مشاهدة النسخة كاملة : الاستقراء المستقبلي وحال العرب


أبو فاطمة
06-27-2010, 09:38 AM
الاستقراء المستقبلي وحال العرب
محمد خليفة

المستقبل هو ذلك الزمن الذي يضم كل الأحداث التي لم تحدث بعد، وهو نقيض الماضي، ويلي الحاضر في الحدوث، كما أنه المجهول الذي لا يكاد يعرفه أحد، كيف يمكن التنبؤ به أو بمفاجآت تنطوي على نتائج تثير الدهشة والذهول . وكان العلماء والفلاسفة قبل مائة وأربعين سنة يفكرون في الماضي، لعلهم أن يتصوروا أنفسهم أشباه العرافين، ويضعون على ما كان كل العمق الحي الذي لا يثبت حقاً إلا للمستقبل، وأن توالي السنين والأحداث أو وقوعها معاً لا معنى لها إلا في كل حالة، وفي النطاق الذي يمكن فيه لهذه الأحداث أن تؤثر بعضها في بعض .

فمن المعروف أن الدراسات المستقبلية أو “الفيوتشرولوجي” قد نشأت كعلم مستقل حديثاً في المجتمعات الغربية، وبالتحديد في منتصف الستنيات من القرن ال ،20 بينما تعود جذورها إلى القرن ال ،19 فهي علم وفن وممارسة التوقعات المرجحة . وبرزت توجهات مختلفة فيما بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية والولايات المتحدة والدول النامية في مرحلة ما بعد الاستعمار، إذ إنه في الخمسينات بدأت الأمم والشعوب الأوروبية في إعادة بناء قارتها التي دمرتها الحروب، ما جعلهم يكرسون كافة مواردهم البشرية والمادية وطاقاتهم في وضع سيناريوهات لما سيكون عليه مستقبل بلدانهم على وجه الخصوص والبشرية عموماً . كما شارك الاتحاد السوفييتي سابقاً ودول الكتلة الشرقية في بناء أوروبا، لكنهم لم يسهموا في عملية التخطيط الاقتصادي الوطني، والذي كان يتطلب وضع خطط منظمة طويلة الأمد لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية . واستخدمت الولايات المتحدة مناهج الاستقراء بنجاح، حيث ركز الأمريكيون على المشاريع التطبيقية والأدوات الكمية والأنظمة التحليلية، بينما اهتم الأوروبيون بالتحقيق في المستقبل الطويل الأمد للإنسانية، ولكوكب الأرض ومكونات ذلك المستقبل، والرموز والمعاني الكفيلة بالتعبير عنه . أما دول آسيا وإفريقيا النامية فقد واجهت تحديات في تأسيس بنى صناعية في ظل مواردها المحدودة، وكذلك في تكوين هويات وطنية تمشياً مع الأهداف الطويلة المدى .

وهذه الدراسات لم تنشأ إلا لكونها تريد أن تتناول التخطيط والمستقبل بنظرة علمية، من خلال وضع التصورات المستقبلية عن النظرة المحلية أو العالمية تجاه قضية من القضايا، مثل الحروب الحدودية وما إليها من القضايا العالمية الشائكة، بعد عشرين سنة أو أكثر أو أقل إذا بقيت المشكلة قائمة . فهي تسعى إلى بحث إحدى أعقد المشكلات السياسية، الاقتصادية أو القانونية التي يعانيها العالم منذ نشوئه، وما تثيره في كثير من الحالات من قضايا خلافية ونزاعات متعددة تتعلق بالعوامل الجغرافية المتعلقة بترسيم الحدود على صعيد خصائصها البحرية والبرية التي تتسبب في حالات توتر ونزاعات خطيرة، وتنعكس هذه الحالة بشكل سلبي على مختلف أشكال التعاون التجاري والتواصل الاجتماعي بين الدول .

ولا شك أن التخطيط السليم للمستقبل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال توظيف التنبؤ بالأحداث قبل أن تتحول إلى أزمات وكوارث، ومن هنا تظهر أهمية معرفة أو توقع أو تنبؤ ماذا سيحدث من مشكلات وما يستجد من مخاطر ومهددات، إضافة إلى أن إعداد العدة واستكمال التجهيزات وتطوير وتحديث الآليات والأساليب في ضوء ما يتم التنبؤ به، أصبح أمراً حتمياً لكافة المؤسسات وعلى المستوى العام . فالدراسات المستقبلية تعتمد على قراءة المستقبل، وتأخذ بعين الاعتبار الحاضر من المعلومات والإحصاءات التي يتولى دراستها وتحليلها مجموعة من الباحثين المؤهلين وذوي الخبرات في هذا الحقل أو ذاك . وهذا الاستقراء للحاضر ومن ثم وضع الخطوط المستقبلية لما سيكون عليه المستقبل تجاه مختلف القضايا، كقضية الحدود على سبيل المثال التي تكتسي أهمية بالغة في مجال القانون الدولي، والدراسات المرتبطة بحقل العلاقات الدولية والاستقلال السياسي للدول، ما يجعلها أحد أهم الموضوعات التي يتم التفاوض بشأنها من طرف الدول المستقلة، كما تشكل أحد عناصر الاستقرار والأمن وحسن الجوار المقدس، الأمر الذي يجعل المساس بها بمثابة عدوان صارخ وإعلان حرب، فالمجتمعات بصفة عامة صغيرها وكبيرها، كثيراً ما تواجهها قضايا عويصة ومشكلات معقدة تحتاج إلى وقفات متأنية وتتطلب قراءات خاصة .

وليس أقدر من الاستقراء المستقبلي لتسليط الضوء على قضية أو مشكلة ما في دولة أو مجتمع معين، إذ إن التحليل النقدي للدراسات المستقبلية والاستقراء المستقبلي لا يؤدي إلا إلى التحقق من التصورات والأقوال المصحوبة بملاحظة عن احتمال الدقة واستخلاص الوقائع التاريخية الجزئية التي بها ينبغي أن يشيد العلم والتصورات والأقوال نوعاً من النتائج، ويمكن أن يسعى الباحثون لاستخلاص هذه المواد التي تكون المعرفة المستقبلية فيما يتصل بالعصور الماضية أو أنواع الوقائع الاجتماعية والمادية، ومن ثم استقراء الحوادث التي تبدو أكثر أهمية من الأحداث التاريخية والأحوال العابرة وقياسها .

إن التفكير الجاد في تطبيق مناهج الدراسات المستقبلية والأنظمة التحليلية والتفكير الدائم بتنظيم إدارة الأزمات والمشكلات ليتم استشارتها عند وجود أزمة معينة، تقدم مساعدة قيمة لمتخذي القرار في هذا المجال، فلا بد من السعي إلى توفير المعلومات عن الكفايات العلمية، فضلاً عن ذلك يجب أن تتصف بالميل للتأمل العقلي والنزاهة التامة . إذ يجب على الباحث المؤهل أن يختار العمل لغايات بعيدة الاحتمال لأنه من يكتب التاريخ في المستقبل، ولابد أن يكون قد قرأ القضايا الحيوية والشائكة على حد سواء، معتمداً على برنامج التخطيط المنظم والمعرفة العميقة بالموضوعات الجزئية، وذلك لخدمة أهداف تخطيط المستقبل وبأساليب واعية وموضوعية، لأن المعلومات المستقبلية ليست هدفاً في ذاتها، وإنما هي مواد خام لتصنيف الأفكار في المجال المعرفي، ووضع التصورات والخطوط العامة لمواجهة الصعاب، ولاحتشاد طاقات الإنسان، وتأسيس مكانته للتعامل مع الأحداث الكبرى بكافة التحولات من خلال مفهوم التغيير الديناميكي، سواء الأيديولوجي القانوني أو التدريجي الناتج من الحالات الاستثنائية أو المفاجئة التي تأتي بشكل فعل أو تفاعل لبعض الأحداث .

ويشدد الممارسون العصريون على أهمية التفكير وتصور وخلق أشكال متعددة وبديلة ومرغوبة للمستقبل، والإمعان في عدة سيناريوهات تكون أقرب إلى الحدوث مستقبلاً، عوضاً عن مستقبل واحد ذي توقعات ومجالات محدودة، لكن لا تزال الدراسات المستقبلية تواجه تحديات بشأن إيجاد إطار فكري متماسك منسق في منهج موثق يضم المفاهيم المعتمدة والنماذج النظرية المتصلة بالأساليب البحثية الكمية منها والنوعية وإرشادات التطبيق الأخلاقية، والملائمة لطبيعة كل المجتمعات البشرية .

من هنا ننطلق لنطرح السؤال: وماذا عن وطننا العربي؟ هل تقوم دولنا بوضع دراسات مستقبلية بشأن القضايا التي تواجهها وما أكثرها، ووضعها أمام أصحاب القرار ليتخذوا اللازم؟ الحقيقة أن دولاً لا تزال تعيش في الماضي لا تفكر بالمستقبل، خصوصاً أنها غير قادة على مواجهة الحاضر .

نقلا عن دار الخليج