مشاهدة النسخة كاملة : الصلف الصهيوني: الهدف والمناخ والمنطلق والرد


أبو فاطمة
06-26-2010, 05:29 AM
الصلف الصهيوني: الهدف والمناخ والمنطلق والرد





علي جرادات

في مواجهتهم لحملات التضامن ضد حصار غزة، يواصل قادة الكيان الصهيوني صلفهم، ويطلقون تهديداتهم بتكرار جريمة الحرب التي نفّذت ضد السفينة التركية، علماً أنه لا يغيب عن بالهم ما ينطوي عليه صلفهم من تداعيات، لا على صعيد معركة حصار غزة فقط، بل على صعيد معركة استمرار الاحتلال أيضاً .

أبداً لا يمكن افتراض غياب تلك التداعيات عن بال وحسبة قادة الكيان الصهيوني، فهم خبراء حروب، ويعدون لها بأكبر درجة من العناية . والسؤال: ترى ما هو هدف الصلف الصهيوني ومناخه ومنطلقه؟

إن الحيلولة دون تحويل التضامن ضد حصار غزة إلى إنجاز سياسي، يشكل الهدف السياسي الأساسي الكامن خلف الصلف الصهيوني وعملياته الإجرامية، ذلك لمعرفة قادة الكيان الصهيوني أن القضية الفلسطينية قضية دولية بامتياز، وأن قيام كيانهم على حساب الشعب العربي الفلسطيني كان بقرار دولي، بصرف النظر عن تمدده بقوة الحراب خارج ما حصل عليه من شرعية دولية . وبالتالي فإن قادة الكيان الصهيوني لم يكفوا يوماً، ولن يكفوا، عن رفض أي تدخل دولي يفضي إلى فعل سياسي ضد احتلالهم وممارساته القمعية ضد الفلسطينيين، حتى لو تطلب الأمر الإقدام على ارتكاب جرائم حرب سافرة غير مألوفة ومفضوحة، كتلك الجريمة التي ارتكبت بحق السفينة التركية، أو ما يمكن أن يرتكب بحق سفن أخرى لاحقاً .

إذا كان التصدي للضغط الإقليمي والدولي المتنامي ضد حصار غزة، هو الهدف السياسي وراء الصلف الصهيوني وجرائمه، ترى ما هو المناخ السياسي المساعد لهذا الصلف؟

لم يكن بمقدور الحكومة “الإسرائيلية” هذه، برغم كونها من أكثر الحكومات “الإسرائيلية” “بلطجة”، الإقدام على العملية الإجرامية ضد السفينة التركية، بل والتهديد بتكرارها ضد سفن أخرى، لولا ضمانها لسقف تداعيات جرائمها الحربية الموصوفة، وضمان عدم تحويلها إلى فعل سياسي ملموس يجبر “إسرائيل” على احترام القانون الدولي ويلزمها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، فقرار الفيتو الأمريكي في دُرجها، هذا فضلاً عن ضمان تواطؤ أطراف دولية نافذة مع الفيتو الأمريكي، خاصة أن مركز القرار الرسمي العربي ليس في وارد استخدام أوراق قوته، ولا في وارد رفع سقفه السياسي في مواجهة الصلف الصهيوني والانحياز الأمريكي السافر له، بما يفضي إلى إجبار الأطراف الدولية النافذة على اتخاذ مواقف، في الحد الأدنى متوازنة، أي غير منحازة بسفور، لا سيما أن الصلف الصهيوني فاق كل تصور، ويستبيح حتى الدم الأجنبي، بذرائع هي أوهى من بيت العنكبوت . أما آخر عناصر المناخ السياسي الذي يساعد قادة الكيان الصهيوني على الإيغال في صلفهم، فيتمثل في استمرار الانقسام الفلسطيني الذي يضرب إمكانية استثمار تداعيات الجرائم الصهيونية ضد الاحتلال عموماً، وضد الحصار الخانق على غزة تحديداً .

بلى، ما كان بمقدور قادة الكيان الصهيوني الإيغال في صلفهم إلى درجة التهديد بتكرار ما ارتكبوه من جريمة بحق السفينة التركية، لو لم تكن إدانة جريمتهم مجرد إدانة شكلية أفضت إلى مجرد “تخفيف شكلي لحصار غزة” بمباركة أمريكية وصمت عربي واستمرار للانقسام الفلسطيني .

إذا كان التصدي للتضامن الدولي مع الفلسطينيين هو الهدف السياسي للصلف الصهيوني وجرائمه، وإذا كان المناخ السياسي السائد دولياً وعربياً وفلسطينياً بمثابة العامل المساعد لمواصلة هذا الصلف والتهديد بارتكاب المزيد من الجرائم، خاصة أن المناخ ذاته كان قد مرّر لقادة الكيان الصهيوني جريمتي تدمير لبنان في ،2006 وتدمير غزة نهاية ،2008 يغدو السؤال: ترى ما هو المنطلق الذي يبيح للصهاينة سفح حتى الدم الأجنبي، وذلك عبر استخدام ذات الذرائع الواهية، أي الدفاع عن النفس، وكأن المتضامنين العزّل إلا من سلاح حسهم الإنساني، قادرون على إيذاء القوة العسكرية الصهيونية الغاشمة التي تعد العدة لعملياتها الإجرامية بقرار سياسي مبيّت؟

إن المنطلق الوحيد الذي يقف خلف جرائم الصهاينة، هو فقط الإحساس الخرافي بالتفوق والمقدرة على عمل أي شيء دون أن يستطيع أحد في العالم أن يعمل شيئاً حقيقياً من شأنه قلب السحر على الساحر، أي تحويل عمليات الإدانة والشجب والاستنكار والغضب والتظاهر واستدعاء السفراء، إلى فعل سياسي ملموس يجبر قادة الكيان الصهيوني على الانصياع للقانون الدولي وتطبيق قرارات الشرعية الدولية .

إن الصلف الصهيوني كما تجلى في عملية القرصنة ضد السفينة التركية، بل والتهديد بتكرار ارتكاب مثل هذه الجريمة مجدداً، يؤكد للمرة الألف أن الأحزاب السياسية الصهيونية الرئيسية ليست في وارد السلام ولا حتى في وارد إحراز اتفاق سياسي يعطي ولو الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، فما بالك بالتاريخية منها؟

وما دام الأمر كذلك، سيبقى الكيان الصهيوني “نزازة” حرب وتوتر وقرصنة وإرهاب . وعليه، إن كان هذا هو حال الكيان الصهيوني في خشيته من تدويل القضية الفلسطينية، وهو كذلك بامتياز، فإن توظيف تداعيات الصلف الصهيوني لصالح مطلب فك الحصار عن غزة تحديداً، ولصالح مطلب إنهاء الاحتلال عموماً، لن يكون مجدياً، اللهم إلا إذا تم في إطار قرار فلسطيني عربي منسّق بقطع عمليات التفاوض وعلاقات التطبيع على كافة المستويات . فإذا كانت “إسرائيل” لا تخشى التضامن الدولي إلى حد ارتكاب أكبر الجرائم، فإن مدخل الضغط الحقيقي عليها يكون بامتلاك إرادة سياسية عربية وفلسطينية، تطالب بالمزيد من الضغط الدولي، إنما خارج الرهان على الإدارة الأمريكية كراع محايد ونزيه، ومن دون ذلك سيبقى الكيان الصهيوني قوة فوق القانون الدولي يفلت من عواقب جرائمه الحربية الموصوفة، كما أفلت من كافة جرائمه السابقة، وما أكثرها .

نقلا عن دار الخليج