مشاهدة النسخة كاملة : تحطيم الحياة . . العراق نموذجاً


أبو فاطمة
06-27-2010, 09:43 AM
تحطيم الحياة . . العراق نموذجاً



محمد خليفة

تتجلى مشاهد العنف والدمار والقتل في العراق وكل شيء ينهار ويحترق ويذروه الرماد غارقاً في الأمواج العكرة المسعورة، مليء بالآلام في الماضي والمستقبل اللانهائي الذي يبدو كشيء مجهول وسط ضجيج الانفجارات التي تبرق في مساحتها، حيث يشهد العراق سقوط الأيديولوجيات في ظلام عالم الشر، وما يصاحب هذا الشر من الآلام وعذاب وعداء لمئات المدنيين الأبرياء الذين يبادون صباح مساء فتراق دماؤهم وتداس كراماتهم من جراء السياسات المبنية على أساس عرقي أو ديني أو الهيمنة الأجنبية التي من مصلحتها استمرار حالة الانقسام والتشظي في وطن يبدو وكأنه منذ أن ولد إنسانه يسعى جهده، محتملاً أشد صنوف العذاب والقلق والفزع والخوف، محفوفاً بالمتاعب والعراقيل، باذلاً ما في وسعه من طاقة، وكل ما يحصله بعد هذا العناء كله هو أن يحافظ على هذه الحياة البائسة بينما الموت نصب عينيه في كل فعل وفي كل آن . فهو في كل يوم جديد يرى الدم يسفك في وطنه وكأنه ينطبق عليه قول المفكر هوبز بأن الناس بطباعهم أشرار يسودهم النفاق والغدر والحقد والرغبة في الأذى والظلم، والإنسان شر ما فيه، فهو ذئب لأخيه الإنسان، هذه الصفة انبثقت من ارادة عمائق اللاشعور في عالم لا نهاية له ولا حدود وسط حشد هائل من الأفراد المجهدين المتألمين الضالين .

ففي النظريات الأخلاقية يحيا الإنسان في الزمان لإثبات نبل البشر وتفوقهم على المخلوقات الأخرى، وهيمن هذا الدافع على أولئك المدافعين المخلصين عن فضائل النورانية التي تحلق في الملأ على درب الحياة وتميز الإنسان في أحواله الروحية عن الوحوش التي لا تقتل المخلوقات الأخرى لمجرد الابتهاج ولا تبني معسكرات اعتقال لأبناء جنسها إلى أن تهلكهم ألماً ولا تستنبط متعة منحرفة من معاناة أقرانها وآلامهم .

ولقرون خلت والفلاسفة وعلماء النفس يبحثون عن السبب الذي يجعل الإنسان أكثر فحشاً وضراوة، فمنذ فجر التاريخ كان الألم ماثلاً في كل موجود، وكان البابليون والعبرانيون القدامى يعذبون الأسرى بالرجم أو بالحرق، وكانت لدى الآشوريين والمصريين تدابير تشريعية لاستخدام التعذيب مثلما كان الأمر عند الفرس والأغريق والقرطاجيين والرومان .

وأسوأ الفظاعات التي ارتكبتها الإنسانية كانت باسم الرب والوطن والصالح العام، ففي العصور الوسطى كان الأباطرة والأساقفة والبابوات يتنافسون على الممتلكات والثروات والسلطة، وكانت للكنيسة الكلمة العليا لأنها تمسك بمفاتيح أبواب العالم الآخر كما تزعم، وكانت تقف في وجه الأفراد والجماعات التي تشكل خطراً عليها، وخير مثال مذبحة الألبيجنسيين في عام 1244 بعد حرب مدمرة دامت 65 عاماً شنتها الكنيسة ضد الهرطقة، وحينما بدأت محاكم التفتيش حربها على الهرطقة اعتمدت على سلاح التخويف واستخدمت التعذيب بكافة أساليبه، من المخلعة والبكرة والحديد المحمي والجلد والشنق والحرق حتى الموت . وكان حاملو الجثث الذين يعذبون الأبرياء يقترفون جرائم مروعة لمجرد تحقيق الربح والطاعة للمؤسسة الدينية . وفي أيام الرق كان المالكون والمراقبون يفرضون أشنع أنواع العقوبات من أجل ترويض العبيد، ولاجبارهم على أداء الحد الأقصى من العمل . وفي مراحل التاريخ كلها كان السجانون يستخدمون التعذيب لبث الذعر في المساجين، ولن تجد فيهم غير الظلم الفادح والقسوة الباهظة والرغبة في الإيذاء .

إن المبادئ هي ذاتها التي ارتكبت بموجبها الفظائع والتعذيب في زنزانات القرون الوسطى أو في معسكرات الاعتقال النازية، فقد كانت أعمال التعذيب والأعمال الوحشية دائماً تستخدم من أجل تحقيق أغراض مختلفة، والمفارقة الجلية أن أفظع المجازر البشرية كانت دائماً من صنع أولئك الذين كانوا أكثر تحضراً، وكثيراً في الحضارات ما يتشابه المتحضرون وغير المتحضرين في وحشية التعذيب الجسدي .

ورغم أن التعذيب ليس وارداً في الجرائم كلها إلا أن كل تعذيب يشكل جريمة من وجهة نظر المثاليين، وليس جريمة ما لم يقم به عدو من وجهة نظر الذرائعيين وكثيراً ما تكون أكبر مشكلة في تحديد هوية العدو .

إن الجريمة لن تزول مثلما أن التعذيب لن يزول، وستبقى هاتان الوصمتان على وجه الأرض طالما أن الإنسان موجود للابقاء عليها . إن ذروة الوحشية التي يصل الناس في الحرب ليست وقفاً على شعب أو أمة، ولكن معظم الناس يميلون إلى النسيان وينظرون إلى مظالم الماضي بلا مبالاة ويندفعون للدفاع عنها والتقليل من شأنها أو إنكار كل ما قام به أبناء بلدهم .

إن مواليد القرن ال 20 رأوا أموراً من كافة صنوف التعذيب التي يتمنون أن ينسوها وألا تتكرر، ففي عام 1905 اندلعت ثورة في روسيا القيصرية وقمعت بأفظع أنواع التعذيب الجسدي والمعنوي، وارتكب “الإسرائيليون” أبشع المذابح وعمليات التطهير العرقي بحق الفلسطينين بعدما كان اليهود ضحايا النازية، وعذب الجنود الفرنسيون الشعب الجزائري بأسوأ ما تعنيه الكلمة بعدما كان الفرنسيون ضحايا الاحتلال الألماني . وقد بدأ الراهب الفرنسي ايريك كروسه كتابه “قونيوس الجديد” في 1590 ببيان أسباب الحروب والعنف لإثبات أنها لا تستحق ما تؤدي إليه من تكاليف في المال والرجال لعوامل دينية أو اختلاف القوميات، وليس في الحرب مغانم تعيد ما أنفق فيها من سفك الدماء وضياع الأموال وخراب الديار، أما الأديان كلها فتقوم على حجج وكل واحد منها يزعم أنه وحده الأفضل، بالرغم من أن جميعها تهدف إلى غاية واحدة، هي الاعتراف بالألوهية وعبادتها، ولهذا فإن اختلاف الدين لا يمكن إذن أن يحول دون السلام العالمي، ويقول: لماذا أنا، أنا الفرنسي أضمر الشر إلى الياباني أو الهندي؟ لا يمكنني ذلك، حين أنظر إليهم إنهم أناس مثلي تماماً، وإنني مثلهم معرض للخطأ والخطيئة، وإن كل الأمم تتشارك برابطة طبيعية وبالتالي لا تقبل الانفصام، ويضيف ايريك هل هناك ما هو أدعى إلى السخرية من كون أن إنساناً له الحق في قتلي لأنه يقيم على الشاطئ الآخر من الماء وأن السياسة السبب في هذا الخلاف بينما أنا ليس بيني وبينه أي خصومة .

العنف يدمر الحرية ومادة الإرادة العامة المراعية للأخلاق وإرادة الأعلى للخير، للوجود ومكان الإنسان وتأثيره حيث يشكل القانون الأخلاقي بالنسبة للإنسان الكامل نظرية التفاعل والتسامي التي من شأنها أن تجعل الإنسانية مقدسة في الإنسان والإنسانيات المرتبطة بوجوده في معزل عن الظاهرة الفيزيائية لوجود الإنسان على سطح الأرض .

ويبقى العراق لطخة سوداء على جبين ما يسمى الديمقراطية الأمريكية، إذ إنه في ظلها تجرى مجازر يومية ضحاياها من المدنيين .

نقلا عن دار الخليج