمانية، يعتمد في أطروحاته على التأييد الجماهيري التركي الكبير له ولمواقفه، القريبة من تفكير وإحساس غالبية الشعب التركي. لقد وصل التأييد الشعبي للحزب ذروته وأوجه في الانتخابات التشريعية الماضية، إضافة إلى خطته القاضية (والتي أيضاً يطبقها بذكاء كبير) بالحد من تدخل سلطة الجيش في الحياة السياسية. الحزب منشد أيضاً إلى التاريخ الطويل من العلاقات المشتركة مع الجيران العرب, كما أن من الصعب على حزب يطرح العدالة في برنامجه, أن يقوم بتأييد المواقف والسياسات الإسرائيلية المغرقة في جرائمها وشوفينيتها وعنصريتها.

ضمن هذه المعطيات فالتردي في العلاقات التركية - الإسرائيلية مرشح للتفاقم. أما عن العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين الجانبين، فهي في معظمها حصيلة عهود سابقة, لكن وبالضرورة فإنها ستتأثر أيضاً, طالما بقي حزب التنمية والعدالة في السلطة، وبالطبع نتمنى ذلك.

ملخص القول إن تركيا تشكل خسارة كبيرة ل"إسرائيل".

* كاتب فلسطيني

نقلاعن المركز الفلسطيني