مشاهدة النسخة كاملة : لو كانت غزة في الريف الموريتاني


ابو نسيبة
06-29-2010, 02:45 AM
لو كانت غزة في الريف الموريتاني

ما شغلت العالم في العقود الأخيرة قضية كما فعلت القضية الفلسطينية وما شد انتباه الناس أمر كما فعلت قافلة الحرية الأخيرة إلى غزة ومن قبلها حرب غزة الغاشمة قبل أكثر من عام و نصف كما لم يبدو العالم عاجزا خائرا أمام إبادة جماعية بالتجويع والأمراض كما حصل مع أهل غزة المظلومين .

فرغم أن قضيتهم محورية بالنسبة للعرب والمسلمين والتضامن معهم فيها شرفـ ـ رفع الله به أردوغان وأخفض به قادة عربا كانوا يدعون تبني القضية الفلسطينية ـ ونصرة مسجدهم الأقصى جزء من العقيدة الإسلامية، لكن ما عسى العالم يفعل أمام هذا التغافل إن لم نقل التخاذل العربي المشين الذي يبقي مليون ونصف من الأبرياء في سجن مغلق أحكم تطويقه برا من جهة العرب أكثر مما تفعل إسرائيل من جهة البحر، وبتنسيق يراد وبجدر بعضها تحت الأرض والبعض فوقها بدعوى باطلة ثبت زيفها و هراؤها، أنهم يريدون منع حماس من التسلح فكانت الكاشفة حين جاءت قافلة الحرية التي حملت أصحاب الضمائر الحية والنفوس الحرة في العالم لإحداث ثغرة في هذا الصمت المطبق على جريمة نكراء كهذه، فاستطاعوا أن يسمعوا النمرود توحيد الجليل حين كانوا في مثل نيران الخليل وسارت قافلتهم رغم نباح كلاب العدو. ولقد نجحوا حيث فشل العالم بأسره في أن يكشفوا عن الخلفية الحقيقية لإسرائيل فأروا العالم كم هي مهووسة بالقتل وإراقة الدماء ولو كلفهم ذلك أن يعيشوا ولو للحظات قليلة جزءا يسيرا من معاناة أهل فلسطين اليومية من تقديم للأرواح والدماء والسجون والإهانة ففضحوا بصبرهم زيف وأكاذيب هذا العدو الذي لا يعترف بالمواثيق الدولية ولا يحترم قرارات الأمم المتحدة .
هب العالم بأسره مستنكرا ما حصل للقافلة هبة قوية وعفوية استطاعت أن تنسي المتعارضين نقاط الاختلاف بينهم في توحيدهم لخطابهم وإن كان ليوم واحد وقضية واحدة كما حصل في موريتانيا من تضامن شعبي ورسمي منقطع النظير جعلني أتمنى أن لو كانت غزة في الريف الموريتاني الذي عدت منه قبل أيام كي أستطيع أن أتخيل المعنيين بالأمر يسيرون قوافل محملة بالمواد الغذائية والأدوية وحتى بالماء الشروب إلى قرى في وسط البلاد تعيش تحت حصار الطبيعة وخلف أسوار الجهل وأمام سيل المرض وفوق أرض جرداء لم تعد تنبت لشح المياه. معاناتهم لا توصف بالتأويل و لا تدرك بالتحليل، يرفعون شكواهم لكل زائر ويرجون الولي الناصر، لديهم مدارس منذ عقود لكنهم لا يعرفون ما يسمى بمسابقة ختم الدروس الابتدائية لسبب بسيط هو أن مدارسهم ربما لم تعد كي تتفضل بخريجين إلى الساحة الوطنية فهي تفتح بعد الافتتاح بشهرين وتغلق قبله بشهرين وبين هذا وذاك غياب وإهمال ولامبالاة، إذا أردت زيارة هذه القرى عليك أن تتحصن ضد الصداع لأنك لن تجد حبة باراستامول ولا نقطة صحية إلا في المقاطعات المركزية فهم لا يمرضون ومن تموت من النساء بالولادة أو من الأطفال بالسعال فذالك قضاء وقدر. سيارات الإسعاف عندهم عربات يجرها حمير تميت المريض قبل وقته لكثرة ما تبطئ به. أما عن الماء الشروب فإن المياه السطحية هي مصدره فإن جفت فجلبه قد يكلف مشقة جلب الدواء لبعده. أما أن تحدثهم عن الحنفيات فذلك من نسج الخيال عندهم.
يطالعك عند دخول أي من هذه القرى صبية قد علاهم الغبار وبدت عليهم آُثار الضياع وشابات شاحبات تراهن بعمر العجائز من مكابدة قساوة الطبيعة، يستقبلونك حين تلوح في الأفق علك آت بإسعاف أو نجدة تماما كما تشرئب أعناق أهل غزة إلى خيال قافلة الحرية في المياه الدولية ولما تتراءى لهم بعد .
فإن كان أهل غزة يحتاجون إلى قافلة للحرية لأنهم محاصرون فإنهم يحتاجون إلى قوافل إغاثة لأنهم مغلوبون ومستضعفون.

على ولد السالك

نقلا عن السراج الإخباري