مشاهدة النسخة كاملة : قوافل الحرية وحساب الأرباح والخسائر


أبو فاطمة
06-24-2010, 09:42 AM
قوافل الحرية وحساب الأرباح والخسائر



يوسف مكي

نميز في هذه القراءة بين أمرين رغم صعوبة الفصل بينهما: الأول، الموقف من الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وبشكل خاص على قطاع غزة، وذلك أمر مرفوض بكل المعايير الأخلاقية والإنسانية، والقومية والوطنية . والثاني، يتعدى الموقف من الحصار إلى محاولة فهم الأسباب التي تقف خلفه من خلال القراءة والتحليل والتفكيك .

وفي يقيني أن دور المثقف والمهتم بالشأن العام، ينبغي أن يستوعب الأمرين، فالموقف سيكون عدمياً إن لم يسعفه الوعي، بالعوامل المحرضة على الالتزام بهذا الموقف أو ذاك، والثاني، المستند على القراءة والتحليل، يصبح ترفاً فكرياً، ورياضة ذهنية، ستكون نتائجها بالتأكيد بعيدة عن القراءة الصحيحة، إن لم يكن الهم الإنساني، عاملاً محفزاً وراء خوض غمارها .

في حديثنا السابق: قوافل الحرية . . . صراع الإرادات، حاولنا قدر ما تتيحه المساحة، أن نتلمس الأسباب الاستراتيجية، وراء تمسك الصهاينة بحصار غزة . وقد ربطنا ذلك بالمشروع الامبريالي الصهيوني، الذي يراد فرضه على المنطقة، والهادف إلى صياغة خارطة سياسة جديدة، يستعاض، من خلالها بالبعد الاستراتيجي الجيوسياسي بديلاً عن الجغرافيا الطبيعة . بمعنى آخر، خلق ظروف ينتفي فيها وجود النظام العربي الرسمي، الذي جرى تشييده بعد الحرب العالمية الثانية، والذي ساد لأكثر من ستة عقود، والمعبر عنه بجامعة الدول العربية، وميثاق الأمن القومي العربي الجماعي، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، والاتفاقيات الاقتصادية والثقافية بين العرب، بنظام شرق أوسطي، يكون الكيان الصهيوني هو عموده الفقري، وترتبط به الدول العربية، بصيغة الالتحاق والتبعية، وليس بصيغة الشراكة والتكافؤ والندية .

لن نستغرق في تفصيل قراءتنا السابقة، فبإمكان القارئ الرجوع إليها، وسنواصل قراءتنا عن صراع الإرادات، وتقديم كشف حساب الأرباح والخسائر، نتيجة للهجوم “الإسرائيلي” على قوافل الحرية التي اتجهت إلى القطاع .

ضمن قراءتنا السابقة، هناك رغبتان في عدم رفع الحصار عن غزة، إحداهما “إسرائيلية”، والأخرى من دول الجوار العربية، مع اختلاف واضح في الهدف من استمرار الحصار .

“الإسرائيليون” يهدفون، من حصارهم إلى أن يرغم الوضع الإنساني الكارثي للقطاع، شعب غزة على الالتحاق مجدداً بمصر، إن بصيغة البقاء تحت إدارة مصرية، كما كان الوضع قبل حرب يونيو عام 1967م، أو بصيغة الاندماج الكامل . ذلك، من وجهة نظرهم، سينهي فكرة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة إلى الأبد .

بالنسبة للقيادة المصرية، وإلى حد ما الحكومة الأردنية، رغم عدم وجود حدود مشتركة مع الأخيرة، فإن بقاء غزة منتعشة اقتصادياً، في ظل سيطرة حماس، لن يؤدي مطلقاً إلى تحقيق الوحدة الفلسطينية . إن ذلك سيكون من شأنه تعطيل تحقيق ما هو معروف بالمبادرة العربية للسلام، وسيمنع قيام الدولة، لأن ظروف تحقيقها لن تكون مهيأة في ظل وجود كيانين فلسطينيين، أحدهما في الضفة، بقيادة “أبو مازن”، والثاني في القطاع بقيادة حركة حماس . إن مصر والأردن، لديهما خشية مشروعة، من استمرار وجود كيانين فلسطينيين، فمصر تتحسب من أي مشروع يربط القطاع بإدارتها، وحكومة الأردن، ترى في ذلك، كابوس الوطن البديل، الذي يهدد الوجود الأردني بالغرق، وربما الفناء .

إذا فالصهاينة، ودول الجوار، تربطهما رغبة مشتركة، في إضعاف حركة حماس من خلال الاستمرار في فرض الحصار على قطاع غزة، وإن اختلفت أسباب الغرماء، على أنه ينبغي أن لا يذهب الظن بأحد، في أن ما طرحناه بحق دول الجوار العربي الفلسطيني، يصل حد اتهامها بالتناغم مع سياسة الكيان الصهيوني في تجويع الشعب الفلسطيني، فذلك هو آخر، ما يخطر بالبال . ما نهدف إلى توضيحه، هو أن جميع الأطراف الرسمية، المرتبطة بالصراع، تطمح إلى إضعاف حماس، وليس تصفيتها، كل لأسبابه الخاصة، يستوي في ذلك الكيان الغاصب، ودول الجوار العربي .

في هذا السياق، ووفقاً لهذه الرؤية ارتكب الصهاينة جريمتهم، في عرض البحر، وبالمياه الدولية، بحق المتضامنين مع شعب القطاع . لكنهم بسلوكهم هذا ارتكبوا حماقة كبرى، جعلتهم في مواجهة العالم بأسره . وطرحت بحدة، وبشكل خاص ضمن، دول الاتحاد الأوروبي، التي عرفت بتعاطفها مع المشروع الصهيوني، قضية الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني المظلوم، في قطاع غزة . وجعلت الصهاينة، يتلقون صفعة من مجلس الأمن الدولي، الذي كان الفيتو الأمريكي، في السابق، عصا غليظة تستخدم باستمرار للحيلولة دون إدانة جرائم جيش الاحتلال .

في حساب الأرباح والخسائر، يبقى الكيان الصهيوني، بفعلته الشنيعة، هو الخاسر الأول بامتياز، ومعه لكن أقل بكثير أنظمة الجوار العربية، المتضررة من استمرار الانشقاق الفلسطيني، والتي ترى في استقرار الأوضاع الاقتصادية في غزة، قوة لحماس .

أما الرابحون فهم كثر . في المقدمة منهم تأتي الحكومة التركية، التي استطاعت تسجيل نقاط عدة لصالحها . فهي أولاً استطاعت إضعاف المؤسسة العسكرية، المؤتمنة على صيانة الإرث الأتاتوركي، وعلمانية الدولة . هذه المؤسسة، التي يمكن أن تعصف في أي لحظة بحكومة أردوغان، كما عصفت بحكومة أربكان في السابق . وقد تناقلت الأنباء، قبل عدة شهور، خبر إلقاء القبض على قادة متنفذين في المؤسسة العسكرية، بتهمة إعداد انقلاب ضد الحكومة المنتخبة، إن التأييد الشعبي العارم، الذي حظي به موقف الحكومة التركية، سيؤدي بكل تأكيد إلى إضعاف المؤسسة العسكرية، وسيمنح قوة للحكومة الحالية .

ومن جانب آخر، حققت الحكومة التركية، اختراقات كبرى في البنية النفسية العربية، التي كانت نظرتها سلبية باستمرار، إزاء الدور التركي مع الغرب، وبشكل خاص، الأحلاف العسكرية، التي شيدت في الخمسينيات من القرن المنصرم، بهدف مواجهة الغليان الوطني والقومي، إبان الحقبة الناصرية، وأيضاً تجاه العلاقات التركية “الإسرائيلية” . لقد غسلت قافلة الحرية، كثيراً مما علق في العقل العربي، تجاه المواقف التركية السابقة . وأصبحت شيئاً من الماضي .

كما مثلت التطورات الأخيرة، انتقالاً في الموقف التركي، من محاولة أوربة تركيا، وإبعادها عن المحيط الإسلامي، رغم الإذلال الذي واجهته تركيا، في محاولاتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي . إن هذا الانتقال نحو الشرق والجنوب، سيمنح تركيا قدرات جديدة على المناورة، وسيضيف إلى قوتها، كما أنه سيمنحها ثقلاً كبيراً في العالمين العربي والإسلامي .

هناك أيضاً، القضية الفلسطينية، التي كادت أن تحيد، لتصبع مجرد قضية حقوق لأقلية من السكان، وتنسى أبعادها الحضارية، وموقعها في محاولات العرب للتحرر والانعتاق . وللأسف كان الظلم، الذي لحق بها من ذوي القربى، هو الأكثر مضاضة “من جرح الحسام” . لقد أعادت قوافل الحرية، والهجمة الوحشية التي تعرض لها المتضامنون مع شعب فلسطين، إلى الواجهة هذه القضية، على الصعيد العالمي، وطرحت بحدة، أمام الضمير الإنساني قضية الحصار بقوة . وتحول هذا المطلب من محافل حقوق الإنسان، إلى مطلب عام، سوف تتضح معالمه في الأيام القادمة .

ويبقى أن نؤكد، أن قافلة الحرية، قد مثلت أيضاً انتصاراً حقيقياً للضمير الإنساني، ومنحت ثقلاً لا لبس فيه، للتضامن الأممي في سبيل نصرة المظلومين، الواقعين تحت الأسر، لأكثر من أربعة عقود، في وقت أصبح فيه الاستعمار، من مخلفات الماضي . . . وسيكون من ذلك، إن خلصت النيات، الدفع بمسيرة الكفاح الفلسطيني، نحو تحقيق الوحدة الوطنية والاستقلال، وإقامة الدولة الحرة المستقلة .

نقلا لاعن دار الخليج