مشاهدة النسخة كاملة : قمر جديد وألف قناة من أجل الأقصى!!


أبو فاطمة
07-03-2010, 01:08 AM
قمر جديد وألف قناة من أجل الأقصى!!



أ. د. سليمان صالح

يثير القرار الفرنسي بإغلاق قناة الأقصى عدداً من القضايا التي يجب أن ندرسها بعمق، وعدداً من التحديات التي يجب أن نواجهها بخيال مقاوم وبعقل قادر على الابتكار.

فالبشرية تعيش عصر ثورة الاتصال التي غيرت حياتها وشكلت إمكانيات جديدة لإدارة الصراعات العالمية باستخدام وسائل الإعلام والقوة الناعمة والتأثير على الرأي العام وتشكيل الصور الذهنية، وفرض القضايا الوطنية على الأجندة العالمية، وهذه علوم تتطور بشكل سريع، ومن يدرسها ويستوعبها هو الذي يمكن أن يكسب في المستقبل ويحقق انتصارات على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.

وبالرغم من الاعتراف بأهمية التطور الإعلامي الذي شهده الوطن العربي خلال العقدين الماضيين إلا أننا أيضاً يجب أن نعترف أن العرب مازالوا يعانون من الضعف الاتصالي والإعلامي، ومن التبعية للنظام الإعلامي العالمي، والاعتماد بشكل مكثف على المصادر الغربية في تغطية الأحداث.

والقوى الاستعمارية عملت منذ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1881 حتى الآن على إضعاف العرب إعلامياً واتصالياً لكي يتم فرض الثقافة الغربية التي تقلل من قدرات الأمة على المقاومة والاستقلال وتحقيق التنمية والتقدم.

إعلام الكفاح الوطني

لذلك يجب أن نفهم دلالات القرار الفرنسي بإغلاق قناة الأقصى في ضوء ذلك حيث إن هذه القناة شكلت دليلاً على أن العرب يمكن أن يقيموا صناعة عربية وإسلامية مستقلة للإعلام والاتصال تستطيع أن تقدم مضموناً يجعل لحياة الإنسان معنى، ويتحدى حالة التفاهة والسطحية التي تريد أن يفرضها الغرب على البشرية.

الأمر يحتاج إلى شرح طويل لكن أكتفي هنا بأن أوضح أن الفلسفة الإعلامية والاتصالية الغربية تقوم على جذب انتباه الجماهير وإثارتها عن طريق التركيز على استخدام الجسد الإنساني وهو ما يتناقض مع كرامة الإنسان ويشكل انتهاكاً لكرامة المرأة وحقها في التعامل معها كإنسانة لها قيمة وأهمية في الحياة تفوق إمكانيتها الجسدية، والفلسفة الإعلامية الغربية تغرق البشرية في التسلية، بحيث يتم السيطرة عليه وإخضاعه باستخدام الأشياء التي يحصل على قدر من المتعة بمشاهدتها.

لكن المضمون الذي تقدمه معظم القنوات التلفزيونية والذي يقوم على التسلية يشكل دليلاً على إفلاس الحضارة الغربية، فهذه الحضارة التي يرجع لها الفضل في تطوير تكنولوجيا الاتصال لم تستطع أن تحمل آلاف القنوات ومواقع الإنترنت وصفحات الصحف إلا بذلك المضمون المسلي الذي لا يحترم الكرامة الإنسانية ولا يساهم في ترقية حياة الإنسان.

لذلك تحتاج البشرية إلى ثورة اتصال جديدة تقوم على صناعة جديدة للمضمون بفلسفة تهتم بعقل الإنسان وروحه وحياته وتعطيه المعرفة التي تطور حياته وتجعله فاعلاً ومنتجاً وحراً وقائداً وسيداً وعالماً وإماماً وصاحب قضية وموقف ورسالة، ومشاركاً في تحقيق أهداف وطنية وحضارية وإنسانية.

هذا المضمون الجديد يمكن أن ينطلق من تجارب كفاح ضد الاستعمار والاستبداد والطغيان والعبودية الحديثة. لذلك يشكل نموذج إعلام الكفاح الوطني بداية لثورة الاتصال القادمة التي تقوم على المضمون.

ومن هنا تتضح أهمية قناة الأقصى كدليل على إمكانيات نجاح إعلام الكفاح الوطني، وأن المستقبل يمكن أن يكون للوسائل الإعلامية صاحبة الموقف والرسالة وأن الجماهير يمكن أن تتجه لهذا النوع من القنوات الذي يشكل بديلاً لقنوات التسلية.

لذلك تشكل قناة الأقصى عملية مقاومة إنسانية وحضارية للفلسفة الإعلامية الغربية، وبداية لبناء صناعة إسلامية عالمية للمضمون الإعلامي.

رواية جديدة

لكن القرار الفرنسي كان نتيجة لضغوط إسرائيلية وهذا يوضح مدى قوة تأثير الصهيونية على النظام الإعلامي الدولي.. و"إسرائيل" تعرف جيداً أهمية الإعلام، ولقد استخدمته في إلحاق هزائم متتالية بالعرب.

لكن الجديد هو أن العرب قد أصبح لهم قنوات يمكن أن تقدم رواية للأحداث تختلف عن الرواية الإسرائيلية.

لأول مرة يحصل العالم على رواية جديدة لقصة المعاناة الإنسانية الفلسطينية التي تتفوق كثيراً على كل ما نشرته "إسرائيل" حول معاناة اليهود.

و"إسرائيل" نجحت في أن تمنعنا من أن نروي قصتنا لعقود طويلة.. لذلك فإنه يشكل ضربة قاسية لها أن يحصل الناس على رواية جديدة لقصة شعب يصر على تحرير أرضه ويقاوم الاحتلال ويصمد في مواجهة الحصار. وكثير من الشعوب المظلومة تشتاق لمعرفة هذه القصة ويمكن أن تتعلم منها وتكررها.

ويمكن أن تصبح تلك القصة من أهم أركان ثورة المضمون القادمة.

والعرب أنفسهم يحتاجون أن يعرفوا قصة الشعب الفلسطيني الحقيقية بعد أن نجح الحكام المستبدون في تشويه تلك القصة بهدف تبرير عملية السلام مع "إسرائيل"، أو بمعنى أدق تبرير استسلامهم وعجزهم وتبعيتهم وخوفهم من "إسرائيل".

وعندما عرف العرب قصة الصمود والتضحيات والرجولة العربية تعاطفت الجماهير وبرز ذلك واضحاً خلال العدوان الإسرائيلي على غزة.

و"إسرائيل" تدرك مدى خطورة الإعلام القادم والمقاومة الإعلامية في تشكيل رأي عام عربي قوى قد يتطور مع الزمن ليشكل تغييراً للواقع.

أبطال يتحركون

ولسنوات طويلة كان العرب يستدعون سيرة أبطالهم من ذاكرتهم التاريخية ليشكلوا نوعاً من الفرار من واقع رديء.

وعندما اشتد ظلم المستبدين لشعوبنا تزايد الحنين لأبطال التاريخ العربي.. لكن الإحباط والهوان والخوف جعل العرب يشعرون بأنهم لا يستحقون حتى الذكريات.

لكن قناة الأقصى جعلت العرب يشاهدون أبطالاً يتحركون على الأرض ويتحدثون ببلاغة، ويعبرون عن قضيتهم بلغة عربية فصحى تنساب بتلقائية جميلة كفرسان العرب في زمن القوة وهم يحملون رسالتهم ويفتحون البلدان ويقيمون الحضارة ويعلمون البشرية.

لقد جعلتنا قناة الأقصى نغني للمقاومة، ونتمنى أن يكون أبناؤنا مثل هؤلاء الأبطال الذين يتحركون بأنفه وشموخ وعزة وثقة.

لذلك كان من الطبيعي أن تستخدم "إسرائيل" كل قوتها لإغلاق قناة الأقصى.. لكننا يجب أن نقاوم وننتفض ونقاتل من أجل الحرية والمعرفة. ونتحدى الواقع ونبتكر فنوناً جديدة في كفاحنا طويل المدى.

فإن كانت فرنسا قد أثبتت تحيزها ل"إسرائيل" وانقلابها على الحرية بإغلاق الأقصى، فإن العرب لابد أن يقاوموا بإنشاء قمر جديد يحمل ألف قناة تنشر ثقافة المقاومة، ولدينا الكثير من الأثرياء العرب الذين لا يعرفون كيف ينفقون ثرواتهم المكدسة في بنوك أوروبا وأمريكا.

فماذا لو حمل بعض هؤلاء الأثرياء المستقبل أمتهم، وبرهنوا على حبهم لدينهم ووطنهم بإنشاء قمر صناعي عربي جديد ومستقبل يحمل قنوات تقدم نوعية جديدة من المضمون وتشكل ركناً من أركان مجتمع المعرفة الإسلامي، و"إسرائيل" التي نجحت في إغلاق الأقصى يمكن أن نرد عليها بألف قناة من أجل الأقصى يحملها قمر صناعي عربي يديره مثقفون وعلماء يحملون هم أمتهم ويعتزون بالانتماء لها، ويريدون أن يعيدوا لها مجدها وقوتها.

وقناة الأقصى جعلت الكثير من العرب يعتزون بهويتهم،.. لذلك فإن القنوات الجديدة يجب أن تعيد لكل عربي فخره بالانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس.. فهي أمة رغم الظلم والحصار والطغيان ما زالت قادرة على المقاومة.

والأبطال الذين شاهدهم العرب على شاشة قناة الأقصى وهم يقاومون ويحلمون بتحرير أرضهم يحتاجون إلى الكثير من الإعلاميين الأبطال الذين يستطيعون أن يرووا قصصهم الإنسانية.

وعندما يتحرك أبطالنا عبر شاشات التلفزيون سيقلدهم ملايين الشباب ويشعر ملايين العرب بأنهم قادرون على المقاومة والتحدي وبناء المستقبل وإعادة بناء الحضارة الإنسانية.

لذلك فالرد على قرار فرنسا بإغلاق قناة الأقصى يكون بإنشاء قمر صناعي عربي مستقل يحمل ألف قناة من أجل الأقصى تشكل أساساً لمجتمع معرفة إسلامي عالمي، وتنشر ثقافة المقاومة، وتقود المقاومة الثقافية للاستعمار والاستغلال والطغيان والاستبداد.. وأمتنا تمتلك الإمكانيات المادية والثقافية لتحقيق ذلك الهدف العظيم.

نقلا عن المركز الفلسطيني