مشاهدة النسخة كاملة : منع بث قناة الأقصى.. مسمار آخر في نعش دعوى الحرية الغربية


أبو فاطمة
06-24-2010, 09:53 AM
منع بث قناة الأقصى.. مسمار آخر في نعش دعوى الحرية الغربية





عدنان سليم أبو هليل

يأتي قرار فرنسا منع بث قناة الأقصى الفضائية – اللسان الإعلامي لحركة حماس - على القمر الصناعي نور سات في سياق المواجهة التي تخوضها أنظمة ودول ضد الفضائيات التي تخرج عن معايير القبول الصهيوني.. هذا القرار يأتي مكملاً لسياق من الاستهداف الغربي لإعلام المقاومة وللإعلام الجاد في منطقتنا.. وفي السياق نفسه يأتي مشروع قرار مجلس النواب الأمريكي رقم 2278 القاضي بتصنيف الأقمار الصناعية العربية ككيانات إرهابية إذا خرقت مضمونه، وتأتي وثيقة الكونجرس الأمريكي التي كشفت عن إنفاق مليار دولار في أمريكا للتأثير على الرأي العام (المسلم!)، ويأتي إنفاق 500 مليون دولار أخرى لتطويع العقلية العراقية والعربية والإسلامية إبان العدوان على العراق، وفي نفس السياق يأتي تدمير قناة المنار الناطقة باسم مقاومة الحزب في عدوان صيف 2006، وقصف وتدمير قناة الأقصى الفضائية التي كانت أحد أهم أهداف العدوان على غزة شتاء 2008، .. وقصف مقر قناة الجزيرة الفضائية في أفغانستان ثم في بغداد وقتل مراسلها الشهيد – طارق أيوب – وما تردد عن وجود وثائق تؤكد أن الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن ورئيس وزراء بريطانيا توني بلير قد فكرا وتشاورا حول قصف مقر قناة الجزيرة في قطر.. أما إذا تحدثنا عن الاستهداف غير المباشر لهذه الفضائيات فإننا سنتحدث حينئذ عن إغراق الفضاء العربي بما يزيد عن 696 فضائية أكثر من 85% للرقص والطرب والسحر والقمار والتلويث الفكري والحزبية المدعومة خارجياً والتلفيق الإخباري والتوجيه المسموم؛ على سبيل قول الكافرين يتواصون فيما بينهم كما يروي القرآن الكريم (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) فصلت الآية 26.

القرار الفرنسي ضد فضائية الأقصى يأتي أيضاً في ظل زيادة التفاعل العالمي مع المقاومة ومع غزة وفي ظل تصاعد الحملات العالمية لكسر الحصار اللاأخلاقي عليها، وفي ظل توقعات كبيرة أن تؤدي هذه الحملات إلى كسره بالفعل وإلى تغييرات جوهرية على وضعية غزة بعده وبالأخص في ظل حكم المقاومة، وانعكاس ذلك على مجمل المشروع الوطني الفلسطيني وعلى نقيضه المشروع الصهيوني الإحلالي الاحتلالي .. الخطورة الاستراتيجية تراها دوائر صنع القرار وصنع الرأي العام الداعم له في الغرب في أن يستطيع إعلام المقاومة تحويل ذلك الرأي العام بالتدريج إلى الصف الآخر وذلك هو الانقلاب الحقيقي الذي ترقى نتائجه إلى أن تكون – في نظرهم - خيانة عظمى باعتبارها تبدد تراكم مخططات وجهود وتثقيف سلبي لعشرات السنين.. هم يجدون شعوبهم – وشعوبنا قطعاً – منسجمة مع منطقية وإنسانية وحقوقية خطاب المقاومة الذي يعتمد الحقيقة ويكافح بالموضوعية.. بالتالي فهم يرونها معركة استراتيجيات لا معركة تفاصيل ولا على قناة فضائية ولا على صوت مقاوم، وأجزم أنهم لا يرونها حرباً حتى على حماس - التي يعادونها ليل نهار - بقدر ما يرونها حرباً على اتجاه إعلامي توجيهي تثقيفي بدأ يستشري وينتشر صداه في الجهات الست.. لقد نجح إعلام المقاومة فيما فشل فيه أعلام الإرهاب الصهيوني.. فالإعلام الصهيوني تعود أن يملأ الفراغات الذهنية في العقلية الغربية في حين أن إعلام المقاومة قد نجح في مسح الذهنيات ثم إعادة صياغتها.. هنا يأتي القرار الفرنسي الذي ينطلق من قاعدة مواجهة الحجة بالتهديد والإرهاب والمنع بدل مقارعتها بالحجة والبيان والمنطق؛ وهو ذاته ما رواه القرآن الكريم عن الكافرين الأوائل الذين خاطبوا أنبيائهم كما في قوله تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) الأعراف 88.

القضية الإعلامية في نظر الغرب تستحق كل الاهتمام، والسبب بسيط؛ هو أن الإعلام اليوم أصبح سلاحاً لا يقل فتكاً أو حماية عن الأسلحة العسكرية والنووية والكيماوية.. وبالأخص مع انتشار وسائله وتجاوزها الحدود والسدود ودخولها كل بيت وكل حجرة فيه.. ولنلحظ قيمة ودور الإعلام في الحربين الأخيرتين على لبنان ثم على غزة، ونرى كيف أن الخشية من تصاعد الاعتراض الشعبي بسببهما على العدو وعلى بعض النظم المتآمرة في المنطقة كانت سبباً في إيقافهما.. ولنسمع الجنرال الصهيوني (يوآف جالانت) قائد لما يسمى المنطقة الجنوبية التي يضمنها قطاع غزة وهو يصرح بعد عدوان شتاء 2008 عليها ويبين سبب إيقافها دون أن تحقق أهدافها ودور الإعلام في ذلك فيقول: "إن إيقاف الحرب كان لأن إسرائيل لا تريد التورط أكثر في حرب إعلامية ضدها بدأت أوساط الإعلام الغربي تتجاوب معها.." ثم يقول: ".. حلفاؤنا من العرب (!) ليسوا في وضع يسمح لهم بتحمّل الضغوط الشديدة التي نجح داعمو (الإرهاب) في سوريا وإيران والسودان في إثارتها بوجههم ما يحتم عليهم منذ الآن ادعاء التعاطف مع الفلسطينيين!! وإلا سحبت تلك الدول البساط من تحت أقدام الدول (المعتدلة!) وحتى لا يسحب الرئيس السوري مدعوماً من السودان وقطر المبادرة العربية في هذا الوقت..".

أقول: لقد كان متوقعاً ويجب أن يكون متوقعاً أن تفعل فرنسا وغيرها من دول الغرب الاستعماري هذا الذي تفعله وبالأخص عندما يرون نظماً عربية وأقماراً عربية تقدم رأس حماس وتتآمر عليها.. لكن ولأهمية الإعلام ودوره ينشأ سؤال: هل سيقف الأمر عند استهداف حماس وإيقاف بث قناتها الفضائية؛ أم أنه بدأ بها وسيثنى ويثلث ويربع بغيرها وستقول فضائيات أخرى ذات يوم (أكلت يوم أكل الثور الأبيض)؟ والسؤال أيضاً: ماذا بقي من دعوى الحرية التي تتزعمها فرنسا ولأجلها انطلقت ثورتها التاريخية المعروفة؟ وهل فرنسا بعد هذا القرار تعتبر صديقة لنا أم عدوة؟ وهل هي تنتمي لثقافة القرن الحادي والعشرين المنفتحة على الآخر؛ أم لا تزال ترسف في قيود ثقافة الاحتلال والانغلاق والحروب العالمية العابرة للقارات وللعنصرية؟ وكم يا ترى بقي من هوامش الفرق بينها وبين أي دولة استعمارية أخرى؟ لعل من يقول: إن من حق فرنسا أن تعادي من تشاء بما في ذلك نحن ولها أن تصالحنا وكل الدول لها خصوم وأصدقاء ولها حلفاء وأعداء؛ فلماذا تقاس الأخلاق وتطلق الأوصاف على حسب علاقاتها بنا ومواقفها منا وهي ليست من بقية بني جلدتنا وربما لا يعنيها حالنا وشأننا؟ فأقول: هذا صحيح ومن حق الدول أن تتخذ الأصدقاء والأعداء وأن ترتب علاقاتها بنا كما تشاء؛ ولكن الدولة أو الشعب أو النحلة التي تتخذ مواقف سيئة وغير أخلاقية كما تفعل معنا دول غربية بعينها ودول عريقة في الاستبداد وانتهاك حرمات الشعوب واستقلالاتها؛ تصبح حينئذ فاقدة لأحقية تصدر وادعاء الحرية والأخلاقية والنموذجية الإنسانية؛ فإن فعلت فإن جريمتها تكون جريمتين؛ واحدة جريمة العدوان ذاته، والأخرى جريمة الكذب وتقديم نموذج نفاقي لتطبيق مفهوم رعاية الحقوق والعدالة.. وهذه مشكلة الغرب مع كل قضايانا..

آخر القول: غزة هي التي تصنع الخبر، والخبر هو الذي يستجلب الإعلام، وفي هذا الحد ليس يهم ما إذا كانت وسيلة الإعلام مستملكة لنا أو مستأجرة من الغير، وموجهة منا أو مدفوعة برغبة السبق الإعلامي، ولن تستطيع فرنسا ولا كل مؤامرات الدنيا أن يوقفوا صوت الحق والحرية الذي يتناغم مع الوجدان الإنساني المفهوم بكل اللغات ومع كل الطوائف والقوميات، ولئن حاولت فرنسا فإنما هي تدق مسماراً آخر في نعش دعوى الحرية ونعش زعامة حقوق الإنسان بعد مسمار منع التشكيك في المحرقة ومسمار منع الحجاب ومسمار السماح بالتهكم والتهجم على رسول الإسلام..

نقلا عن المركز الفلسطيني