مشاهدة النسخة كاملة : الطبقة التي تحكم العالم


أبو فاطمة
06-24-2010, 09:35 AM
الطبقة التي تحكم العالم



غسان العزي

منذ قرن تقريباً كان بضعة مئات من الناس، من سياسيين وعسكريين ورجال دين، يملكون القدرة على التأثير في حياة ومستقبل الملايين من البشر في العالم . اليوم أضحوا آلافا، ومعظمهم يملك هذا التأثير بفضل مواهبهم وعملهم في حين كانت نخب الماضي مؤلفة في جلها من ورثة . وقد تراجع تأثير العسكر ورجال الدين عموماً لمصلحة نخب تنتمي الى عالم المال والأعمال . وثمة نخبة على مستوى المعمورة يؤثر أعضاؤها بطريقة منتظمة في حياة الملايين من الناس: مديرو شركات كبرى وزعماء دول وأصحاب وسائل إعلام كبرى ومليارات وملوك نفط ومستثمرون ولاعبون كبار في البورصات العالمية وعسكريون ورجال دين مؤثرون وكتّاب وفنانون وعلماء معروفون عالميا وحتى بعض الإرهابيين والمجرمين ومهربي المخدرات . . . الخ . هؤلاء منهم تتشكل الطبقة التي تتحكم بمصير العالم .

ما حجم هذه الطبقة؟ يقول ديفيد روثكوف الذي عمل مع كيسنجر وبيل كلينتون قبل ان ينضم الى مؤسسة كارنيغي للسلام إنه أحصى ستة آلاف عضو(12،6 في المائة فقط هم نساء) على وجه التقريب . لكنه لا ينشر قائمة بالأسماء لأنها ستفقد جدواها قبل ان يجف حبرها كونها شديدة التغير والدينامية نظرا لخروج أعضاء منها يوميا بسبب الموت او الإفلاس او التقاعد ودخول أعضاء جدد .

والكلام عن هذه الطبقة لا يعني أنها مختصة بالتآمر، رغم أن عدداً من أعضائها يخطط ويتآمر، فالخلافات وصراعات المصالح تتكاثر في داخلها عدا انه من المستحيل ان تكون قادرة على الاجتماع لتنظيم سيطرتها على العالم . لكن خارج نظرية المؤامرة ينبغي الاعتراف ان ثمة تمركزاً قوياً للثروة والسلطة في العالم بين ايدي أفراد وجماعات ضيقة . وهؤلاء يتخذون قرارات يومية في مجالات إعادة توزيع الموارد فيسرحون عمالاً ويخلقون وظائف وينقلون مصانع من غرب الارض الى مشرقها ويؤثرون في البرامج الحكومية واحياناً استمرار الحكومات نفسها، وهم يقودون ويوجهون ويصنعون الرأي العام والأولويات التي يتبناها ويدافع عنها .

في خطابه الشهير في العام 1960 تكلم إيزنهاور عن قطاع عسكري أمريكي قوي يضم 3،5 مليون إنسان . في يومنا هذا لا يضم هذا القطاع أكثر من مليون ونصف (بالإضافة الى مليون في الاحتياط) . وكانت الميزانية العسكرية الأمريكية وقتها تزيد على المدخول العام الصافي لكل الشركات الأمريكية . أما اليوم فإن هذه الميزانية لاتقل عن خمسمائة مليار دولار وهو رقم فلكي لكنه يبقى أدنى من مجموع مداخيل الشركات الخمسين الأهم في الولايات المتحدة . وهذا يدل كم أن سلطة المال ورجال الأعمال تتصاعد بشكل مذهل .

والمساحة التي تتحرك فيها النخبة المالية اليوم هي العالم كله وليس الحدود الوطنية فحسب كما كانت في السابق، وبالتالي فإن ولاءها هو للسوق العالمي وليس الوطني او المحلي وأعضاؤها يتقاسمون أشياء كثيرة مشتركة ليس مع مواطنيهم بقدر ما هو مع نظرائهم في عواصم الدول البعيدة . وهكذا فالعولمة لا تخلق فقط أسواقاً من دون حدود ولكن أيضا طبقة اجتماعية من دون حدود يسميها البعض”حزب دافوس” .

أعضاء الطبقة التي تحكم العالم عملياً يشكلون واحداً في المليون من أصل ستة مليارات نسمة عدد سكان الأرض . بعضهم من السهل التعرف اليه: زعماء الدول والحكومات النافذة، قادة عسكريون كبار في دول ترسل جنودها بعيداً خارج الحدود، مديرو شركات كبرى ومستثمرون كبار، عباقرة انترنت، أصحاب المليارات المعروفون، فنانون وكتّاب وعلماء ورجال دين . . . الخ . وبعضهم من الصعب معرفته: قادة شبكات إرهابية وجريمة منظمة تمتد من هونغ كونغ الى المافيات الروسية، مهربو الأسلحة والمخدرات وغيرهم من القابعين في الظل (يتلاعبون بأكثر من ألف مليار دولار تبقى خارج الدورة الاقتصادية العالمية الرسمية) . ما يجمع بين كل هؤلاء هو السلطة التي تمس حياة الملايين من البشر الذين يعيشون في أماكن متباعدة من العالم .

أقوى من في هذه الطبقة هم رجال المال والأعمال الذين لا تتوقف سلطاتهم عند حدود بلادهم بل تمتد بعيداً خارجها . فالصعود القوي للشركات متعددة الجنسية والمؤسسات المالية جعل من هذين القطاعين اللاعبين الاقوى في العولمة . هناك أكثر من 1500 شركة تحقق رقم أعمال أو تملك رأسمال يزيد على الخمسة مليارات دولار . تأثير قادة هذه الشركات لا شك أنه أقوى بكثير من سلطة رجال السياسة التي تقف عند الحدود الوطنية . نحن لا نتكلم هنا عن دول عظمى فقادتها ينتمون بالطبع إلى الزمرة التي تحكم العالم .

إحدى الظواهر اللافتة للعولمة هي قدرة بعض الشركات الخاصة على ممارسة دور اقتصادي واجتماعي يعادل أو يتخطى الدول . في العام 2007 كان حجم الإنتاج العالمي في حدود 47 ألف مليار دولار . وقد حققت وقتها أكبر 250 شركة رقم أعمال يزيد على 14870 مليار دولار، أي ثلث الإنتاج العالمي وأكثر من الناتج الداخلي الإجمالي للولايات المتحدة (13200 مليار) أو الاتحاد الأوروبي (13740 ملياراً) . وأقوى خمس شركات (وول- مارت، اكسون موبيل، رويال داتش شل، بريتيش بتروليوم، جنرال موتورز) حققت 1500 مليار دولار، أي أكثر من الناتج الداخلي الإجمالي لأي بلد في العالم باستثناء السبع الأغنى . هذه المقارنة تعني مثلا ان “اكسون موبيل” تتخطى السعودية التي تحتل المرتبة الخامسة والعشرين في لائحة البلدان الأغنى في العالم، و”جنرال موتورز” أغنى من تايلاند و”وول- مارت” من بولونيا . . الخ .

هل أثرت الأزمة المالية في هذه الطبقة؟ لقد كشفت عن حجم نفوذها على الدول والحكومات . فبعدما اجتازت حلقات متكررة من النمو والركود وبعد أن تضخمت فقاعتها المالية الى أبعد الحدود فانفجرت ومعها آمال وادخارات الكثير من الناس، بدت قادرة، رغم هول المصيبة، على استيلاد وسائل مالية جديدة ودفع الأسواق للعمل وفقاً لمصالحها أو لإنقاذ هذه المصالح من الإفلاس . المصرفيون الذين كانوا يقولون للحكومات إن كل شيء على ما يرام وينبغي عدم تدخل الدول في عمل الأسواق تمكنوا من إقناع هذه الحكومات نفسها بالتدخل لإنقاذهم من الإفلاس . في كل مرة كان السياسيون- بعضهم رجال أعمال ومال سابقون وبعضهم يستفيدون من كرم عمالقة البورصة- يتدخلون لإنقاذ الشركات والمصارف . هكذا ينجلي أمام أعيننا مشهد السلطة في حالتها الخام والعروة الوثقى ما بين المال والسياسة .

نقلا عن دار الخليج