مشاهدة النسخة كاملة : العبث في الماهية والهُوِيَّة


أبو فاطمة
07-03-2010, 12:33 AM
العبث في الماهية والهُوِيَّة



د. أحمد محمد المزعنن


تنبيه :إن وظيفة هذه الدراسة هي إصدار أحكامٍ تقريرية موضوعية على الواقع بعيدًا عن الأحكام المعيارية التي تجنح إلى الوصم والإدانة بلا دليل ، باستثناء الوصف المستخدم في وصم أوسلو بِ ( المشؤومة ) فهو وإن كان يحمل في ظاهره صفة المعيارية إلا أن المؤشرات والأدلة الواقعية والدراسة والمتابعة والفحص الموضوعي المحايد للفعل الفردي والجمعي لفريق أوسلو ـ وليس للفكر والعقائد والنيات ـ يُشكل أدلة على صدق هذا الحكم بأنه حكم تقريري عن واقع حال هذه التجربة التخريبية المشؤومة .

من المتفق عليه علميًّا وإنسانيًّا أن الأحكام التقريرية وحدها هي البناءة الهادفة إلى الإصلاح ، وهي التي تبني الحياة الإنسانية ، وتصون الأوطان ، وتساعد على إثراء تجربة النقد الذي يعمق التجربة ويحميها ، والتجارب المتعلقة بالأوطان هي أهم تلك التجارب ، ويجب أن تكون أبعدها عن الخلاف لأنها تمس الوجود والماهية وليس فقط الهُوية .

إن هذه الدراسة تتبنى الخط الوسطي المحايد ، ولا تمثل وجهة نظر معينة لطرف أو لآخر ـ حزبًا أو منظمة أو جهازًا ما من أي نوع أو لون ـ وكل ما يعني الكاتب هو وجود وهُوية كل هؤلاء انطلاقًا من الهُوية المشتركة والمصير الواحد ، وليس له هدف سياسي إلا بالقدر الذي تفيد النتائج والملاحظات والاستنتاجات في تعديل المسارات إن كان ذلك ممكنًا ، والهدف النهائي هو الكشف عن الحقيقة المتمثلة في الخلل الذي ارتكبته سلطة أوسلو المشؤومة ، فلعل في بعض التذكير يكون النفع لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ! وهل لا يزال في فريق أوسلو بعض الرجاء ؟ أم على قلوب أقفالها ؟!

أولاً : البحث في الماهية والهُوِيَّة

تمهيد :

· إن الصراع مع الصهاينة في المرحلة الراهنة صراع معرفي في جانب كبير منه ، وتُلقي قضية التعريف والترميز حاليًا بظلالها على الصراع في الجانب الذي يعتقد فريق أوسلو أنه بالإمكان وضع نهاية له تتفق مع رؤية اتفاقية أوسلو المشؤومة ، فهل يمكن لمنطق القوة الغاشمة أن يفرض نفسه على الوجود الإنساني ؟ وهل يعتقد الصهاينة أن نموذج الغزو الغربي الهمجي للقارة الأميريكية الشمالية منذ اكتشافها في أواخر القرن الخامس عشر وإبادة شعبها من الهنود الحمر يمكن أن يتكرر في الأرض المقدسة ؟ ألا يقرأون القرآن حتى كمجرد نشاط ثقافي احتياطي بدافع حب الاستطلاع ويراجعون نصوص السنة النبوية وأحداثها المتعلقة بهم ويتأكدوا من أن عملية التعريف المتعلقة بهم وبمصيرهم هي قضية محسومة ؟ ألا يراجعون الكثير من التجارب الإنسانية التي كانوا طرفًا إفساديًا رئيسًا فيها ؟ ألا يراجع فريق أوسلو أيضأ ممن ربط مصيرة بالدولة الصهيونية الغازية مشروعهم التنازلي المفرط الانهزامي القاتل لشعبهم ؟ أم على قلوب أقفالها؟

· في ظل تسارع الأحداث على الشعب الفلسطيني في الوقت الراهن يجري رهان محموم من الأطراف الداخلة في عملية التسوية وعلى كل الصعد ، كلٌ له رهانه المرتبط بالمصالح الإقليمية والقطرية وأحيانًا الشخصية ، ونتجت هذه الحالة في ظل الأوضاع الحرجة التي تتعرض فيها دول مركز القوة في الأمة العربية لضغوط سياسية واقتصادية البعض منها ظاهر ، والكثير خفي مستتر،وكل له مؤشراته ونتائجه،وفي حالة المجتمعات والأمم ذات العمق التاريخي والبعد الحضاري والوزن الثقافي تتم الاستجابة لمثل هذه الضغوط عن طريق استثمار عناصر القوة في الأمة ،ومن أهمها العمق التاريخي والثقل الثقافي المعزز بالموقع الإستراتيجي الفريد ، والتجانس الديموغرافي والإثني والعقدي ، وانخفاض سقف الحاجات المعيشية الضاغطة للشعوب على الحكومات ، بما يمكن أن نعتبر معه أن الفقر وانخفاض مستوى المعيشة يكونان أحيانًا نعمة ، يضاف إلى ذلك الارتفاع بسقف الشعور الوطني وليس القُطري في وجه هذه الضغوط ، وتوظيف رموز البطولات الدينية والقومية والوطنية السابقة والحالية ، والسعي لتحقيق أقوى الروابط الاجتماعية عن طريق توسيع قواعد العمل الشعبي واستنهاضه ليدافع عن مقومات وجوده بواقعية وإيجابية بعيدًا عن الغوغائية والمظهرية ، وحسب نظرية التحديات لأرنولد توينبي (1989م ـ 1979م ) فإن القوة والتماسك والخصائص الإيجابية في استثمار عناصر القوة في الشعوب والجماعات الإنسانية تبلغ أقصاها عند وجود التحديات الداخلية والخارجية ، وهو ما بالغت إدارة الرئيس الأميريكي جورج دبليو بوش في استثماره عندما صنعت لها عدوًا أطلقت عليه الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م،واستخدمته في إعلان الحرب على المسلمين والعرب خدمة للأمن الصهيوني ، واستجابة لشهوة التوسع والغزو ، ونهب الثروات ، ونشر الفساد والتمكين لعملائها باسم الديموقراطية (العراق نموذجًا).

· ومن الضروري التوقف مليًا أمام الحالة الفلسطسنية التي يحاول فريق ممن يدَّعون الحرص على المشروع الوطني بيع ما تبقى من قضيتها في ظل حالة انقسام فريدة وشاذة في مسار النضال الوطني منذ بدايته، ويعلن رأس هذه الفريق رئيس السلطة الفلسطينية ( محمود عباس ) ومن خلفه من المتورطين في المفاوضات الخفية والعلنية ، يعلنون وبصراحة بالغة عن الهدف النهائي لهذه المفاوضات بأنه إنهاء الحالة التي تعتبر فيها الدولة الصهيونية قوة احتلال ، وأن يصبح هناك دولتان متجاورتان ، وأنهم سيعملون على بناء دولة من أي نوع بمساحة حددها علانية ، وأعلن أكثر من مرة تنازله عن الحقوق الثابتة للشعب في العودة إلى أرضه التي طُرِد منها ، على الرغم من أنه لم يأخذ تفويضًا من أحد ، وهو كما يُشاع عنه أنه يحمل درجة الدكتوراه في القانون من موسكو ، ومن بدهيات القانون موضوع التفويض ، وهو أصل في مهنة المحاماة ، وأساس من أسس الحكم في العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه أي سلطة ، فلماذا هذا التجاهل للبدهيات ؟ ولمصلحة مَن ؟ وإلى أين يتجه رئيس الشعب بشعبه ؟

· يكرس الوضع الراهن للشعب الفلسطيني الذي تهدده الظروف الراهنة في العنصر الأساسي لوجوده : الماهية والهوية ، وملابسات وتطور حالة الحصار في غزة وما نتج عنها من نتائج فردية وجمعية تثبت ذلك .

· ومن الضروري البحث في ماهية وهُوية الإنسان الفلسطيني ثم الوطن الفلسطيني ؛ لتتضح الصورة أمام هذا الفريق الذي سار بعيدًا في عملية التنازل عن الحقوق الأساسية الثابتة ،فمنذ بداية مشروع أوسلو المشؤومة كانت الماهية والهُوية الهدف الرئيس المستهدف لهذا الفريق منذ دخول الاتفاقيات السرية والعلنية في أوسلو حيز التنفيذ ، لقد عبث محمود عباس وأحمد قريع وفريقهم ولا يزالون ـ وعن قصد وسابق إصرار بهُوية الشعب الفلسطيني ، وعملوا بلا كلل أو فتور على زيادة تفتيت هذه الهُوية عن طريق تواطئهم([i]) مع العدو الصهيوني في التصنيفات وإعادة التعريف لمكونات الشعب الفلسطيني ، وتقسيماته الإدارية تحت ستار التنظيم والسلطة والقانون والتشريع وغير ذلك من الحجج التي لم تنطلي على أحد باستثناء القلة المنتفعة ، ولم ينتج عنها إلا زيادة التقسيم والانقسام والتفتيت ودخول الشعب في نفق مظلم لا يعلم إلا الله وحده المخرج منه .

· بالطبع سنركز على الجانبين الإداري والاجتماعي من قضية التعريف وإعادة الترميز ؛ لأن السياسة متغيرة متقلبة ، وتتبع في غالب الأحيان المجتمع الذي يقودها وتقوده في عملية شد وجذب ، أما الجانب الاجتماعي فإن التغيير فيه يستغرق وقتًا طويلاً ، وإعادة التغيير أشد صعوبة ، وأفدح خسائر ،وأعظم كلفة ، وهو ما قامت به سلطة أوسلو عندما أدخلت الشعب فيه قبل الأوان في ظل ظروف استثنائية شاذة .

· ويحق لنا أن نسألها من باب التحذير والاستفسار ليس إلا :

لماذا وإلى أين ؟



الماهية :

1. ـ مفهوم الماهية من القضايا الفلسفية ذات العلاقة بمفهوم الوجود، وبينهما تداخل ، غير أن بينهما حدودًا فاصلة، ولتوضيح مفهوم ماهية شىء ما لا بد أولاً من التعرف على حقيقة مفهومي الماهية والهُوية كقضية علمية مستقلة عن هذا الشىء أولاً ، ثم نتعرف على مدى توفر شروط ماهية ما نبحثه ، وبالنسبة لماهية وهُوية الإنسان الفلسطيني اللتين ترتبطان بماهية الوجود للأرض والتاريخ ومجريات الوضع الراهن بما اكتظ به من التفاصيل التي شوهته بهدف التضليل والتهرب من التبعات والمسؤوليات ، ماهية الإنسان الفلسطيني وهُويته كلتاهما غير محددتين في منطق أوسلو المشؤومة وتوابعها ، وهذا أمر مقرر لا يمكن إنكاره ، أو الشك فيه ، ومن هذا الوجود المشوه والهُوية الممزقة ينطلق فريق أوسلو الذي يبحث تفاصيل لا علاقة لها بحقائق الوطن ولا بوقائع وجود الشعب ، ويتجاهل هُوية الشعب الذي مزقته الخلافات والتحالفات.

2. ـ وكلمة ( ماهية ) مصدر صناعي مأخوذ من سؤال ( ما هو؟ ) أو ( ما هي ؟ ) التي تقال في السؤال عن حقيقة الشيء ، ومن هنا عرّفها الحكماء بأنها « ما يقال في جواب ما هو ؟ أو ما هي؟ » واستخلص الجرجاني من تعريف الحكماء المذكور تعريفا آخر هو أن : « ماهية الشيء هي : ما به الشيء هُوَ هُوَ. (التهانوي،1996م)([ii]).

3. فالماهية هي الواقعة فى جواب ما هيَ أو ما هو ؟ فإذا قلتَ: ما هو زيدٌ ؟ وجاءك الجواب بأنه إنسان ، أو قلت : ما هو الإنسان ؟ وجاءك الجواب : بأنه حيوان ناطق ، كان الجواب عن هذا السؤال بذاته ماهية الانسان ، وبعبارة أخري : إن الماهية بيان لحقيقة الشيء وذاته التى تميزه عمّا سواه.

4. تلعب اللغة دورًا أساسيًا في تحديد الماهيات والهويات والتعبير عنها ، وتسهم في تشكيل المدارات الثقافية التي تدور فيها الأشياء ككيانات معرفية تصنع السلوك اليومي ، وتبني الطموح الفردي والجمعي ، وتتدخل في صياغة الأبنية الاجتماعية وعملياتها الدائمة في الصراع والتفاعل والتعاون والتنسيق والتنظيم والتدبير أو الإدارة وغيرها من العمليات المعبرة عن الصيرورة الدائمة . وللغة العربية تحديدًا ميزة على غيرها من اللغات في صياغة الماهيات والهُويات نظرًا لالتصاقها الوثيق بالعقيدة الموثقة في نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف وهما المصدران المعرفيان الأولان أسبقية ووجودًا واعتبارًا .

5. الماهيات متعددة بتعدد الأشياء ، لكن الوجود واحدٌ ، فكل موجود له ماهية لكن الوجود واقع كلي يشمل الماهيات .

6. يكتسب المكان والزمان الأبعاد المعرفية والثقافية التي تحدد طبيعة الحقيقة أو الماهية من المصادر المعرفية الأولية والثانوية ،والمصدران الرئيسان بالنسبة للأمة العربية أو أي شعب ينتمي إلى الكيان التاريخي والجغرافي العربي هما القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة .

7. ومن هذا يظهر أن الماهية تحدّد حقائق الأشياء وتميّز بعضها عن البعض الآخر بعد اتحادها فى الوجود ، فلولا الماهية لم يتحقق التحديد والتشخيص فى تصور ومفاهيم الموجودات ، ولم تتضح حقائقها ، وفي علاقة مفهوم الوجود بمفهوم الماهية فإن المفهوم الأول يتمتع بالأصالة ؛ إذ أن الوجود واحد ، بينما الماهيات متعددة فهي حقائق اعتبارية فقط ، فالوجود هو الأمر العام المشترك ، وأما الماهية فمسألة اعتبارية لتحديد خصائص الأشياء وتمايزها.([iii])

8. ولكن الماهية عند الكفوي ( ت 1094هـ ـ 1683م ) أهم من الحقيقة ؛ لأن الحقيقة لا تستعمل إلا في الموجودات ، يقال : إن للموجودات حقائق ومفهومات ، والماهية تستعمل في الموجودات والمعدومات ، يقال : للمعدومات مفهومات لا حقائق ، وتطلق الماهية والحقيقة على الصورة المعقولة وكذا على الوجود العيني . وإذا أريد بالماهية ما يُتَصور في الذهن ، وبالوجود ما يكون في الخارج ، فالفرق بين متصورات الأشياء وموجودات الأعيان فرق صحيح ، فالماهية هي ما يرتسم في النفس من الشىء ، والوجود:هو نفس ما يكون في الخارج.

9. وقد قال بعضهم : الأمر المُتَعَقَل:

أ ـ من حيث إنه مقولٌ في جواب ( ما هو؟ ) يسمى ماهية.

ب ـ ومن حيث ثبوته في الخارج ، يسمى حقيقة.

ج ـ ومن حيث تميزه عن الأغيار، يسمى هُوِيَّة.

د ـ ومن حيث حمل اللوازم عليه ، يسمى ذاتًا."(الكفوي،1998م)

واستطرادًا مع هذا الطرح المنطقي فإن ماهية فلسطين هي الحقيقة المعرفية الأزلية التي تحدد موقعها وأرضها ومناخها وطقسها وتربتها وتاريخها وأحداث هذا التاريخ ، وبمعنى آخر تستغرق البعدين المكان والزمان ، والبعد الثالث الذي يستند إلى هذين البعدين وهو البعد المعرفي الثقافي الذي تحاول الصهيونية إزالته وطمسه في أكثر عصور التاريخ البشري استنارة وتوثيقًا واتباعًا لأصول المنهج العلمي في الوصول إلى الحقيقة ، ولنا أن نتساءل على مستوى البحث العلمي الجاد : لماذا يجري طمس الحقيقة ؟ ولماذا يسكت عن عمليات التزوير ؟ والجواب عن هذين التساؤلين يقودنا إلى البحث في صلب ثقافة الصدق ، وثقافة الكذب التي تتبناه جميع القوى المعاندة للحق ، المزورة للحقيقة ، وأخطر ما في الأمر أن ذلك يجري في عملية اغتصاب للتاريخ الإنساني في بعده الدولي المتمثل حاليًا في القوة الأميريكية الغاشمة التي تنفرد بتشويه التاريخ الإنساني وتزويره في سابقة لم تحدث من قبل .

ماهية أو حقيقة فلسطين كما هو موثق في المصدر المعرفي الرئيس ( القرآن الكريم ) اسمها الأرض المقدسة ، والأرض المباركة ، وفي بعدها المعرفي التاريخي : أرض كنعان ، وفي بعدها المعرفي الإنساني العام : فلسطين أرض الميعاد ، أرض المحشر والمنشر. وقد زادت محاولات التزوير لطمس هذه الماهية بتأثير عمليات التنازل عن المقولات المعرفية الأساسية التي قامت بها جماعة أوسلو المشؤومة .

الهُوِيَّة (بضم الهاء ) :

ابتداءً نُذَكِّر أن النطق الصحيح لكلمة (هوية) هو بضم الهاء وليس بفتحها، كما هو شائع في كل الأوساط فتلفظ : هُوِيَّة ٌ وليس هَوية .

1. في العنصر (ج) من الفقرة (9) السابقة، والذي ينص على أن :الأمر المُتَعَقَل من حيث تميزه عن الأغيار، يسمى هُوِيَّة. وهذا يعني أنه بإمكاننا تمييز ماهية الوطن الفلسطيني وماهية الإنسان الفلسطيني وهُويتهما من خلال تمايزهما عن الأغيار باعتبارهما أمرين متَعَقليْن أي مدركين على هيئة كيانات وجودية لها تَمَثُلٌ في الأذهان الفردية والجمعية ، المحلية والوطنية والإنسانية العامة ، والاعتبار دائمًا لدى البشر أن القديم على قدمه ، وهي قاعدة عامة في الفهم الإنساني ، الوطن الفلسطيني والإنسان الفلسطيني ماهيتان وهُويتان وجوديتان متحققتان في العقول الإنسانية العامة ، وفي التجارب الإنسانية الزمنية والمكانية والمعرفية التي بنت الدول وشادت الحضارات وأسهمت بشكل معترف به في تيار الحضارة الإنسانية ، ويمكننا القياس على القول البدهي (والضدُ يظهرُ حُسنَه الضدُ ) بأن تَحقُق هاتين الماهيتين ورسوخهما في الوجود والواقع يزداد يقينًا وإثباتًا في مواجهة النقيض الذي عبرت عنه عبارة الكفوي بمفهوم الأغيار ، فالأغيار هنا مادة مدركة أيًا كان نوعها ، والبشر الأغيار الآخرون وثقافتهم ، إذن يزداد تمايز الماهية والهُوية في وجود النقيض المتجسد في ماهية وهوية معرفية للماهية الإنسانية والهوية والثقافية المعرفية للوطن والإنسان الفلسطينييْن ، والنقيض المعرفي الغيري هم جميع الصهاينة وليس كل اليهود ، بل بعض اليهود ، والقرآن الكريم واضح الدلالة على أن الملعونين على لسان داود وعيسى بن مريم ليسوا جميع اليهود ، بل الذين كفروا من بني إسرائيل زمن الأنبياء .قال الله تعالى : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }المائدة78 ، و حرف الجر ( من ) في الآية الكريمة هي للتبعيض أي البعض الذي كفر وليس الجميع ، أما الصهاينة وكل من تحالف معهم وناصرهم ووالاهم فلهم ماهية وهوية مشتركة.

2. هُوية الشعب الفلسطيني تعرضت منذ قيام سلطة أوسلو وتتعرض حاليًا لعمليات ترميز استمرت في غفلة من مؤسسات الشعب منذ التفاف أهل أوسلو على موروث الشعب وثوابته ، وخداعهم المتعمد للمجموع بالتغيير الدائم لمكونات الهُوية الوطنية التي لم يجرؤ أحد على المساس بها أو الاقتراب منها ، وفشلت جميع محاولات التعريف والترميز وإعادة التعريف لتلك المكونات ، حدث ذلك أثناء انشغال الشعب في الضفة والقطاع في مقارعة الصهاينة المحتلين طوال فترة حكم الأوسلويين ، وكانوا عن وعيٍّ أو غير وعيٍّ رهن إجراءات صممتها لهم الدول الأوروبية الراعية الثقافية التقليدية للفكر الصهيوني بدعوى إنشاء وطن بديل للصهاينة الذين كانوا منتشرين كالسرطان في جسد القارة ، حتى سلموا المسؤولية للإدارات الأمريكية المتعاقبة التي بلغت أقصى المدى في تبني الحركة الصهيونية وأهدافها في ظل إدارة الرئيس الأميريكي جورج دبليو بوش (2000م ـ 2008م).

3. تتعدد مسميات الهُويات حسب المعايير التي تستخدم في تحديدها :

الهُوية الفطرية والهوية المكتسبة،الهوية المكتسبة المعطلة والهوية المكتسبة الفاعلة ، الهوية الدينية والهوية القومية والهوية الوطنية ، والهوية الشكلية التنظيمية ، والهوية الاعتبارية والهوية الحقيقية والهوية الشخصية والهوية الاجتماعية ، والهوية الدائمة والهوية المؤقتة ، والهوية السياسية الهوية النضالية ، الهوية في السجون أو التجربة الاعتقالية ، الهوية في حال الحرية ، الهوية الإجرامية والهوية الانحرافية ، الهوية الأمنية والهوية التمردية ، الهوية الخيانية والهوية الائتمانية ، ويمكن أن نعدد أشكلاً كثيرة من الهُويات و(جميعها بضم الهاء ) .

تتشكل الهُوية نفسيًا واجتماعيًا وتتمايز عبر عمليات التربية والتشكيل والتطبيع الفردي والاجتماعي ، وتتدخل عوامل ذاتية داخلية وخارجية كثيرة في عمليات التشكل والتشكيل وفق قوانين معروفة في علم النفس وعلم الاجتماع التربوي ، وعلم النفس الاجتماعي ، وفي العلوم السياسية والإدارية حسب ما تحدده قوانين الوظيفة والدور . والهدف من نمو الهُوية ورعايتها وتنميتها وتحصينها واحد لا يتغير مع تغير الزمن والنظم والظروف وهو تحقيق حالة من الوعي يشعر فيها الفرد بذاته وتفرده وتميزه في مقابل الآخر أيًا كان ، وهذا الوعي بالتفرد هو الذي يعطي الفرد القدرة على الاستمرار في العطاء وتنمية الانتماء المجتمعي والوطني والإنساني الذي يقود إلى الشعور بالأمن والمشاركة وتوفير جو للإبداع والعطاء.

4. يقول دكتور فاتح عبد السلام في نقد الهُوية السياسية تحديدًا :"كما تتسم الهوية السياسية بقدرتها علي أن تكون عنصراً توحيدياً يجمع المتناقضات في التكوينات الأخري التي تنشط في إطار الهوية الانتمائية. إنّ هذا المدخل الإشاري إلي طبيعة التكوين العام للنوع في الهوية يمكن العبور منه إلي فهم الخلل الذاتي القائم في مفهوم المسلمين للهوية وتحول ذلك الخلل إلي عائق شديد الصعوبة في إقامة علاقة انفتاحية مع الآخر العولمي."([iv])

5. وكما أن لنمو الهوية وتشجيعها ورعايتها أهداف تنظيمية وإدارية ووطنية سامية فإنها قد تصبح في بعض الظروف وعند تجاوز الحد هدفًا للطغاة وممثليهم ووكلائهم والظالمين والمحتلين والسيكوباتيين (الشخصيات المريضة ) يستهدفون سحقها ظنًا منهم أن بالإمكان تحولها بطرق البطش والتنكيل والتعذيب ، وعندما يصطدمون بما يخيب كل خططهم يلجأون إلى التصفية الجسدية تحت مختلف الذرائع ، وبكل الأساليب التي تتفتق عنها العقليات والنفوس المريضة التي تستهين بالإنسان وبالقيم والتعاليم الدينية والإنسانية المشتركة مما تكشف عنها وسائل النشر وتقارير الهيئات المحايدة التي تتبع قضايا حقوق الإنسان ، إن الطغاة والظلمة لا يستطيعون أن يغيروا الماهية لأنهم مهما حاولوا فلن يغيروا حقيقة أن الإنسان إنسان ، لكن هدفهم هو الهُوية ومن وسائلهم التصنيف حسب ( الهَوية ) بالفتح وهو الخطأ الدارج الذي يحتمي به الناس على نقاط التفتيش والحواجز الأمنية ومكاتب التحقيق والاستجواب وفي ملفات الأرشيف المدني والأمني والعسكري وأجهزة المخابرات التي يتم تحديثها كل دقيقة ، ويجري ذلك في كل مكان على وجه الأرض وخاصة مع تنامي مظاهر الفقر والتظالم وزيادة الفوارق المعيشية والتكالب على المغانم ونمو الريبة وسوء الظن والخشية والريبة والتربص الذي حول البشر إلى صياد وفريسة ( انظر كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي ) ( [v] ) ، ومثالها القومي في الذاكرة العربية إعدام قاتل حاكم مصر الفرنسي كليبر خليفة نابليون الذي غزا مصر والشام فيما يعرف بالحملة الفرنسية على مصر والشام (1798 م ـ 1802م ) وهو البطل سليمان الحلبي([vi]) ،ومثالها الواقعي العملي اليومي الممارسات الصهيونية في الضفة الغربية وغزة حيث لم يترك الصهاينة نوعًا من أنواع البطش والتعذيب والإذلال وامتهان الكرامة الإنسانية إلا واتبعوها وفاقي في ذلك كل أنظمة الاستبداد وتفوقوا بمراحل على النازيين والفاشيين والشيوعيين .

ثانيًا : الهُويات المتعددة للشعب الفلسطيني قبل سلطة أوسلو :

حقائق عن الواقع السكاني للشعب الفلسطيني عام 2006م :

قدر الجهاز المركزي للإحصاء اليوم، أن عـدد الفلسطينيين فـي العالم نهاية عام 2005 بلغ 10.1 مليون فلسطيني بواقع 3.8 مليون فـي الأراضي الفلسطينية منهم 2.4 مليون في الضفة الغربية، و1.4 مليون في قطاع غزة، وحوالي 1.1 مليون فلسطيني يقيمون في إسرائيل و3.0 ملاين فـي الأردن، و462 ألفاً في سوريا. واستعرض الجهاز في تقريره، الوضع الديمغرافي للشعب الفلسطيني نهاية عام 2005، مشيراً إلى إنه في ظل هذه المعطيات، فانه من المتوقع أن يتضاعف عدد السكان الفلسطينيين في العالم ليصل إلى نحو 20.2 مليون عام 2028 أي بعد نحو 23 عاماً.([vii])

تمثلت نكبة عام 1948 باحتلال ما يزيد عن ثلاثة أرباع مساحة فلسطين التاريخية وتدمير 531 تجمعاً سكانياً وطرد وتشريد حوالي 85% من السكان الفلسطينيين .

قدر فيه عدد الفلسطينيين الذي طردوا نتاجاً لأحداث النكبة بحوالي 750,000 فردا،

إضافة إلى حوالي 350,000 فردا هُجروا في العام 1967، فان التقديرات الحالية لعدد الفلسطينيين المقيمين خارج وطنهم في الشتات حوالي 5.0 مليون فردا في نهاية العام 2006، يتركز وجودهم في كل من الأردن حوالي 2.8 مليون وباقي الدول العربية حوالي 1.6 مليون، وأما الباقون فيتوزعون على أنحاء مختلفة من بقاع الأرض من الدول الأوروبية والأمريكيتين. ووفقاً للتقديرات السكانية من المتوقع أن يتساوى عدد الفلسطينيين واليهود ما بين النهر والبحر بحلول عام 2010.

حقائق ديموغرافية :

تبلغ نسبة اللاجئين بين الفلسطينيين في الشتات ما يزيد عن النصف بقليل، وهي تعكس ذاتها تقريباً للوجود الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية.

فحسب سجلات وكالة الغوث لنهاية العام 2006، بلغ عدد اللاجئين في كل من الأردن وسوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية حوالي 4.5 مليون فردا، يعيش جزء منهم في 59 مخيماً تتوزع بواقع 10 مخيمات في كل من الأردن وسوريا، و12 مخيماً في لبنان و19 مخيماً في الضفة الغربية، و8 مخيمات في قطاع غزة.

وقد بلغ متوسط حجم الأسرة للفلسطينيين في الأردن حوالي 5.1 فردا في حين بلغ 4.3 في سوريا و3.9 في لبنان، أما معدل الأمية فقد بلغ في الأردن 17.6% وفي سوريا 19.0% وفي لبنان 33.9 %. وفي فلسطين المحتلة عام 1948 م د قدر الذين لم يغادروا وطنهم عام 1948 بحوالي 154,000 مواطنا، في حين يتجاوز عددهم في الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة حوالي 1.13 مليون نسمة بنسبة جنس . ([viii])

نتيجة لمعطيات الواقع الذي ترتب على احتلال الوطن الفلسطيني من الغزاة الصهاينة ، فإن استقراء حالاته يطلعنا على تعدد الهُويات ـ وليس الهَويات أي البطاقات أو الكروت أو الأوراق الثبوتية ـ وذلك لأن تشتت الهُويات الورقية أدى إلى نفي طبيعة الوحدة المركزية على التكوين الاجتماعي والإنساني للشعب الذي طرد من أرضه لتوزعه انتماءات وولاءات تتبع البحث عن الرزق وتحقيق المكانة الفردية والعائلية والارتباطات التنظيمية والحزبية فيما بعد، وهو ما قفزت من خلاله سلطة أوسلو المشؤومة لتفرض واقعًا أكثر بؤسًا وأشد تعقيدًا مما كانت عليه الحال.

ونستطيع أن نقرأ التنوع التالي على سبيل المثال لا الحصر :

الفلسطينيون من حملة الوثائق الفلسطينية وبطاقات (الهُوية الإسرائيلية ) . الفلسطينيون من حملة الوثائق السورية ، الفلسطينيون من حملة الوثائق اللبنانية ، الفلسطينيون من حملة الوثائق العراقية ، الفلسطينيون الذين يحملون الجنسية الأردنية (جوازات سفر خمس سنين ) الفلسطينيون ممن يحملون جوازات السفر الأردنية مدة سنتين الفلسطينيون ممن يتمتعون بالإقامة الدائمة بالأردن أو مصر، الفلسطينيون ممن يحملون إقامات في دول الخليج ، الفلسطسينيون المقيمون إقامة نظامية متصلة منذ هجرة 1948م ، الفلسطينيون الذين اكتسبوا جنسيات الدول التي أقاموا فيها خارج الوطن العربي على امتداد دول العالم ، الفلسطينيون اللاجئون ، الفلسطينيون المواطنون في الضفة وقطاع غزة زمن الإدارتين المصرية والإردنية قبل حرب 1967م ، الفلسطينيون ممن يحملون جنسيات مزدوجة وأحيانًا متعددة حسب ما تسمح به الأنظمة ، الفلسطينيون اللاجئون بلا بطاقة تموين ، الفلسطينيون اللاجئون ببطاقة تموين وغير ذلك من أشكال الهَويات ولكن الهُوية واحدة .

ورغم كل ذلك فقد ظلت هذه الهويات المتعددة براهين على واقع قانوني كان من المستحيل تجاوزه بمرور السنين لأن الحقوق المرتبطة به حلول فطرية موثقة إنسانيًا ودوليًا وعربيًا ووطنيًا ، وهي مما لا يسقط بالتقادم أو التنازل الفردي أو الوكالة من أي نوع إلا في حالات شاذة لدى العملاء والسماسرة والجواسيس وذوي الولاء الوطني المنخفض[ix]، والقيم الهابطة التي تشبه قيم المحتالين .

ثالثًا :إعادة التعريف والترميز على يد سلطة أوسلو :

1. ـ إنصافًا يجب أن نقدر الحرفية العالية لمعظم الموظفين الفلسطينيين المدنيين الذين استقطبتهم سلطة أوسلو في جميع المواقع ، ونعترف لهم بالمهنية العالية في التكوين التنظيمي الإداري الرسمي الذي رتبته العقلية الأوروبية والألمانية ـ تحديدًا ـ المشهورة بالبناء والتنظيم الجدي الفعال ، وقام التكنوقراط وأطقم الخبراء في كل المستويات بواجباتهم كأتقن ما يكون ، وبأسلوب متميز يعكس الحقيقة الفلسطينية المدنية والحضارية المتميزة والمتفوقة ، وغذاه التوق الجماهيري لرؤية ومعايشة كيان فتيٍّ ينمو ويشتد عوده في مواجهة كيان نقيض وعدو متجذر في الجزء المحتل من أرضنا ، وليس الفضل في ذلك لخصائص هذا الطريق المشؤوم الذي انحرفت به السلطة عن الطريق القويم واستهترت بالثوابت وباعت ما تبقى من الحقوق، بل يعود إلى الخصائص الإثنية والثقافية والتربوية وعنصر المباركية المتوفر في كل من استنشق هواء الأرض المباركة المقدسة بأنف طاهر مخلص شريف بعيد عن النوايا الخبيثة التي أظهرت الأعمال فسادها في سيل من التطورات التي كشفت حقيقة معدِن تجار أوسلو المتخفين وراء مزاعم المشروع الوطني والمصالح الوطنية العليا .

2. ـ قام السواد الأعظم من موظفي السلطة وفعالياتها بكل همة وشعور بالمسؤولية بكل ما أنيط بهم من أعمال وهم على وعي أن عليهم أن يعَضوا بالنواجذ على هذه الفرصة التاريخية التي وجدوا أنفسهم فيها أمام وعود بدولة حرة ذات سيادة يستحقونها في جزء من وطنهم تتويجًا لمعاناة ورحلة تشرد طويلة ، ولم يدُر بخَلَدهم أنهم رُهِنوا للقرار الصهيوني يتلاعب بهم ،ويتحكم في قوت يومهم ومستقبل أبنائهم ، ويشكل ردود أفعالهم ، وفق المصلحة اليهودية الأنانية الإفسادية خدمة لخرافة الأمن الصهيوني ، وتحقيقًا للأمن اليهودي الإفسادي ، وبموافقة أصحاب القرار الممسكين بمفاتيح خزْنات المساعدات التي انهالت على السلطة من كل حدب وصوب ، وبدلاً من انتهاز هذه الفرصة انحرف معظم الذين وجدوا أنفسهم في هرم السلطة عن الهدف الوطني الحقيقي الذي جاهدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح مع باقي القوى الوطنية الفاعلة طويلاً من أجل الوصول إليه، وجيَّروا السلطة لذواتهم وتصوروها كأنها إرث شخصي لهم تحت ضغط الإحباط الذي يعايشونه في كل موقع يجدون أنفسهم مضطرين ومجبرين للتواجد والتعامل مع نقيض عدو تارخي وجغرافي وبشري.

وبكل وضوح ودقة فإنهم أساءوا استخدام الهُوية الوطنية ، وخلطوا عناصرها وخصائصها النقية مع سقطات النفوس وأدران الهُويات الذاتية والشهوانية الهابطة ، فتلاشت شيئًا فشيئًا ملامح الهدف الوطني الذي دخلوا الأرض المقدسة لقيادة مشروعه ، ووجدوا أنفسهم في غمرة مشروع هلامي شوهته أوسلو المشؤومة ومظاهر العناد في الاندفاع فيه عند التيقن من فشله ، بدلا من عمليات المراجعة والتقويم والنقد الذاتي .

3. ـ إن أخطر ما جاءت بها أوسلو المشؤومة هو إعادة التعريف والترميز للهُويات والماهيات الأزلية الثابتة تاريخيًا ، والاشتراك مع الصهاينة والأوروبيين خاصة ـ ومع سبق الإصرار والترصد ـ في إعادة تعريف وترميز مكونات الوطن الفلسطيني تحت ضغط تحديات المرحلة التاريخية ، وفي البحث المحموم عن ضرورة بلوغ المشروع الترويضي الذي جاءت به وتبنته جماعة أوسلو إلى منتهاه .

4. ـ لقد سجل التاريخ القديم والمعاصر حالات متعددة حاول فيها الغزاة والأغراب إعادة التعريف والترميز ولكن منطق الأشياء فرض نفسه عن طريق تمسك الشعوب بثوابتها مهما عظمت التضحيات، وبإزاحة التنازليين المفرطين والمصلحيين الأنانيين حافظت الشعوب على التعريف الأصيل لأوطانها وثقافتها ووجودها وهُوياتها ،حدث ذلك في فيتنام وفي الجزائر وفي كوبا وفي كوريا واليابان وألمانيا، وفي الكثير من شعوب جزر المحيط الهادي والدول الإفريقية التي كان آخرها حالة جنوب أفريقيا ، وحتى في إطار الدولة الشمولية في حالة الاتحاد السوفييتي السابق قبل تفككه حيث رفضت هذه الشعوب تطبيق منطق تجربة أوسلو والأسلويين في أوطانها، وحافظت على هوياتها وماهيتها أمام كل مغريات الواقع المادي أو ضغوطه وتحدياته .

5. ـ حدثت قبل أوسلو محاولات تعريف للوطن الفلسطيني وللإنسان الفلسطيني في حالات معينة في بعض المواقع المرحلية ، كأكثر من محاولة ، أأاأأتتتتأاأ+أأأولكن كفاح الشعب ومقاومته وقفت صامدة في تلك المحاولات ، وتحملت ما لا يحتمله بشر في سبيل التمسك بالهُوية المستمدة من الماهية والوجود اللذين تجسدهما تجربة آلاف السنين من اللحمة والتماسك الوطني المتجذر ،وتفاصيل قرن من الصراع الذي امتلأ بصنوف المعاناة والتضحيات ويدعمهما الواقع وقوانين الحياة والسنن الإلهية .

6.
ـ ولأن الأعمال التي تضمنها مشروع أوسلو المشؤومة كان من الاتساع بحيث لا يمكن حصره باعتباره أمرًا واقعًا جرى الترويج له وممارسته عمليًا وبحماسٍ شديد وبذرائع شتى طوال السنوات التي أعقبت أوسلو المشؤومة وكل مجال من هذه المجالات يحتاج إلى دراسة مستقلة لسبر غوره وكشف خفاياه،ونكتفي بحصر هذه المجالات وعناصرها ومكوناتها ليبدأ جيل جديد من الباحثين بتقييم العمل الوطني بشكل موضوعي بعيدًا عن المصالح الشخصية أو الحزبية والفئوية الضيقة، وبمعزل عن الأهواء وتبعات التورط في العمل الأوسلوي التخريبي المستند إلى فلسفة الهزائم والتنازل والتراجع وقبول الأمر الواقع بذريعة الواقعية والعقلانية.
7.
تابعت سلطة أوسلو المشؤومة بقصد أو غير قصد سلبيات خطط الاحتلال في تغيير وطمس الهُويات ، ومحاولة فصلها في الضفة والقطاع عن بقية الشعب الفلسطيني ، واستخدمت في ذلك أساليب كثيرة ، بدأت بالإغراءات المعيشية قبل مجىء شارون وفي توثيق العلاقات الاجتماعية الذي وقع فيه الكثير من أهل الأرض المحتلة في التوجه إلى الصهاينة ، ولعب الأدوار المتعددة حسب قواعد اللعبة التي وضعتها الصهيونية، حتى فاجأت الانتفاضة الوطنية الأولى في ديسمبر 1987م الجميع بظهور فكر جديد وإجماع وطني يمثله الجيل الذي تلقى التوجيه من الشحنات الفكرية والوطنية والعقدية التي اضطلع بها المربون والدعاة والمعلمون والمفكرون الجدد والسياسيون الذين ترعرعوا في ظل البطش والظلم والتعذيب والقهر في المعتقلات والسجون الصهيونية ، واسترجع هؤلاء أبعاد الهوية الوطنية من خلال الرحلات الكثيرة لزيارة المدن والقرى التي هُجِّر منها آباؤهم وأجدادهم ، وترافق ذلك كله مع طرد المقاومة من لبنان والتهيئة النفسية والاجتماعية لدخول عصابة أوسلو المشؤومة بتخطيط أوروبي لتسرق مكتسبات أهل الانتفاضة ، وتعيد تعريف الهُويات وإلغاء الماهيات .

مجالات إعادة التعريف والترميز ، والعبث في الهُوية الوطنية

1.
إعادة تعريف الإنسان :

أ ـ المواطن :كان العبث والتلاعب في هذا المجال من فريق أوسلو المشؤومة أخطر المجالات لأنه تمَّ تحت ستار خادع من التنظيم الاجتماعي والإنساني ، ولبَّس أهل أوسلو به على سكان الضفة والقطاع ومن عاد في إطار أوسلو المشؤومة من الأبطال والمجاهدين الذين قاسوا مرارة الاغتراب بعد الخروج من بيروت ، وكان هذا المجال الإنساني هو المسرح البشري للقيام بمعظم فصول العملية العبثية التي أطلق عليها الأسلويون عملية السلام ، وقد وقعت في هذا الفخ التآمري جميع الأطراف على درجات من الوعي والإدراك لهذه اللعبة الخطرة ، فالمواطن عند أوسلو المشؤومة هو الذي يحدد هُويتَه جواز سفر السلطة الذي تعهدت ألمانيا بتزويد السلطة به ، وفي الهَوية الإسرائيلية ( الكارت) التي تعتمد على الإحصاء العام الذي قامت به سلطة الاحتلال عام 1968م بعيد الاحتلال ، وفي تصريح الشوا ، وفيما بعد في التصاريح الممنوحة للدخول إلى أرض المحتل من قبل الصهاينة وفي بطاقات ال VIP ، والعديد من التنصنيفات المهنية والوظيفية والاقتصادية والطبية والإدارية التي لا تقع تحت حصر والتي ارتبطت بالحالات الفردية لتشتيت أي مطالب جماعية أو شعبية حقوقية من أي نوع ، ومع أن الغالبية العظمى من السكان في الضفة والقطاع هم من اللاجئين فقد مضت سلطة أوسلو المئؤومة بعيدًا في مشوار العبث بالهُويات ، والإكثار من الهَويات وما بين الحالتين والمفهومين بون شاسع ، والدافع إلى ذلك هو إلغاء مفهوم اللاجىء حتى يأتي اليوم الذي يتجرأ فيه ولاة الأمر السلطويون للتصريح بأنه لا يوجد لاجئون في الدولة الخيالية الهوائية الأهوائية الموعودة ، ومن قبيل تحصيل الحاصل لا توجد مطالبة بالحقوق المشروعة لهؤلاء (المواطنين) والذين يقيمون في المنافي وبلاد اللجوء ( كل واحد يقلع شوكة بإيديه!).

ب ـ اللاجىء : في أرض السلطة هو من يتلقى إعانات من وكالة الغوث في نطاق ضيق أخذت سلطة أوسلو على عاتقها التقليص من حدوده بتحويل الكثيرين إلى شحاذين من البلاد المانحة .

ج ـ النازحون : لهذا المفهوم تطبيقات كثيرة لا تقع تحت حصر ،وهم من أكثر الفئات تجاهلاً من قبل سلطة أوسلو المشؤومة ، ودورهم وهُويتهم الوحيدة أنهم دافعو ضرائب بالإكراه أو ما يشبه الإكراه من قبل المكاتب والسفارات عن طريق التنسيق مع السلطات في البلاد التي يتواجدون فيها ، ولهم وضعهم الحساس في ارتباطهم بأعمالهم ومصادر رزقهم ، ويمارس هؤلاء مظاهر كثيرة من الأدوار المرهقة للأعصاب المستنزفة للطاقات وصولاً إلى النفاق لأهل أوسلو المشؤومة .

د ـ الفلسطينيون الإسرائيليون : وهم أهل الوطن الذين بقوا في دورهم ولم ينزحوا منها ، ومن أراد أن يكتشف تأثير هذا التصنيف حسب الجنسية على البعض فليستمع إلى تعليقات بعضهم على مكاسب حمل (الهَوية والجواز الإسرائيلي ) في التنقل والسفر والمعاملة !

هـ ـ أهل القدس : وهؤلاء أيضًا خضعوا للعبث في هُوياتهم بتصنيفهم عن طريق سلطة الاحتلال قبل مجىء أوسلو المشؤومة ، ثم تفاقم وضعهم بالممارسات الصهيونية التي غيرت معالم وهُوية القدس تمهيدًا للتهويد الكلي الذي أصبح مطلبًا علنيًا في المحادثات بين أولمرت ورئيس سلطة أوسلو المشؤومة .

و ـ حالات ومعاملات لمِّ الشمل (قميص يوسف ) : وهذه الأخرى كانت مجالاً واسعًا للعبث بالهُوية الفلسطينية لابتزاز المواقف والتنازلات وزيادة المعاناة بذريعة الأمن ، ووجد فيها جنرالات السلطة ووزراؤها ومسؤولوها مجالاً خصبًا للعبث والفساد البيروقراطي .

ز ـ طائفة البدون : وهم المواطنون الذين لا يحملون أي وثيقة رسمية تدخلهم في عامة الشعب مما يمكنهم من التمتع بالمزايا والخدمات المتاحة لغيرهم من المواطنين .

ح ـ العدو الصهيوني : بعيدًا عن كل القراءات المتحيزة تحت أي ذريعة فإن حقيقة الغزاة اللصوص الصهاينة لم تتبدل ولم تتغير عبر أجيال الشعب الذي طردوه من أرضه ، حتى جاءت سلطة أوسلو ومن خلال العمل الدؤوب المتواصل وبإصرار ومن خلال المقابلات والمؤتمرات والاجتماعات العلنية والسرية والمشاريع المشتركة والتشابك المصلحي فإن هؤلاء الأسلويين حاولوا تغيير الهُوية الملتصقة بهؤلاء الأعداء الغزاة ، وتدجين الشعب لقبولهم من خلال العمل الرسمي المدعوم بالخطط الإعلامية والنفسية والسياسية لتكريس صورة جديدة لهؤلاء الغزاة المحتلين وتصويرهم والتعبير عنهم بوصفهم شركاء في عملية السلام أو جيران في دولة جارة ، ولم يترك الأسلويوين فرصة تضيع دون أن ينتهزوها لتكريس هذه المفاهيم الممسوخة التي يجرون فيها وراء سراب خادع كرسه العدوان المتواصل على كل معارض لهذا النهج المدمر .

ولكن لا يمكن الادعاء بأن تلك الجهود قد باءت بالفشل ، بل قد نجحت ولكن في قطاعات نوعية هابطة القيم خاوية الانتماء ، ومعظمهم من الذين ركبوا موجة أوسلو المشؤومة من الانتهازيين والمحتالين والباحثين عن الوجاهة أو اغتنام فرص الإثراء .([x])

2. التعريف الأفقي ـ الرأسي للمكان الفلسطيني ونتائجه:

قبل أن يستفيق الشعب أمام صدمة وآثام مشروع أوسلو المشؤومة وجدوا أنفسهم أمام إعادة تعريف وعبث بركن مصيري من أركان الوجود الوطني والهُوية الاجتماعية الاعتبارية وهو تعريف المكان ومجال حركة الإنسان ، أعادت سلطة أوسلو تعريف المجال المكاني الذي سمحت به الاتفاقات السرية مع الصهاينة الغزاة ، فأعادوا تسمية الأقسام الإدراية للوطن تحت ستار وحدة الإقليم دون أن يكون لهم أي دور إداري فاعل خارج نطاق ضبط الأمن لحماية الصهاينة ، فأنشأوا المحافظات وأعادوا تعريف الأماكن بشكل ينسجم مع خدمة أهداف المشروع الصهيوني في الأمن والقضاء على المقاومة ، وتوسعوا في تشجيع المواطنين على البناء الرأسي فظهرت الأبراج السكنية وخاصة في قطاع غزة المكتظ بالسكان وتحديدًا في مخيمات ومعسكرات اللاجئين الذين دفعتهم الوفرة المادية نتيجة للرواج الخادع الذي صدَّق مقولات أوسلو المشؤومة بالإضافة إلى زيادة حجم الأسرة النووية وظهور أنوية أسرية جديدة متفرعة وظهور الحاجة الماسة لبناء المساكن دون التبصر في خطورة وعواقب التنسيق المعيشي مع عدو يقضم الأرض ويضاعف حركة الاستطان ، وأشاع الأسلويون جوًا خادعًا جاذبًا لرؤوس الأموال متزامنًا مع التنظيمات الإدارية التي ربطت الاقتصاد الفلسطيني داخليًا وخارجيًا بالاقتصاد الصهيوني، ثم في استحداث قوانين وترتيبات إدارية قفزت بأسعار الأراضي إلى أرقام كونية بزعم التبشير بِ (هونج كونج أو سنغافورة) فلسطينية في غزة ،وكان لذلك أثره السلبي البالغ على قيم الشعب وتراثه الثقافي ، والهدف من ذلك هو إحلال ثقافة غريبة بديلة على أمل أن تنسى معها الأجيال الثوابت الثقافية للشعب في وطنه ووطنيته التي قدم في سبيلها آلاف الضحايا ، وتفقده الصمود البطولي الأسطوري الذي أكسبه تعاطف واحترام البشر كافة ،ولم يكن لأهل أوسلو المشؤومة أي فضل في ذلك ،واستتبع ذلك كله تبدل واسع في مراكز السلطة الاجتماعية ، وتبدل في مفاهيم المكانة الاجتماعية والأدوار الوظيفية البنائية للمجتمع الفلسطيني تحت حكم السلطة في جميع المجالات.

3. إعادة تعريف المعايير والقيم (العبث الثقافي)

شأن أي مشروع تغيير اجتماعي وسياسي فقد رافق التغيرات المقصودة والمكرسة بتدفق الأموال وتكوين سلطات ضابطة للسلوك الفردي والجمعي والمتحكمة في الفعل الاجتماعي : صناعة وتشكيلاً وتوجيهًا ،إلى جانب إعادة تعريف رموز السلطة من المدنيين والعسكرين التي كونت طبقة أرستقراطية كان الجميع يحسدونها على الدرجة العالية من المثابرة والجدية والالتزام والتفاني في أداء الأدوار التي كُلِفوا بها دون الدخول في تفاصيل النتائج ، واندمج جميع أركان هذه السلطة في أدوارهم دون تقدير لحقيقة ما يجري ،أو ربما يدرون !.

لقد كان الأسلويون نموذجيين في الالتزام بتفاصيل برنامجهم السياسي الذي بالغوا في الترويج له مع وجود الخلل الإستراتيجي والتكتيكي فيه ، ومن الخطأ التعبير عنهم بالفعل الماضي ( كان ) لأنهم لا يزالون ورغم ما لحق بمشروعهم من الانتكاسات مُصرين على المضي فيه بذريعة : أننا إذا نجحنا فنحن صناع هذا النجاح والجديرون بقطف ثماره ، وسوف نبقى حكَّامًا متسلطين على الرقاب إلى الأبد ! ـ كما كان لسان حالهم قبل طردهم من غزة ـ وإذا فشلنا فسوف نحمل نتائج فشلنا إلى أمتنا التي تحرس مشروعنا (الوطني ) كما يتبجح المستشار السياسي لرئيس سلطة أوسلو .

لقد أصاب التغيير الأنساق الاجتماعية كافة في ساحة مسرح مشروع أوسلو ، وجرى تعريف لكل المعايير والقيم : الشجاعة والمروءة والكرم والقرابة والولاء والبراء والعضوية والمكانة الاجتماعية ، والتراتبية والطبقية الاجتماعية وقوانين الحراك الاجتماعي ، وجرى تعريف جديد للأهداف الاجتماعية الفردية والجمعية دون وجود أفق يبشر بدخول المشروع مرحلة تحقيق تلك الأهداف التي تم الترويج لها ، وللأسف فقد كانت النتيجة سلبية محبطة في الكثير من الجوانب وخاصة في أنساق القيم الاجتماعية الحاكمة للسلوك والعلاقات التي يجرى تخريبها بشكل متعمد مقصود ، وفي ظل عمليات التغيير جرى إعادة تعريف الروابط الأسرية وتغيرت تعاريف هُويات القيم والمعايير التي يُقاس بها السلوك الفردي والجمعي ، وظهرت أجهزة اتصالات وأجهزة إعلام نشطة لم يعهدها المجتمع من قبل عملت على نشر ثقافات جديدة ، والترويج للتغيرات الكبرى في علاقات المجتمع المدني ، وكان لهذه الأجهزة أدوار فاعلة عمل الاحتلال على تقزيمها وتفريغها من مضمونها الوطني والاجتماعي ، واستوعب الشعب قيم الصناعة والزراعة الحديثة من خلال العلاقات المتنامية مع (الدولة الجارة) والتسهيلات الممنوحة في أفضلية تصدير المنتجات إلى الدول الأوروبية وغيرها ،وكان لا بد أن يطال التغيير أنساق القيم في البناء الوظيفي الاجتماعي ، وكان يمكن لعمليات التغيير التي كانت الضفة والقطاع مسرحًا مفتوحًا لها ، كان لها أن تؤتي نتائج بعيدة المدى تظهر التفوق الإثني والثقافي لهذا الشعب الفريد في خصائصه لولا أن الغطاء السياسي السيادي كان واهي الأساس في ظل التفريط والتنازل والتأجيل والإحالة الذي اتبعته أوسلو وبأسلوب استفزازي أوجد لها منافسين في الفلسفة السياسية الوطنية ، وكان للديموقرطية الخادعة التي جاءت بها سلطة أوسلو أن تتحول إلى نموذج فذ لو توفر لها حماية وطنية موحدة تقاوم الفلتان والانقسام والتفرد بالقرار بذريعة الشرعية التي لم يبق من رموزها إلا القليل ، غير أن التفسير الأناني للمشروع الوطني الذي ادعته أوسلو أجج الخلافات ، وعملت أساليب الإثارة على تحويل الحوار إلى أشكال من التشنج ثم بدأت تعبئة الشعب للتوقع مع حالات تغيير الولاءات والعداوات ، واستبدلت البرامج الاجتماعية الإصلاحية البنائية ببرامج التحفز والاستعداد للانفجار والثأر ، وتحول العدو إلى حليف لمكافحة الإرهاب وصارت الصواريخ وسائل عبثية ،والعمليات الاستشهادية وأبطالها عمليات إرهابية حقيرة ،والسلسلة طويلة ، وطفت إلى السطح مظاهر العناد وأساليب الإغاظة ، وانفرد الصهاينة الغزاة مرت أخرى بالنقيض الرئيس لهم بينما سلطة أوسلو تكرس الانقسام بأدوار الدمى التي تحركها المشاريع الاستعمارية في ظل الشعارات التي رفعها أنصار المشروع الصهيو ـ أميريكي لبناء شرق أوسط جديد .

وفي ظل قيم المجتمع المدني انقسمت السلطة وتبعها بعض الشعب على تعريف هُوية مشروع المقاومة ، وظهرت فئات من المسؤولين وأعوانهم تجرأوا على وصفها بالإرهاب ، وأن القاعدة دخلت غزة مع حماس ، وأن الكفاح الفلسطيني المشروع عبث ، وأن حماس سلطة ظلامية ، أو هي في الحقيقة ( شيعية ) ربما مما يوحي به ارتداء أفراد القوة التنفيذية التابعة لها للبدلة السوداء التي تتحمل العرق والأوساخ من خلال السهر والكفاح والاستعداد لمواجهة العدو الصهيوني والمنهزمين المخدوعين ، وأصبح تزويد العدو بالمعلومات عن المواطنين نوعًا من التنسيق الضروري الذي يتعدى أثره الحالة الصراعية مع الصهاينة إلى تسريب المعلومات لحظة بلحظة إلى الأميريكيين المنحازين للعدو الصهيوني .

والنتيجة الحتمية لذلك كله تشتت الهُوية الوطنية ، وحرمان الشعب من الوحدة الثقافية والاجتماعية ، وتحقيق الهدف الرئيس للغزو الصهيوني بأيدٍ فلسطينية ، وتقديم الحجج المجانية للصهاينة للادعاء بأن :غيرّ يهود قتلوا غيرَ يهود قتلاً اجتماعيًا ووطنيًا إقصائيًا سياسيًا واقتصاديًا.

4ـ إعادة تعريف الأمن الوطني ونتائجه :نتيجة لقبول تعريف اتفاقية أوسلو للوطن،وفي ضوء التقسيمات الإدارية والتفاصيل التي لا حصر لها فقد تغير مفهوم الأمن الوطني بأبعاده المحدودة والإستراتيجية،وأيضًا نتيجة لتغير مفهوم الأمن تغير مفهوم مصادر تهديد هذا الأمن ،ولكي تثبت السلطة وجودها كمصدر للضبط الوطني والاجتماعي توجهت بطاقات أجهزتها نحو شعبها ،وشيئًا فشيئًا تحول الفعل الشرعي للسلطة الوطنية إلا مظاهر للقهر والتجبر،وتحت مثل هذه الحالة تظهر القوى المنافسة والمعارضة ،ومن حسن حظ الشعب الفلسطيني وسوء حظ الأوسلويين أن تلك القوى كانت أكثر قدرة على التنظيم ،وأكثر قبولا لدى السواد العظم من الشعب في الداخل والخارج ،حتى وصلت الأمور إلى حالة الصدام بعد انهزام العدو الصهيوني أمام المقاومة الباسلة لحماس والجهاد وحلفائهما ممن قاموا بإعادة النظر في تجربة سلطة أوسلو الفاشلة الغريبة عن ثقافة الشعب وقيمه ومثله وأهدافه وحقوقه الثابتة في أرضه.

ومنذ وقتٍ مبكر من إنشاء مؤسسات وأجهزة السلطة الفلسطينية في الجزء المحتل من أرض الوطن قامت السلطة في إطار اتفاقية أوسلو وخلال تقسيم وتفتيت وحدة الأرض والكيان الجيوبوليتيكي المتعلق بممارسة السيادة المنقوصة على المواقع ذات الكثافة الديموغرافية التي تواجدت فيها بإعادة تعريف الأمن،وقبلت أن يكون الاعتبار الأول للأمن اليهودي للعدو الصهيوني المحتل،وشكلت من الرجال الذين قبلوا أن يكونوا جزءًا من قوات الأمن خليطًا غريبًا من المسميات والتشكيلات التي تحمل شارات الانتماء الوطني،وتتصرف في إطار واجبات الوظائف الأمنية المرسومة لها التي توصفها وترسم أبعادها وحدودها وأهدافها ظاهريًا خدعة الأمن الوطني،ولكنها في حقيقتها مسخرة لحفظ أمن اليهود المحتلين باعتبارهم جيرانًا معترفًا بهم ملاكًا للوطن،وبالطبع فإن الوضع كله كان يتشكل في الطريق والأسلوب الذي تقره اعتبارات القوة المسيطرة للعدو الذي أصر على أن يكون كيان جيرانه الافتراضيين بلا أي سبب من أسباب القوة ،وأخذ يبتكر كل يوم تعريفات تحولت إلى مطالب تشريعية وعملية لحرف السلطة عن الطريق الذي كان ينبغي أن تسير فيه كجزء من الأمر الواقع ،وهنا وقعت كل المحاذير والتناقضات التي قبلت السلطة معها أن تمارس نفوذها في تشكيلها وردعها على الجزء الذي سمح لها بالتحرك فيه،دون اعتبار للقوى الوطنية الأخرى فتحولت إلى ما يشبه الديكتاتورية
الأوليجاركية(الأقلية) ،وفقدت يومًا بعد يوم جاذبيتها،واضمحل بريق خطابها الإعلامي والسياسي والتنشيري المستقبل ،وذوت قدرتها على استنهاض الهمم،وضعفت في مجال حضشد الأنصار من أصحاب التأثير الشعبي،وزاد الأمر سوءًا الهبوط القيمي لدى الكثير من مكوناتها، الذين انفضوا عنها بعد موت رئيسها محمد عبد الرؤوف القدوة المعروف بياسر عرفات،وبان عوار منهجها،وتهافت مبادىء النهج الذي يمثله محمود رضا عباس مرزا ،وزمرة جواسيس أوسلو الذين فقدوا الأهلية الوطنية والوظيفية والقيمية ،وقدموا لليهود أضعاف أضعاف ما رسمته اتفاقية أوسلو المشؤومة.

كلمة أخيرة :

قبل أن يجرِّف الصهاينة بساتين البرتقال والزيتون واللوز وأشجار الفاكهة التي كانت تزخر بها أرض فلسطين وتعتبر موطنًا تاريخيًا لها ،وقبل أن تحول الطفرة الاقتصادية الخادعة القادمة مع أوسلو المشؤومة كان المزارعون الفلسطينيون يتفقدون أشجارهم بأنفسهم ، ويتعهدونها كما يتعهدون أبناءهم ، ومن المألوف لديهم أن يجدوا أغصانًا في كل شجرة تقريبًا نبتت في أسفل الساق لتخريب المشروع الخضري المثمر لكل شجرة ، وتكون هذه الأغصان قوية النمو ولكنها شوكية عديمة الثمر ، وضارة بنمو الشجرة ، فيبادرون إلى قطعها حتى لا تقضي على أشجارهم لأنها وحشية إذا تكاثرت تقتل الشجرة ، أو تقلل من كمية ونوع الثمر ، وفي حالة شجرة البرتقال خاصةً يطلق المزارعون على هذه الأغصان مصطلحًا شائعًا في ثقافتهم وهو ( الخنزيرة ) تشاؤمًا بالخنزير الذي غلَّظ الإسلام في تحريم أكل لحمه أو الانتفاع بأي جزءٍ منه .

ولا شكَّ أن مشروع أوسلو كان ( خنزيرة ) شجرة المشروع الوطني الفلسطيني التي روتها الدماء التي سالت وتسير بغزارة ، والتي انحرفت بالنضال وشوهت المقاومة وعبثت بالهُويات الوطنية ولا تزال ، ويزعم أعضاء هذا الفريق أنهم أصحاب مشروع وطني ، ولم يسألوا أنفسهم يومًا : أين هذا الوطن ؟ وما طبيعة حدوده ؟ وما ضمانات صيانة سيادته ؟

وسوف يجرف تيار الزمن الذي لا يرحم كلَ مَن فرطُ في شبرٍ من أرض وطنه المقدس، أو تهون عليه وشائج القربى والأرحام ، أو ترخص عليه المقدسات ، أو يستحل دماء شعبه تحت أي ذريعة من الذرائع الواهية .


نقلا عن المركز الفلسطيني