مشاهدة النسخة كاملة : إشراقات شنقيطية الحلقة الخامسة "من النزوح الأوربي إلي الاستقلال"


محمد فاضل بن أحمدو
06-26-2010, 01:36 PM
إشراقات شنقيطية

الحلقة الخامسة : من النزوح الأوربي إلي الاستقلال


ترجع بداية الوجود الأوربي على السواحل الموريتانية إلى منتصف القرن 9هـ 15م وكان البرتغاليون أول من دشن هذه السواحل ، حيث أسسوا مركزا تجاريا بجزيرة " آركين([1]) " سنة 1445م ووصلوا في نفس الفترة إلى مصب نهر السينغال([2]) ، ثم استطاعوا التغلغل إلى أعماق البلاد وأسسوا مركزا تجاريا في مدينة " وادان " لكنه مالبث أن زال من الخريطة تحت ضغط السكان ([3]).
كانت البعثات الأوربية في بداية زحفها تبحث عن الذهب والرقيق والعنبر والتمور والدهون وزيت خنزير البحر وجلود ذئابه([4])، لكنها ما لبثت أن صار العلك "= الصمغ العربي" هو شغلها الشاغل حيث كانت المنطقة تتوفر على كميات كبيرة منه ، في الوقت الذي كان يشكل مادة أساسية في صناعة النسيج الأوربي .
ظل الحضور الأوروبي في جميع مراحله وصراعاته يعتمد على التعامل مع الأمراءالحسا نيين عن طريق معاهدات يؤمن بها الأوربيون قوافلهم ويحصل الأمراء من خلالها على امتيازات تتمثل غالبا في الأقمشة والأسلحة([5]) ، وقد استفادت قبائل الزوايا من هذه المبادلات استفادة كبيرة في ظل المعاهدات الحسا نية وتحسنت أوضاع الكثير منهم تحسنا مطردا .
في بداية القرن 17م أحتل الهولنديون جزيرة آركين وانتزعوها من البرتغاليين وجعلوها قلعة محصنة وبنوا ميناء " هَدِّى([6])" الذي عرف فيما بعد ب ( بورتانديك) port tendique كما أقامت فرنسا أواسط القرن 17م مركز(سين لويس ) Saint-Louis عند مصب نهر السينغال الذي سيصبح فيما بعد عاصمة لمستعمرتها و شهدت هذه المراكز الثلاثة طيلة القرن 17م وخاصة الأولين منها صراعا كبيرا بين البرتغال و هولندا وفرنسا واسبانيا وانجلترا وبروسيا، وفي العقد الثاني من القرن 18م بدأ انسحاب بعض هذه الدول و اعتزال الصراع على " العلك " فانسحبت بروسيا وهولندا والبرتغال وإسبانيا ، وبقى الصراع محتدما بين فرنسا وإنجلترا ، فدامت المواجهات بينهما أكثر من عشرين سنة ، حتى تنازلت إنجلترا سنة 1857م عن "حقها" في التبادل على السواحل الموريتانية مقابل تنازل فرنسا عن جزء من الساحل الغامبي([7]).
بقيت فرنسا وحيدة وبدأت أطماعها تتجاوز المجال التجاري وأصبحت تفكر بجد في تنفيذ مشاريعها الاستعمارية وتتدخل في سياسة المنطقة ، فأغضب ذلك أمراء الترارزة خاصة عندما قام الفرنسيون ببسط نفوذهم على منطقة "والو"([8]) في السينغال التي كان الأمراء يعتبرونها منطقة تابعة لهم ويأخذون عليها الأتاوات.
بدأت المواجهات بين فرنسا وأمراء الترارزة على منطقة "والو" ( وكانت تقع من حين إلى آخر غارات من الترارزة والبراكنة على السينغال فيكون رد فعل فرنسا قتلا وأسرا وحجزا موقوتا للموريتانيين الواردين على السينغال وتجميدا موقتا للأتوات ،كما يجمد الأمراء التجارة تارة([9]) ) .
في سنة 1274هـ / 1854م نشبت الحرب بين فرنسا وإمارتي الترارزة والبراكنة وانتهت بتخلي الترارزة عن السينغال وقطع الامتيازات وتعويضها بمبلغ زهيد لم تلبث فرنسا أن أوقفت دفعه حين ضعف دور الأمراء وسادت الفوضى والقتل والنهب المنظم ، مما اضطر بعض الساسة أن يلوح بعدم الممانعة في دخول فرنسا وتدخلها لتهدئة الأوضاع وضمان الأمن ، فوقع بعض الوجهاء اتفاقية مع مبعوث فرنسا "كابولاني"([10]) سنة 1899م تم بعدها احتلال أجزاء من البلاد([11])..
لكن مجموعة أخرى من الطبقة المثقفة وأصحاب الضمائر الحية رأت في الاتفاق مع المستعمر وتركه يدخل بلاد المسلمين ، ردة عن الحق وركونا للذين ظلموا وموالاة لهم ، فأعلنت الحرب على المستعمر.
التف جمهور المقاومين حول المناضل : الشيخ ماء العينين([12]) بن الشيخ محمد فاضل الذي كان يتلقى الدعم من الأمراء العلويين في المغرب الأقصى وسجلت المقاومة الموريتانية بطولات عديدة كان من بينها قتل المبعوث الفرنسي كابولاني([13])،كما فقدت أبطالا كثيرين مازالت أسماؤهم مصابيح في صفحات التاريخ الموريتاني الحديث ، وتكبد المستعمر خسائر كبيرة نسبيا بالمقارنة مع إمكانيات المقاومين وعددهم ،ففي سنة 1908م على سبيل المثال: ( وقعت 35 معركة قتل فيها من جيش الاحتلال "150" عسكريا من بينهم ثلاثة ضباط وخمسة ضباط صف وأربعة وثلاثون ومائة جندي وجرح سبعة مدنيين ونهبت قوافل كثيرة وعدد لا يحصى من الأنعام وقطعت الأسلاك "التلغرافية" أكثر من عشرين مرة )
لكن شساعةالبلاد وصعوبة المناخ ومحدودية الإمكانيات وعدم الإجماع على مشروعية المقاومة كلها عوائق حالت – ربما مع غيرها – في عدم صد الاستعمار والحيلولة دون بسط نفوذه على البلاد وتحكمه في العباد ، حيث غطى كافة المجال الموريتاني سنة 1935م إلا ما كانت إسبانيا قد سيطرت عليه في الشمال الغربي .
بعد الحرب العالمية الثانية بدأت بشائر استقلال البلدان المستعمرة تلوح في الأفق وبدأت الشعوب المستعمرة تشيم غيث الاستقلال ، ففي سنة 1945م منح دستور فرنسا لبلدان ما وراء البحار حق تمثيلها في المجالس الفرنسية ، فمثلت موريتانيا بموجب هذه المادة الدستورية بنائب في البرلمان الفرنسي ومستشارين في المجلس الوطني .
في سنة 1957م أحدث الدستور الفرنسي ما عرف بالقانون الإطاري الذي يسمح لبعض مستعمراتها بانتخاب رئيس ، فتأسست أول حكومة موريتانية إطارية على رأسها الأستاذ : المختار بن داداه([14]) الشخص الوحيد الذي كان يحمل شهادة جامعية من كافة الموريتانيين في ذلك الحين .
في سنة 1958م منح لموريتانيا حق تقرير المصير ، فأنشئت لجنة دستورية ، وانتخبت هذه اللجنة مجلسا وطنيا منح ثقته للمختار بن داداه بوصفه رئيسا للحكومة .
في 28/نوفمبر/1960م أعلنت الجمهورية الإسلامية الموريتانية استقلالها وفي 27 أكتوبر من السنة الموالية انضمت إلى منظمة الأمم المتحدة.
تجدر الإشارة إلى أن المستعمر الفرنسي رحل عن موريتانيا وتركها خلوا من أية بنية تحتية ينطلق منها بناة الدولة المستقلة – مثل التي ترك في الدول المجاورة – فوضع ذلك تحديات كبيرة أمام جيل الإستقلال حيث بدأ من الصفر في جميع مجالات الحياة ، وعندما كادت الدولة أن تستوي على ساقيها من عدم ، ابتليت بمسلسل من الانقلابات والدكتاتوريات منذ سنة 1978م ، فانعكس ذلك سلبا على ثروة ثقافية ظلت أكثر من أربعة قرون حبيسة الأدراج والصناديق وصدور الرجال تتحرى بفارغ الصبر ظروفا سياسية مواتية تنقذها وتحميها، فخاب أملها وضاع منها الكثير

هوامش
------------------------------
[1] - يقع في شمال العاصمة، بين رأس تيميريس و خليج الكلب يسمى الآن حوض آركين تم اعلانه حظيرة وطنية محمية، نظرا لأهمية تنوع تجمعات الطيور التي تأوي إليها.
[2] - محمدالمختار بن السعد: إمارة الترارزة ج1 ص 388 ( م س ).
[3] - أحمد ابن الحسن: الشعر الشنقيطي ص 47 ( م س )
[4] - محمدالمختار بن السعد: إمارة الترارزة ج1 ص 399 ( م س ).
[5] - المرجع السابق ص.....
[6] - نسبة إلى هدى بن احمد بن دامان ثاني أمراء الترارزة (ت 1686).
[7] - -محمد المختار بن السعد إمارة الترارزة ج... ص.... ( م س )
[8] -
[9] - المختارين حامد ج1 ص 227 ( م س )
[10] - المرجع السابق ص 228
[11] - هذه الاتفاقية توجد منها صورة في ملحق / محمد الصوفي بن الأمين: المحاظرالموريتانية وآثرها التربوية في المجتمع الموريتاني (بحث مقد م لنيل درجة الماجستير في التربية ) – جامعة الملك محمد بن سعود - م م العربية السعودية 1406هـــــــ
[12] - هو الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل القلقمي ( 1246- 1831م / 1328هـ /1910م ) من أعيان البلد عالم وشيخ صوفية ومجاهد كبير... ترك مايقدر بمئات الآثار العلمية(راجع الخليل النحوي:المنارة والرباط...ص 517،م س ).
[13] - قتله سيدي بن ملاي الزين في" تجكجة"في الشمال الموريتاني سنة 1902م.
[14] - هو المختار ولد محمدن ولد داداه(1924 أبي تلميت - 14 أكتوبر 2003 باريس) مؤسس موريتانيا وأول رئيس لها أحد أبرز الوجوه السياسية الحديثة كانت الإطاحة بحكمه بانقلاب عسكري في 10 يوليو 1978،

mushahed
06-26-2010, 09:15 PM
ملخص تاريخى محكم يدل على ثقافة واسعة عودتنا عليها في كل اشراقاتك الشنقيطية

شكرا لك أستاذنا الكريم