مشاهدة النسخة كاملة : فلسطين التاريخ والمأساة


أبو فاطمة
06-27-2010, 09:47 AM
فلسطين التاريخ والمأساة

محمد خليفة

شكلت فلسطين عبر التاريخ الجغرافي الاستراتيجي هدفاً مهماً لجميع الدول الهادفة إلى التوسع، فهي جسر يربط الشرق بالغرب، ونظراً لأهمية هذا الجسر فقد شكّل عبر التاريخ هدفاً مهماً للدول الاستعمارية، وجاءت الاستكشافات الجغرافية التي رافقت الثورة الصناعية في الغرب لتزيد من الأهمية الاستراتيجية لفلسطين، وهكذا فقد استعاد الغرب اهتماماته بالمنطقة في أعقاب احتلال بريطانيا للهند في القرن السابع عشر، وكذلك كان لحملة نابليون على مصر وفلسطين أثر في إبراز الأهمية الاستراتيجية لجغرافية فلسطين، وكانت معبراً لمصر قبل النكبة، وكان الكثير من أبناء الأمة العربية يؤمّون فلسطين بحثاً عن العمل أو السياحة لما تتميز به من جمال الطبيعة والرفاهية التي كان ينعم بها أهلها، ذلك البلد المعطاء من حضارة وثقافة، وأهلها يتلونون بلون اللؤلؤ، فالحب والجمال لديهم يحركان النفس وبما يحققان الإيقاع والتناغم، ذلك البحر المفتوح على الحرية، تقرأ على جدران بيوتها إيقاعات لا مثيل لها، كأنها كتبت على لوح نوتة موسيقية ناطقة تؤكد أن تاريخه كتب تحت ظل أشجاره العتيقة، التي تحتضن روح المكان بمناخه وبنماذج بيوته وبتقاليد ناسه .

فلسطين هي بيت الوجود الذي يسكنه البشر، وهي تعكس كل ما تمرّ به المجتمعات من ظروف وإمكانات، ويقترن العمران بالحركة المادية كحركة الشيء وإيقاعه، ولهذا ظهرت في جميع الأديان علاقات روحية مع مبان مقدسة، كالمسجد الأقصى في داخل البلدة القديمة لمدينة القدس والحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل وكنيسة القيامة وكنيسة المهد في بيت لحم، وما تحمله من معاني روحية الإنسان، كما أنها منظومة لما تمثله أيضاً من منظور إنساني وروحي باعتبارها أكثر المعالم قدسية في الأرض التي بشّر فيها جبرائيل مريم العذراء بولادة يسوع المسيح، فنشأ المسيح وقضى معظم حياته في الناصره هذه المدينة القديمة المذكورة في العهد الجديد 29 مرة، ونسب إليها وسمي “يسوع الناصري”، أي نذيراً مكرساً لفداء بني الإنسان، وسمي اتباعه “النصارى” نسبة إلى الناصرة التي سميت مدينة البشارة، ويقال إنها تعني الزهرة أيضاً . وقد دخلها المسلمون عام 634م . وحينما بدأت الحملات الصليبية على المنطقة كانت من ضمن المدن التي شهدت نزاعات كثيرة، وبموجب معاهدة عام 1229م بين ملك الفرنجة والملك الكامل عادت إلى الفرنجة وبعد ذلك تناوب الطرفان السيطرة عليها . وأثناء حصار نابليون لمدينة عكا عام 1179م استولى العثمانيون على الناصرة وسيطروا عليها إلى أن أصبحت مركز القيادة الألمانية التركية بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخلها الإنجليز في عام 1918م عقب هزيمة الأتراك وعاشت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ثم سقطت الناصرة كبقية المدن الفلسطينية الأخرى بيد اليهود في عام 1948م .

لكن فلسطين تعيش الآن العرس الحزين وعناء القلق والوحشة، حيث كان آخرها الهجوم “الإسرائيلي” على “أسطول الحرية” الذي أدى إلى استشهاد وجرح العشرات من دعاة السلام القادمين من مختلف دول العالم، والذين يحملون معونات من الأغذية والأدوية والمعدات الطبية للأطفال والمرضى والمعاقين المحاصرين في غزة . وبالأمس أيضاً قُتلت ابنة الأقصى بعد أن لبست أبهى حللها احتفالاً بزواجها، وخرجت إلى موكب العرس مستبشرة، يشع من عينيها بريق الأمل والتفاؤل، وما أن وقفت مع عريسها لكي تبدأ طقوس الزواج حتى خارت قواها وسقطت بين يدي أمها والحضور من دون حراك، وساد الهرج والمرج كرّ وفرّ وسباق دراماتيكي تاريخي نحو الحزن هذا يبكي وذاك منذهل، ما الذي حدث والذي يحدث؟ وعندما جسّ والدها نبضها وأعلن أنها فارقت الحياة نتيجة رصاصة طائشة انطلقت من الشارع على المصلين يوم الجمعة، انقلب العرس إلى مأتم وحلّ العويل محل المرح، وبدلاً من أن تحتفل الأسرة بعرس ابنتها أعلن الحداد في ذلك اليوم . وحسب التقاليد المتوارثة في فلسطين وضعت الفتاة في النعش لنقلها إلى ضريح الأسرة بجوارالمسجد الأقصى، وأثناء نقلها إلى المقبرة اجتاح الجنود “الإسرائيليون” المنطقة مرة أخرى ومنعوا المصلين من الصلاة أو الوصول إلى المقبرة، وحوصرت المنطقة وتساقط عشرات الناس جرحى واكتظ المستشفى بالمصابين، وبقي جسد الفتاه مسجى على الطريق، ووقف والدها وبنظرات مذعورة وأنفاس محمومة أخذ يناجيها غسل وجهه بالدموع، ثم قبل رأسها وراح يقبل وجهها المشرق، وبدأ يردد إذا كانت الدنيا برحابتها قد ضاقت، ففي هذه الأرض دفنت جدتك تحت ترابها وأمنت تراب وطني عليها .

وبعد السماح للناس بنقل النعش اصطف القوم في حسرة على فراق هذه الفتاة، ثم حثوا التراب عليها ورحلت في طريقها المشهود إلى الدار الآخرة، مضت إلى الأبد إلى حيث يمضي الآخرون . رحلت الفتاة التي كانت شمعة ومضت وسط الظلام، وذابت الشمعة وانزوى العود الفضي وسقطت زهرته التي لم تكمل تفتحتها .

ومع شروق شمس الصباح كان الموت يحيط بالمدينة من كل جانب، غالب والدها الآمه النفسية وارتمى على الشاطئ يتأمل سفينة الحرية التي ذبحت في البحر واستشهد وجُرح واعتقل كل من فيها من دعاة السلام، وكانت أمواج البحر عاتية ومزمجرة ترغي وتزبد ولا يبقى منها إلا رغاء رجال السياسة الذي لا يلبث أن يذوب، ثم جلس تحت الشجرة بجانب الشاطئ فوجد كسوراً على أغصانها وبللاً من دموع قهر الاحتلال على ما تبقى من أوراقها، فالشجر في فلسطين يبكي دموعاً الدم ويفيض الدم من أغصانه يوم همّ الصهاينة المعتدون باقتلاع جذوره . ورأى موجة تدفع موجة والشاطئ صامد كالوطن صمود الأبد، ثم اتجه إلى الله رافعاً يديه “يا رب أنزل في قدرك اللطف، يا رب إننا نتعذب في هذه الأرض، يارب ليس لنا أحد، نتوسل إليك أن تنظر إلى حالتنا بعين الرحمة، ساعدنا على تحمل هذا الحصار والطغيان، رحماك، فنحن نقف في هذا الوطن أرض الأنبياء على مشارف الهاوية، ومؤتمرات الفشل العربية أصبحت وهما زائفاً ينتزع الدم والحياة من الإنسان الفلسطيني وقراراتهم كالرياح دائماً عابثة، وأوصلت القضية الفلسطينية إلى شاطئ الظلام وطوته مع أمواج البحر وانهيار القانون والقيم والمثل الإنسانية” .

العالم يتحمل كامل المسؤولية عما يحدث في فلسطين من إبادة وهدم وتغيير للجغرافيا . والسؤال إلى أين يمضي حق الفلسطينين في الحياة وإلى متى أحداثه تتقاطر الحقائق وفي صفحاته تنام السير والمؤامرات العمياء على التيار الذي قضى على سيادة العقل وجعل لإرادة الشر والأنانية القوة في الاستبداد والصمت على ما يفعله هذا الكيان كل يوم من اعتداء وقهر وظلم وتدمير وقتل للأبرياء المدنيين والحروب التي لا يهدأ لطرف فيها بال، لأجيال مضت وأجيال لا تزال تنتظر أملاً كاذباً مزعوماً يشيح بوجهه عن الحياة؟

* كاتب من الإمارات

نقلا عن دار الخليج