مشاهدة النسخة كاملة : العودة إلى الانقلابات في إفريقيا


أبو فاطمة
06-26-2010, 05:22 AM
العودة إلى الانقلابات في إفريقيا




جون كامبل ، آش هاروود

يبدو أن الرأي التقليدي الذي يزعم أن البلدان الإفريقية الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى قد تجاوزت مرحلة الانقلابات العسكرية لم يكن أكثر من مجرد أمانٍ . ففي العامين الماضيين شهدت إفريقيا انقلابات ناجحة في النيجر وغينيا ومدغشقر وموريتانيا . كما شهدت إفريقيا فضلاً عن ذلك عدداً من التدخلات غير المباشرة، والانقلابات الفاشلة، والتهديدات المستترة في أماكن أخرى .

وعلى الرغم من تطور المؤسسات الديمقراطية في بعض أجزاء إفريقيا، فمن الواضح أن الانقلابات عادت لتشكل خياراً وارداً من جديد، في حين يبدو الأمر وكأن الديمقراطية لم تحرز أي نجاح ملموس، هذا فضلاً عن الجمود السياسي ونفور السكان من السلطة الدستورية . والواقع أن الانقلابات العسكرية الناجحة التي اكتسبت شرعيتها من مستويات الدعم الشعبي الكبيرة التي حصلت عليها (أو الإذعان لها على الأقل)، والتي حاولت تجميل نفسها بوعود “استعادة الديمقراطية”، قد تنتقل عدواها فتشجع المقلدين في البلدان المجاورة حيث الحكومات الضعيفة أو الفاشلة .

في نهاية شهر فبراير/ شباط في نيامي عاصمة النيجر، حاصرت قوات مسلحة القصر الرئاسي واعتقلت الرئيس مامادو تانجا الذي كان آنذاك يعقد اجتماعاً لمجلس الوزراء . ورغم الاحتجاجات من جانب الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة وأعضاء آخرين في المجتمع الدولي، فإن ردود الأفعال الشعبية في نيامي كانت تعبر عن ابتهاج شعبي غامر .

كان تانجا الذي انتخب ديمقراطياً في مستهل الأمر قد تبنى نهجاً متزايد الاستبداد، فأصدر قراراً بحل الجمعية الوطنية والمحكمة الدستورية، وألغى الحدود الزمنية للولاية الرئاسية . ومع انحدار حكمه إلى الشمولية والاستبداد، عادت المؤسسة العسكرية، وقسم كبير من شعب النيجر، إلى النظر إلى الانقلاب باعتباره السبيل الوحيد لمنع انزلاق النيجر إلى الهاوية . وعلى هذا فقد استولى الجيش على السلطة على وعد بالديمقراطية وإجراء انتخابات حرة نزيهة .

ورغم احتفاظ المجلس العسكري بالسيطرة على الفرع التنفيذي للحكومة منذ ذلك الوقت، فقد قرر رئيس المجلس سالو دجيبو تعيين رجل مدني، وهو محمدو داندا، رئيساً للوزراء . وإلى جانب التعهد بإجراء الانتخابات، التي لم يتم تحديد موعد لإجرائها حتى الآن، تعهد دجيبو بعدم ترشح أعضاء المجلس العسكري لمنصب الرئاسة . وإذا كانت التقارير الحالية الواردة من النيجر دقيقة فإن الاعتقاد الغالب هو أن المؤسسة العسكرية سوف تعيد الديمقراطية إلى البلاد .

والواقع أن قصة النيجر تبدو مألوفة . ففي غينيا، وبعد 24 عاماً من الحكم العسكري المستبد، شهدنا من شعب غينيا دعماً كبيراً لانقلاب ديسمبر/ كانون الأول 2008 غير الدموي الذي خطط له ونفذه النقيب موسى داديس كامارا فور وفاة الرئيس لانسانا كونتي . ولم يكن أمام الشعب الغيني في الواقع أي خيار غير قبول وعود داديس كامارا بإجراء الانتخابات والعودة إلى الحكم المدني - على الأقل حتى مقتل 157 من المحتجين المعارضين على أيدي أفراد المؤسسة العسكرية الغينية في استاد كوناكري في أكتوبر/ تشرين الأول ،2009 وهو الأمر الذي حطم كل الآمال في العودة إلى الانتخابات والحكم المدني .

وفي مدغشقر أدت الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة من جانب أنصار الحكام والمعارضين على السواء إلى دفع البلاد إلى حالة من الجمود، إلى أن انقسم الجيش ذاته على نفسه فاقتحمت بعض القوات مكتب الرئيس والبنك المركزي، وأرغمت الرئيس على التنحي لمصلحة زعيم المعارضة أندري راجولينا . واستمرت الاضطرابات فأصدرت المؤسسة العسكرية إنذاراً موجهاً إلى راجولينا يطالبه بسرعة تسوية الأزمة السياسية . ورغم تعهده بعدم ترشيح نفسه في الانتخابات المقررة في السادس والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني ،2011 فإن التمرد المزعوم داخل المؤسسة العسكرية، فضلاً عن اعتقال عدد من المشتبه فيهم بالتخطيط لانقلاب في إبريل/ نيسان، يشير إلى وجود فجوة آخذة في الاتساع داخل المؤسسة العسكرية ذاتها . لقد حدثت الانقلابات التي شهدتها إفريقيا مؤخراً في بلدان صغيرة . وربما باستثناء مدغشقر فإن هذه البلدان تلعب دوراً محدوداً في القارة . ومع ذلك فإن الانقلابات الناجحة قد تشجع المؤسسات العسكرية على التحرك في بلدان أخرى أكبر حجماً في إفريقيا . إن صنّاع الانقلابات الناجحين يتعهدون بانتظام باستعادة الحكم الديمقراطي، وفي بعض الأحيان يفون بتعهداتهم . غير أن الانقلابات، سواء كانت عنيفة أو سلمية، تشكل نقيض المؤسسات الديمقراطية، والحكم العسكري قد يدوم لفترات طويلة . ولقد خضعت نيجيريا لما يقرب من خمسة عشر عاماً من الحكم العسكري، على الرغم من التعهدات المتكررة، من قِبَل ثلاثة حكام مستبدين متعاقبين، باستعادة الحكم الديمقراطي . ولكن إلى أن تصبح الحكومات، وأهل النخبة الذين يدعمون هذه الحكومات ويستفيدون منها، مستعدة للالتزام بالديمقراطية، والحكم الرشيد، وحكم القانون، وإلى أن تصبح هذه الحكومات مسؤولة أمام شعوبها، فإن الانقلابات سوف تظل تشكل خياراً قائماً . والواقع أن مجرد وجود ذلك الاحتمال طيلة العامين الماضيين كان بمثابة انتكاسة للتطور الديمقراطي في إفريقيا .

* جون كامبل سفير الولايات المتحدة الأسبق إلى نيجيريا، أما آش هاروود فهو باحث مشارك في برنامج إفريقيا التابع لمجلس العلاقات الخارجية والمقال ينشر بترتيب مع “بروجيكت سنديكيت”.

نقلا عن دار الخليج