مشاهدة النسخة كاملة : أسئلة ابروكسل وما بعدها


أبو فاطمة
06-30-2010, 07:08 PM
أسئلة ابروكسل وما بعدها
http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_30_06_2010_16_30_04.jpg



أحمدو ولد الوديعة

لم تعد العاصمة البلجيكية بروكسل مدينة معروفة في موريتانيا لدى المهتمين بالشأن العام والمتابعين للحدث الدولي ممن يعرفون أنها عاصمة الاتحاد الأوربي، أولدي عشرات الموريتانيين ممن دفعهم الاستبداد السياسي خلال سنين خلت إلى البحث فيها عن مكان يعبرون فيه عن آرائهم بحرية بل إنها أصبحت خلال الأسابيع الأخيرة معروفة لدى جميع الموريتانيين يعرفونها كما يعرفون أبناؤهم ففي هذه المدينة انتظر الجميع موعدا فيه يغاث الناس وفيه يعصرون بعد أشهر طويلة من أزمة اقتصادية تفاعل فيها الدولي مع الوطني الناجم عن انقلاب الثامن أغسطس .


تعددت الرهانات على اجتماع بروكسل وعلقت عليه الكثير من الآمال وحين جاء اليوم الموعود كانت الحكومة الموريتانية قد انتقلت بنصف طاقمها الوزاري إلى هناك، وعشرات من المدراء والمستشارين والبرلمانيين والفنيين والصحفيين،ومئات الأوراق الحاملة للكثير من " الكلام" عن موريتانيا الجديدة ومحاربة الفساد وترسيخ الديمقراطية وإقامة الحكم الرشيد وتجذير ثقافة حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، ومحاربة التصحر والختان، والحكامة، وغير ذلك من المفردات التي يتوقع صناع القرار عندنا أن الحديث عنها يطرب ساكني الحي الأوربي في العاصمة البلجيكية.
مع اللحظات الأولى لانطلاقة الطاولة المستديرة اكتشف الصحفيون المشاركون أن الطاولة التي يحضر لها الأوربيون تختلف بشكل كبير عن الطاولة التي عسكرت لها الحكومة الموريتانية وفدها الجرار؛ الأوربيون أرادوها فرصة لتحسين الصورة، والتفكير في مجالات الاستثمار، ونقاش الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد أخيرا، وضمان عدم تكرارها، والحكومة أرادتها تظاهرة إعلامية وسياسية تستعيد بها ثقة رأي عام استهلك شعارات الحرب على الفساد ورئاسة الفقراء، ولم يجد لهما طعما يختلف عن شعارات سابقة حسبها كنوزا حتى إذا جاءها لم يجد عندها شيئا.
جلست الوفود الدولية حول الطاولة المستديرة، وتوزع الوفد الموريتاني على قاعات جانبية تابع فيها من خلال " الفيديو كونفرانس " جلسات الطاولة، وبعد يومين من أيام بروكسل الصيفية الطويلة انفض جمع المشاركين في الطاولة، وأعلن الوزير الأول أنه حقق أكثر مما كان يتوقع مع أن الرقم المعلن أقل بنحو مليار دولار عما سبق أن توقعه مستشاره الاقتصادي قبل اجتماع بروكسل بأسبوعين.


تثير الطاولة العديد من التساؤلات اعتقد أنه من المهم طرحها لأن لأغلبها علاقة بجوانب مهمة من أزمة الحكم أو الحكامة كما يحب الفريق الحاكم حاليا تسميتها اقتداء بالترجمة المغربية.
- أول هذه التساؤلات هو عن المصداقية في تقديم المعطيات للرأي العام، فالذي استمع إلى تصريحات الوفد الحكومي المشارك في بروكسل يحسب أن المليارات الثلاث المعلن عنها هي تعهدات جديدة حصلت عليها الحكومة، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، بل إن الدقيق بناء على متابعة كاملة لكلمات ممثلي الوفد المشاركة أن هذه التعهدات يمكن توزيعها إلى ثلاث مجموعات
- المجموعة الأولي وتزيد على نصف المبلغ هي عبارة عن تمويلات جارية لمشاريع تنموية ممولة من هيئات عربية وإسلامية وإفريقية منذ سنوات وأحيانا عقود، وقد قام ممثلو هذه الهيئات بجمع المخصص لتلك التمويلات خلال السنوات القادمة للإعلان عنه من جديد فى بروكسل، مع أن الحكومة كانت على علم به ولم تكن تحتاج إلى الذهاب إلى بلجيكا لسماع التأكيد على تعهدات لم تتوقف حتى في قمة الأزمة السياسية الناجمة عن الانقلاب.
- المجموعة الثانية، وهي عبارة عن تعهدات أخذها المانحون على أنفسهم فى اجتماع باريس عام 2007 وتم تجميدها بعد الانقلاب، ورفع عنها ذلك التجميد بعد انتخابات الثامن عشر يوليو، وكانت بروكسل مناسبة لتجديد إعلان وقف التجميد ، ويدخل في هذه المجموعة تحديدا المبالغ المقدمة من كل من الإتحاد الأوربي والبنك الدولي.
- أما المجموعة الثالثة فتضم بالفعل تعهدات جديدة لكنها هي الأقل والجزء الأكبر منها من جهات أو دول غالبا ما تختلف سرعة الإعلان عندها عن سرعة التنفيذ، أما البقية فهي من هيئات ذات مصداقية مثل البنك الإسلامي للتنمية والصندوق العربي للإنماء.
- والتساؤل الثاني هو عن حجم الوفد المشارك فى الطاولة ؛ فمما لا مراء فيه أنه يزيد بكثير عن الحاجة الموضوعية، التي ربما كان ثلث العدد المشارك يكفي لتحقيقها، إنه من الصعب تصديق أننا بتنا على موعد مع نهاية زمن الفساد عند مشاهدة الدولة تتحمل نفقات سفر وإقامة عشرات الأشخاص الذين لا مهمات محددة لهم في بروكسل اللهم إلا تلطيف الجو أو التسوق في عاصمة يقتني منها الموريتانيون أغلب سياراتهم وجزء مهما من تجهيزاتهم المنزلية الأخرى.
- وثالث الأسئلة حول حدود الانفصال والاتصال بين خطاب الداخل وخطاب الخارج لدي من يحكمون موريتانيا اليوم فقد كانت مفاجئتي كبيرة حين كنت استمع إلى عروض حكومية في قاعات الاتحاد الأوربي تقدم منجزات مهمة حصلت بين عامي 2005 و2008 على أنها أمور مهمة تحققت في موريتانيا مثل انتهاء مصادرة الصحف، وقانون تجريم الرق، وعودة المبعدين، وعهدي بحكومتنا الميمونة تسفه كلما حصل قبل " الحركة التصحيحية" بل ربما استخدمت بعضها لتشريع الانقلاب على الديمقراطية.
وغير بعيد من أزمة ازدواجية الخطاب كان لافتا أن عددا من العروض المقدمة وجدت صعوبة كبيرة فى التخلص من صورة وردية تريد تقديمها للمشاهدين في الداخل، وصورة مستجدية يتم تقديمها للممولين لاستثارة عطفهم، وجودهم وكرمهم، وغالبا ما كان التخلص مختلفا عن تخلص أبي الطيب في أبياته الشهيرة.
مرت بنا بين تربيها فقلت لها .... من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى... ليث الشري وهو من عجل إذا انتسبا
جاءت بأشجع من يسمى، وأسمح من... أعطي، وأبلغ من أملى ومن كتبا.
انتهت بروكسل إذا وبقيت بعدها أسئلة معلقة منها الأسئلة السابقة ومنها أسئلة أخرى تطرح على كل لسان حول الطرق التي سيتم بها تسيير هذه المشاريع فمشكل موريتانيا كما يعرف العامة والخاصة لم يكن يوما الحصول على قروض وهبات وتمويلات بل إنه كان وما يزال في الطريقة التي تصرف بها تلك التمويلات، وبدون إجابة فعلية على هذه الأسئلة ستكون بروكسل حدثا عابرا في تاريخ بلد يقترب من تخليد الذكرى الخمسين لاستقلاله وهو يترنح من انقلاب إلى انقلاب ومن زعيم إلى زعيم، دون أن يستطيع ساكنوه التمتع بالحدود الدنيا من الحقوق الآدمية التي يتمتع بها اليوم أغلب سكان المعمورة بمن فيهم الساكنون فى بلدان نعتبر نحن بالمقارنة معها من البلدان الثرية.

نقلا عن السراج الإخباري