مشاهدة النسخة كاملة : ومع ذلك مازلت أسانده!


أبو فاطمة
06-29-2010, 06:42 PM
ومع ذلك مازلت أسانده!

محمد الأمين ولد احظانا / كاتب موريتاني



قال لي صاحبي وفي لهجته مسحة من سخرية يسعى إلى إخفائها:
- أما زلت كما كنت، مجردا من وظائف لم تعين فيها أصلا؟
- قلت في كلامك تناقض واضح، وغموض مربك،فأبن عن قصدك؟
- قال: لقد سعيت مع أهل السياسة من قوى التغيير البناء،فأظهرتهم على خصومهم، ونافحت عنهم منافحة من يتنسم عبير الوظائف، ويشتم رائحة التعيين، ومع ذلك فأنت تراوح مكانك،فلا تعيين يدفع عنك حرج المساندة، ولا وظيفة تبرهن على أنك موضع ثقة من بحت حنجرتك دفاعا عنهم، وخسرت الكثير حمية لنجاحهم،وتقطعت صلاتك بأصدقاء كثر لأنهم خالفوك في الاتجاه، ولم ينصفوك في الاختيار..
- قلت: وما ذنبي أنا، وأنا الذي لم أرفض تعيينا عرض علي، ولم أمانع عن وظيفة أسندت لي، لأنني في الأصل لم أجد من يعرض علي تعيينا، أو يطلب مني تولي وظيفة..
- قال: أنت خبرت أهل الأمر في بلدنا، وتعرف أنهم محاصرون بمافيات متمرسة لا تترك للخارجين عليها منفذا إلى امتياز،ولا تقبل من الرواد إلى عالمها الذي تربَّت عليه، وأنبتت منه كمال جسمها، إلا من رحم ربك بأن يجد لفتة من صاحب الأمر، أو يتذكره على حين غرة من تلك المافيات، فتصاب بالدهشة..وإن لم يصبح المسوؤل الجديد واحدا من أحد فروعها الأخطبوطية، تتحفظ عليه أولا، ثم تناجزه العداء، وتتربص به الفرص حتى توغر عليه صدر من عينه أصلا، وبعد ذلك يسهل التخلص منه، وتركه ملقى على قارعة الطريق..
- قلت فما علاقة ما تقول بما يفعلون، وأي صلة بينه وبين الذي نقول؟
- قال: تنتمي إلى أحد أذرعها المتشاكسة ؟
- قلت هذه لك، وما شرط ذلك، وكيف السبيل إليه ؟
- قال: الوشاية؟
- قلت: أفصح!
- قال: برهن على انتمائك بتقديم وشاية عن فلان، قريبك، وعن علان ابن أبيك، إلى الجهات التي تقدر ذلك، وابحث عن إكراميات لمسؤولين مازال لهم قول مسموع، ورأي راجح، فإنهم سيبادرون إلى اقتراحك لكفاءة عالية ووزن اجتماعي معتبر، ولتكن تلك الإكراميات متناسبة مع الوظيفة التي تطلب، فإن حصلت على الوظيفة عوضت ما فاتك، واغتنيت وأغنيت..
- قلت قد فهمت قصدك، ولا سبيل إلى ما قلت في الشق الأول لمانع داخلي، له علاقة بالتربية وعهود النشأة الأولى، ولا سبيل إليه في الشق الثاني لأنني لا أملك غير الراتب الذي تعلم شأنه، كما أنني عاهدت نفسي على أن لا أقدم رشوة ولو كان في ذلك ضياع حقوقي، وكم من حق فقدته بسبب هذا الموقف الذي يصفه الكثيرون من أصدقائي بأنه موقف أحمق..كما أن من عادتي أن أسأل الله بعد كل صلاة أن لا يرزقني إلا من الحلال الطيب، وفي هذا رد على إشارتك الأخيرة.. فهل من سبيل غير ذلك إلى ما قلت؟..
- قال: أسألك أن تدعو الله لي! فلاشك أن حرمانك من التعيين، إنما بسبب استجابة دعائك.. فأنت مستجاب الدعوة!وإذا كنت تبحث عن وظيفة في بلدك، فتجنب هذا الدعاء..
- قلت أنت من أثار الموضوع أصلا، ولا أرى أن كل الأبواب قد أغلقت، وأنا أعيد لك السؤال؛ هل من سبيل إلى غير ما قلت؟
- قال: غافلهم، وأطلب لقاء من ساندته في الانتخابات الأخيرة، وأرغيت وأزبدت، وأنفقت ما تملك لينجح، وقد نجح..
- قلت: أنت تعني إذن لقاء رئيس الجمهورية؟
- قال: نعم بالضبط. رئيس الجمهورية، فهو مهتم بالفقراء، وأنت من خيرة الفقراء..
- قلت أنت تسخر مني، ومع ذلك فأنا فهمت الآن أنك أحمق مني بكثير..
- قال: البينة على المدعي!
- قلت: لأنك تعلم أن المافيات تضع عليه الآن(رئيس الجمهورية) بالذات حاجزا سميكا، في سعي منها كي لا يرى ولا يسمع، حاجز ظاهره من ذهب القول ومعسول اللسان، وباطنه من قبله، الدسائس، والعزل، والسعي إلى الاحتواء،وامتصاص الندى الجديد القادم مما وراء البحار..فكم أنت أحمق ومغفل حين تظن أنني سألتقيه، وهؤلاء يحيطون به، فإن أفلت من قبضتهم، وكسر حائطا من سورهم وكثيرا ما فعل، نصبوا من حوله شباكهم، حتى يحكموا السور حوله من جديد، ويرمموه، وأنا من أنا؟.. لا أملك لهذه القوى الطاغية إلا كلمات لا تحبها، وكفاءة تخيفها، ومستوى من المعرفة يرعبها، فابحث لصاحبك عن منفذ غير هذا!
- قال: لا أرى لك بعد ماقلت، وزعمت إلا ما قاله الشاعر القديم:
إذ الم يكن للمرء في دولة امرئ نصــيب ولاحظ تمنى زوالها
وما ذاك من بغض لها غير أنه يرجي سواها فهو يهوى انتقالها
قلت: لقد أخطأت في هذه، كما حمقت في سابقتها، فأنا لم أصل بعد إلى هذا الحد، كما أنني والحق يقال، ساندت من ذكرتَ لأنني أتوخى منه إصلاحا، ولأنه في رأيي يستحق التأييد، ولأن حرمانه لي –على مرارته في نفسي- لا يبرر ما قلت،فأنا أتمني لدولة بلادي، ولقائد مشروعها التنموي التوفيق،ورغم أنه قد نسيني- بزعمك وزعم الكثيرين من الأصدقاء مثلك- ، وأنا أنصفه في ذلك لمشاغله الكثيرة، فإنني مازلت أسانده.. والله المستعان..

نقلا عن الأخبار