مشاهدة النسخة كاملة : شرعنة حصار غزة


أبو فاطمة
06-26-2010, 05:17 AM
شرعنة حصار غزة




عصام نعمان

قبل ثلاثة أسابيع، كان العالم في معظمه يندد بـ “إسرائيل” ويدين فعلتها الإجرامية بحق “أسطول الحرية لغزة” . اليوم يتبارى زعماء أمريكا وأوروبا في تقريظ “إسرائيل” والإشادة برفعها “الحصار المدني” عن غزة، وتبرير استمرارها في فرض “الحصار الأمني” .

ما سبب التحوّل الملحوظ؟ إنه قرار بنيامين نتنياهو استجابة لرغبة حلفائه الأطلسيين في تخفيف الحصار لتنفيس الضغوط المتزايدة على “إسرائيل” وشركائها الدوليين والإقليميين .

حلفاء نتنياهو لم يضغطوا عليه بصورة مباشرة لتخفيف الحصار، بل أقنعوه بضرورة التخفيف لمصلحة “إسرائيل” وشركائها . قالوا له إن الضغوط تتزايد من أجل مباشرة تحقيق دولي في فعلة “إسرائيل” الإجرامية فجر 31/5/2010 في المياه الدولية . التحقيق الدولي خطير لأنه لا يكشف إجرام “إسرائيل” وخرقها القانون الدولي فحسب، بل يقذف في وجه المجتمع الدولي أيضاً سؤالاً اتهامياً صاغه معلّق الشؤون العربية في صحيفة “هآرتس” (20/6/2010) على النحو الآتي: “أين كانت جميع الدول الموقعة على وثائق حقوق الإنسان السامية التي صاغتها الأمم المتحدة لدى فرض الحصار الخانق على غزة؟” .

قالوا له: التحقيق الدولي، إذا ما جرى، يكشف فاعل الجريمة والشريك فيها والمتستّر عليها . سارعْ إلى إجازة نقل الغذاء والدواء ومواد البناء إلى القطاع المحاصر منذ أكثر من ثلاث سنوات كي نتمكّن، في المقابل، من إجازة تمديد حبس مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع بدعوى منع وصول السلاح إلى “حماس” .

نتنياهو أجرى حساباته واقتنع، من حيث المبدأ، بجدوى التخفيف من الحصار، غير أنه خطط وأفلح في استخلاص ثمنٍ باهظ لاستجابة طلب الحلفاء والشركاء . فقد أصدر ديوانه بياناً بأن “إسرائيل” ستنشر قائمة بالمواد المحظر إدخالها بدلاً من القائمة الحالية بالمواد المسموح بتمريرها . القائمة الجديدة ستسمح بتوسيع إدخال مواد البناء للمشاريع التي تقرها السلطة الفلسطينية وتخضع لمراقبة دولية، وكذلك لمشاريع إقامة مبانٍ سكنية كتلك التي تنفذها الأمم المتحدة في خان يونس .

تصريح نتنياهو الذي أعقب بيان ديوانه يكشف حقيقة الصفقة التي عقدها مع حلفائه الأمريكيين والأوروبيين والثمن الباهظ المطلوب تدفيعه للفلسطينيين والعرب . فقد أعلن رئيس الحكومة العنصرية الصهيونية بالفم الملآن: “لقد جرّدنا حركة حماس من القدرة على اتهام “إسرائيل” بأنها تلحق الضرر بالسكان المدنيين . إن أصدقاءنا في العالم يدعمون قرارنا ويمنحون شرعية دولية لاستمرار الحصار الأمني المفروض على حماس . لن يكون هناك حصار مدني على غزة، بل حصار أمني يتّم تشديده الآن” .

تشديد الحصار الأمني بدأ فوراً، إذا أعلن وزير الحرب إيهود باراك بعد اجتماعه إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن “التحقيق الدولي وُضع على الرف”، وأن لبنان سيكون مسؤولاً إن سمح لسفن جديدة بالانطلاق من موانئه باتجاه غزة لفك الحصار عنها . أمريكا تجاوبت سريعاً مع الدعوة إلى استخدام القنوات الموجودة، لا السفن، لنقل المساعدات إلى غزة . الجيش “الإسرائيلي” هدد بمعاملة سفن لبنان على غرار سفن “أسطول الحرية” . الخارجية “الإسرائيلية” طلبت إلى الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة تمرير رسائل إلى الحكومة اللبنانية بأن “إسرائيل” ستقوم باعتقال ركاب السفن اللبنانيين ومحاكمتهم بدعوى انتمائهم إلى دولة عدو، وأن “حزب الله” يكمن وراء توجيه السفن إلى غزة . كما طلبت الخارجية “الإسرائيلية” من الفاتيكان عدم السماح لرهبان وراهبات بالمشاركة في السفن المتجهة إلى غزة لكونها تحمل ركاباً معادين ل “إسرائيل” .

فوق ذلك، وفي إطار شرعنة الحصار على غزة، سربت الخارجية “الإسرائيلية” بأنه يجري درس إمكانية وضع رقابة دولية على المعابر المؤدية إلى غزة كشرط لفتحها أمام المواد المدنية .

أما الثمن الباهظ المراد تقاضيه لقاء الوعد برفع الحصار المدني، فقد تجلى غداة إعلان نتنياهو عن تخفيفه وترحيب أمريكا وأوربا بقراره، إذ جرى الإعلان عن خطة بناء تقضي بهدم 22 منزلاً فلسطينياً في القدس الشرقية لإقامة “حديقة الملك” في منطقة حي البستان الواقعة على مشارف القدس والتي تسكنها غالبية من العرب، إلى ذلك أمرت المحكمة العليا في “إسرائيل” بإبقاء ثلاثة نواب ووزير سابق من “حماس” خارج حدود القدس، إلى حين النظر في قرار وزارة الداخلية “الإسرائيلية” إبعادهم عن المدينة . كما ردد بعض الصحف “الإسرائيلية” أن تل أبيب لن تتوانى قبل البدء بتخفيف الحصار المدني، عن تأخير تنفيذه إلى أن تسمح “حماس” للصليب الأحمر الدولي بتفقد الجندي الأسير جلعاد شاليت . واللافت أن اللجنة الرباعية كانت شفعت ترحيبها بتخفيف الحصار “الإسرائيلي” عن غزة بمطالبة “حماس” تمكين الصليب الأحمر من معاينة شاليت .

أجل، هكذا تتم شرعنة الحصار: الاعتراف، بادئ الأمر، بوجوده . ثم التظاهر برفع شطره المدني والإبقاء على شطره الأمني . وتحت ستار هذا التقسيم المصطنع لمضمون الحصار، يجري تمديد حبس شعب غزة البالغ تعداده مليون ونصف المليون في أكبر سجن في التاريخ المعاصر، مع استمرار الحظر على مواد مدنية كثيرة أبرزها السماد الطبيعي والصناعي اللازم للزراعة بدعوى أنه مادة مزدوجة الاستعمال وتدخل في صنع الصورايخ! إلى ذلك كله تجري شرعنة الحصار بحلته الجديدة بامتداح “إسرائيل” لموافقتها على تخفيفه، كما بالسعي إلى توثيقه بوضع رقابة دولية على جميع المعابر المؤدية إلى القطاع .

كيف نواجه هذا التطور الخطير والمؤذي؟ باعتماد سياسة ذات مرتكزات ثلاثة:

الأول، إبقاء قضية رفع الحصار كاملاً بتسيير المزيد من الأساطيل المؤلفة من مئات السفن المتجهة إلى غزة، المحمّلة بالمتضامنين الأحرار من شتى الجنسيات، المستعدين للاشتباك مع جنود البحر “الإسرائيليين” بالأيدي وسائر “فنون” المقاومة البدنية المجردة من أي سلاح، من أجل صنع حدث بل أحداث لافتة تجتذب أضواء وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية .

الثاني، إثارة قضية المجزرة التي اقترفتها “إسرائيل” فجر 31/5/2010 في عمق المياه الدولية خارقة بذلك قاعدة “المرور البريء”، الأمر الذي يستوجب إدانة من مجلس الأمن وقراراً بإجراء تحقيق دولي، حتى إذا رفض مجلس الأمن اتخاذ هذا القرار أو رفضت “إسرائيل” الامتثال له في حال اتخاذه، بادرت تركيا وكل دولة تعتبر نفسها متضررة من فعلة “إسرائيل” الإجرامية فجر 31/5/2010 إلى تسيير قطع من أسطولها لمرافقة سفن أساطيل الحرية المتجهة إلى غزة في المياه الدولية وحتى في المياه الإقليمية لقطاع غزة .

الثالث، إقناع مصر بابقاء معبر رفح مفتوحاً بصورة دائمة أمام شعب غزة، ومسموحاً استخدامه لشتى الأغراض بما في ذلك انتقال الأشخاص والبضائع ومواد الغذاء والدواء والبناء، وفصل مسألة المعبر عن مسألة المصالحة الفلسطينية وعن مسألة الجندي “الإسرائيلي” الأسير جلعاد شاليت .

إن الكفاح من أجل فك الحصار بصورة كاملة وبلا شروط عن غزة هو أفعل وأرقى أشكال المقاومة المدنية في عصرنا، ويجب أن يكسب الفلسطينيون هذه المعركة مثلما كسب اللبنانيون، بالمقاومة الميدانية، النزال ضد “إسرائيل” وحربها العدوانية العام 2006 .

نقلا عن دار الخليج