مشاهدة النسخة كاملة : الغرب والحرب القذرة


أبو فاطمة
06-26-2010, 05:10 AM
الغرب والحرب القذرة



الحسين الزاوي

ما يحدث من صراع ما بين القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين من جهة، والقوى الإقليمية الصاعدة خاصة في آسيا وأمريكا الجنوبية من جهة أخرى، يؤكد أن القوى المهيمنة على خيرات البشرية لا تريد أن تتخلى عن مراكز نفوذها، وتسعى بكل الوسائل والسبل المشروعة وغير المشروعة من أجل وأد حمى التمرد في مهدها، وذلك بتوظيف استراتيجية حرب شرسة تتسم بكثير من الوساخة، لأن الأيدي التي تُنفذها تحترف بكفاءة عالية فنون المجابهة القذرة التي لا تردد في توجيه ضربات استخباراتية واقتصادية، تتنافى بشكل صارخ مع المواثيق الدولية التي صاغتها هذه القوى نفسها لمحاصرة كل من يشق عصا الطاعة، أو يسعى إلى التغريد خارج السرب .

ويمكن القول إن ما حدث لإيران وما يحدث حالياً لتركيا يندرج ضمن سياسة تهدف إلى احتواء القوة الصاعدة والمتنامية لهاتين الدولتين وصولاً إلى تدجينهما، حيث إن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أجمعت بشكل يندر حدوثه على فرض عقوبات مشددة على إيران من أجل حملها على التراجع بشأن ملفها النووي الموجه للأغراض السلمية . والغريب في هذه الخطوة هو أن روسيا التي دافعت عن العقوبات حاولت مؤخراً أن تنأى بنفسها عن العقوبات الإضافية والأحادية الجانب التي أقدمت على فرضها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وهي التي كانت تعلم يقيناً أن عقوبات مجلس الأمن ليست سوى خطوة أولية تفتح شهية العقوبات التي يريد الغرب فرضها على إيران بدعم من القوى الصهيونية النافذة في مراكز القرار الدولي .

والشيء نفسه يحدث لتركيا لأنها أرادت أن تقف في وجه الصلف “الإسرائيلي”، فرغم أن الجمهورية التركية تعتبر عضواً في حلف الناتو وتقدم خدمات لوجستية ودعماً استراتيجياً كبيراً للغرب في حربه على “القاعدة” وما يوصف بالإرهاب، إلا أن ذلك كله لا يشفع لها عندما يصبح خصمها المباشر هو الكيان الصهيوني الذي يرسم عملاؤه السياسات الأمنية والدفاعية للدول الكبرى . وقد كان لافتاً أن التبرم الغربي من المواقف التركية الجديدة انطلق من العواصم الغربية المعروفة بدعمها التاريخي وغير المشروط ل”إسرائيل”، حيث إن النواب الأمريكيين الذين يدعمون “إسرائيل” في مجلس النواب دعوا إدارة بلادهم إلى تغيير طبيعة تحالفها مع تركيا بعد تداعيات أحداث أسطول الحرية، الذي كان متجهاً إلى غزة من أجل فك الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني . والموقف نفسه يتكرر في أكثر من عاصمة غربية، وتحديداً لدى وسائل إعلامها، التي تسبح بحمد “إسرائيل” بكرة وأصيلاً . فأغلبية التحاليل الغربية أرادت أن تقلل من نزاهة وصدق نوايا تركيا في دعمها للشعب الفلسطيني . واعتبر الكثير من الأوساط الأوروبية، أن تركيا تريد أن تضغط على دول الاتحاد من خلال توظيف ورقة الصراع في الشرق الأوسط، ووصفت بعد الأقلام الأوروبية المأجورة، الحراك التركي الجديد بالقول إنه يشبه موقف “الضفدعة التي تريد أن تبدو أكبر من الثور”، وتلك إشارة واضحة وشديدة الصراحة والوقاحة معاً، إلى أن الغرب لا يريد أن يكون لتركيا حجم أكبر من حجمها الذي رسمته لها القوى الكبرى .

والواقع أن الغرب يتخوف كثيراً من التوجهات السياسية الجديدة للدبلوماسية التركية، ويسعى إلى الضغط عليها باستعمال مختلف الوسائل، ومن بينها ورقة الوضع الداخلي والصراع مع حزب العمال الكردستاني . فتوقيت التفجيرات التي تقوم بها بعض العناصر المحسوبة على هذا الحزب، يؤكد أن هناك أجندة غربية واضحة يتم تنفيذها في تركيا، باستعمال تكتيكات متعددة، تراهن على أسلوب خلط الأوراق والدفع بالأوضاع الداخلية لدول المنطقة إلى عتبة التفسخ والانفجار، لأن ما لا يمكن تنفيذه بأياد أجنبية يمكن أن تتكفل بتجسيده قوى تملك مصالح داخلية مشبوهة تتقاطع مع المصالح الأجنبية .

لقد أذهلت النجاحات التركية الأخيرة الغرب بقدر ما أخافته، فقد استطاع وزير الخارجية داوود أوغلو أن ينتزع موقفاً جديداً وجدياً من طهران بشأن تخصيب اليورانيوم، بعد مفاوضات دامت ما يقارب 18 ساعة، واستدرجت إلى جانبها إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في أمريكا الجنوبية ممثلة في البرازيل، وتسعى حالياً إلى تعزيز وجودها الاقتصادي والدبلوماسي في الكثير من الدول الإفريقية أسوة بالوجود الصيني المزاحم للدور التقليدي الغربي في المنطقة، وذلك فضلاً عن الدور التاريخي النشط لتركيا في بعض مناطق القوقاز وآسيا الوسطى . كما أن ما يزيد من حنق وتبرم الغرب من تركيا هو أنه لم يستطع حتى الآن أن يدق إسفيناً بينها وبين جارتها القوية إيران، فقد اتضح في أكثر من مناسبة أن دوري البلدين، وخلافاً لكل التوقعات، يكملان بعضهما بعضاً ولا يتصادمان، بل إن إيران مكنت تركيا من توظيف ملفها النووي لتعزيز نفوذها في المنطقة، ويمثل ذلك سلوكاً ينذر حدوثه في منطقة عرفت تاريخياً بضيق الأفق وبضبابية الرؤية الاستراتيجية لدى قادتها . وهذه المستجدات والشواهد الجديدة تزيد كلها، من عنف الحرب القذرة التي ينفذها الغرب على القوى الصاعدة وتحديداً في العالمين العربي والإسلامي، خاصة بعد أن تبخرت مؤخراً أوهام حيادية بعض الدول الكبرى كالصين وروسيا اللتين أثبتتا أنهما لا تعرفان سوى لغة واحدة هي لغة المصالح، التي كانت، وستظل ربما لعقود مقبلة، تتقاطع مع الغرب وليس مع الدول العربية والإسلامية التي أضحى معظمها غارقاً في يم الفساد وسوء تسيير أموال النفط .

نقلا عن دار الخليج