مشاهدة النسخة كاملة : الوزير" الثائر المحافظ !


أبو فاطمة
06-24-2010, 09:24 AM
الوزير" الثائر المحافظ !

محمد الأمين ولد أحظانا / كاتب موريتاني

كتاب استهواني فقرأته:

"الوزير" الثائر المحافظ !


لقد تعرفت عن قرب على الصحفي اللامع، والوزير السفير الأستاذ محمد محمود ولد ودادي، حين حملت دفاتري إليه، وحاورته عن تجربته في الحياة مذ أفاق مما أسميته حينها "غفوة الطفولة اللذيذة"، كان هذا الحوار الذي قبل الأستاذ ودادي – كما يحلو لي أن أدعوه تعلقا بأذيال الطفولة، فقد كنت أسمع تقديمه لنشرة الأخبار وأنا حينها طفل صغير، فأعرف من بحة محببة في حنجرته الندية أنه ودادي- قبل إجراءه معي على السجية، فنشرته في يومية الأخبار* التي كنت أعمل بها محررا لصفحتها الثقافية، في أكثر من عشرين حلقة، كان هذا الحوار إذن مناسبة لأتعرف على هذا المثقف الذي لايشق له غبار، والوطني الذي تسرى فيه حميا حب الوطن والإيمان العميق بالدولة الموريتانية، والفخر المبالغ فيه برموزها وعناصر توحدها..

عرفت من هذا الحديث شخصا أحب الخير للناس، وعرف كيف يجمع في تجربته الفريدة بين متطلبات الموظف السامي في الدولة، ورب الأسرة الجانح على أسرته.. والثائر على أسباب تخلف المجتمع، والمحافظ على أهم التقاليد والأعراف العربية الإسلامية في هذا المنكب المغربي من الأرض المعروف قديما ببلاد شنقيط؛ واليوم ببلاد موريتانيا ..

بعد هذا الحوار الذي غطى تجربته مذ "حمل اللوح"، وحتى أصبح شخصية قيادية في أحد الأحزاب الكبيرة، عشت معه تجربة أكثر عملية، حين عملت معه في الحملة الانتخابية بعد الفترة الانتقالية الأولى 2007م،وقد اختارني أمينا على ديوانه عندما كان مديرا لحملة أحد المرشحين الرئيسيين، فتعرفت على شخص مثابر، وعملي، ومخلص..والأهم من ذلك قوي لا يشق له غبار..

وأخيرا أهداني كتابه الذي صدر عن الدار العربية للموسوعات وهو كتاب:

" الوزير": (تجربة وزير مدني في حكم عسكري1985-1987م)، فتركته لأيام دون أن أقرأه في انتظار أن أجد فراغا لقراءته، لكنني حين آويت ذات مساء إلي فراشي لأستريح من يوم عمل مضني، انتابني أرق، وما أكثر المؤرقات في أيامنا هذه، فأخذت الكتاب بنية أن أنعس به، فإذا بي أغرق في تفاصيله دون أن أشعر، كنت أقرأه كما لو أنني أقرأ قصة بوليسية وأنا مراهق مهووس بالقصص والحكي، وحين سمعت مؤذن الفجر ينادي طويت الصفحة الأخيرة منه.. ثم سألت نفسي عن السر في هذا الاندفاع المفاجئ في قراءة مذكرات رجل لا هو بالسياسي المعترف بأنه سياسي، ولا بالمحترف، ولا بالحاكم الذي حكم البلد، وعاث فيه فسادا شأن أغلب حكام عالمنا اليوم.. ومع ذلك فقد ارتشفته حتى آخر نسغ فيه من حروف.. فلماذا قرأته وكيف استهواني في الأصل حتى قرأته؟..

لقد كانت الفترة التي كتب عنها الأستاذ محمد محمود ولد ودادي فترة تَهُمني، وتُهِمني، لأنها الفترة التي عشت فيها عنفوان الشباب، وخيبة الأمل من الحركات السياسية التي ناضلت في إحداها مراهقا فشابا يافعا، وأبغضت فيها لحد الكراهية الأحكام العسكرية التي جاءت لتنهك البلاد، وتحولها إلي مكب للفساد وفتحتها على نافذة الاستهلاك النهم، دون أن تنجح ولو مرة واحدة في إنجاز برنامج تنموي يحقق للبلد طموحه، بل حولت الدولة بكافة مؤسساتها إلي كانتونات للاستجداء، لينعم القائمون على هذه المؤسسات بفتات المساعدات على حساب أغلب المواطنين، الذين تحولت ثروتهم الوطنية دُولة بين ثلة من الأغنياء بخلوا على أهليهم بقطعة خبز، وعلى وطنهم بثروة صارت إلي هوس لجمع المال الحرام، وإنفاقه في الشبهات ، فتحول هذا المال إلي حسرة على "مالكيه" لما عانوه من التخم، وأمراض السمنة والضغط والسكري، وجلد الضمير، وعذاب النفس، ووساوس الشيطان، والخوف من الفقر والمجهول.. بقدر ما عانى فريق آخر وهو جل من قدر عليهم المقام في هذا المنكب المنسي من الأرض، بحرمانهم من نصيبهم من هذه الثروة، عانوا التجهيل والجوع والعطش والأمراض والإحساس بالغبن، وتأنيب الضمير لعجزهم عن تغيير أوضاعهم والتحسين من شؤونهم..

الفترة التي كتب عنها الوزير الثائر على تلك الأوضاع بمنطق لبق لكنه عميق الدلالة، يحز في النفس، ويدرك صدى مدويا في أعماق المتلقى، هي الفترة التي احتفلت فيها البلاد في وسائل إعلامها، وتباهى قادتها وفنيوها الرسميون بأنهم أوصلوا البلاد إلي "قبولها في نادي الدول الأكثر فقرا".. وهذا المسعى البائس الهدف منه حصول طبقة تفوح بنتن الفساد على دولارات يأنف رجل أعمال متوسط من دولة متوسطة أن يعلن عنها ثروة شخصية له، فيتبجح بها "زعيم" دولة على أن جهازه أقنع الممولين بالحصول على هذه "الصدقة" المغموسة في حبر الذل والهوان ، والمكتوبة على ورق التعاسة والخسران.. وهي الفترة التي كانت صفة" المثقف" لعنة على صاحبها، وكانت النزاهة عيبا، واللصوصية شرفا، وضاعت هيبة الدولة وتحولت الرذيلة إلي ميزة، فان جادلت أحدهم فأغضبته، يثور في وجهك "ألا تعرفني، أنا اللص رقم واحد، والمجرم الأول، والشيطان الأكبر، أطير من الكف بدون جناحين..."! في هذه الفترة تحول موظفوا الدولة إلي معوزين، والمخنثون والقوادة إلي علية القوم ، وبيعت مؤسسات الدولة الرابحة بأبخس الأثمان، وأهدرت كرامة الإنسان... وقد كتب الوزير عن كل ذلك دون أن يجرح أحدا، وثار على الأوضاع التي كانت قائمة آنا ذاك بأسلوبه المعهود، وهو العمق في التناول والتحليل، والابتعاد عن الإثارة.. وربما كان هذا هو ما يميز موضوع الكتاب وطريقة تناوله..

كما أنني أزعم في هذا المقام أن الكاتب بذل جهودا جبارة لإعادة صياغة فقرات بأكملها، حسب ما استقرأته، خاصة حين بدأ يكتب عن ديوان الرئاسة، ومسلكيات القائمين عليه، وحين كتب عن التحولات التي عرفها المجتمع، أقول هذا رغم أنني لم أسأله ولم يقل لي كلمة عن الموضوع، إلا أنني أراهن على أنه فعل، لأن هناك جمل تم إبدالها بأخرى ، وجمل تم حذفها بالكامل ، وكلمات أبدلت بأخرى.. سأجازف وأضرب بعض الأمثلة وأتحمل النتائج.. ففي الحديث عن هفوات إدارة ديوان الرئيس ورد في الصفحة 103 الفقرة الثانية عند الحديث عن هفوات بعض الوزراء، حيث أن أحدهم سلم لرئيس دولة تونس رسالة إلى رئيس الجزائر، فغضب هذا المسؤول ، وهو الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبه الذي رد بغضب: (( أنا المجاهد الأكبر، بورقيبه رئيس تونس مدى الحياة ،فكيف ألتبس مع العسكر!)) حذفت هنا فقرة تتعلق بنعت للوزير صاحب الرسالة تتضمن تنقيصا بفعلته الشنيعة تلك.. وربما التعليق على الجملة الأخيرة من كلمة "المجاهد الأكبر"، المتعلقة بالعسكر.. كما صرح أحدهم في دولة خليجية باسم رئيس دولة أخرى، ومن الواضح أن أصل المذكرات ضم سخرية من هذا المسؤول تم حذفها.. أما الجملة الأخيرة من هذه الفقرة فقد حذفت منها أيضا جملة تعبر عن انطباع ونعت، فقد وردت الفقرة كالتالي: (( وفي ظروف الديوان الحالية يمكن لهذه الهفوات أن تتكرر)).. وأنا أتصور الأصل كالتالي" في ظروف الديوان التي تعبر عن عجز وارتباك لا نظير لهما يمكن لهذه المآسي أن تتكرر.." والأمثلة في النص لا تحصى، وقد دونت الكثير منها على سبيل الفضول لأراجعها مع صاحب الكتاب، الذي أراهن أيضا على أنه لن ينكر إن كنت أصبت،فقد عرفت فيه الصدق والصراحة والعفوية..

أعجبني في كتاب "الوزير" الثائر أنه جمع فيه بين الثورة العميقة الهادئة على الواقع، والدعوة إلي المحافظة على التقاليد الاجتماعية التي تشكل عصب الوحدة الوطنية، والبطانة الوجدانية للنسيج الأتني الموحد في إطار الدولة الوطنية الناشئة، وهذا القلق البالغ على النسيج الاجتماعي الذي بدأت توجه له "ضربات تشدها ضربات"، من جهات لا يقودها في عملها ذالك إلا شعور بالبغضاء اتجاه طرف دون أن تكون هناك مبررات لهذا الحقد والبغضاء.. لقد قام الكاتب في حديثه الشيق عن الثقافة الوطنية بمحاولة ناجعة لترك الانطباع بأن الذين يسعون في هذا النهج إنما يضربون في حديد بارد، وأن عوامل الوحدة الوطنية أقوى من كل مشاعر الكراهية المصطنعة.. ورغم أنه لم يفصل في الموضوع بما فيه الكفاية إلا أنه في تناوله للموضوع دغدغ المشاعر الدفينة بالحب المتبادل، والتعايش التاريخي والثقافي بين مختلف القوميات الموريتانية، وهو ما برع فيه لحد يبرهن على أنه كان صادقا مع نفسه أثناء كتابته لتلك السطور فترك انطباعا لدي باعتباري قارئا بأن ما جرى في البلد بعد الفترة التي كتب عنها كان يطبخ في تلك الأيام ، وأن دافع الغيرة على الوطن كانت من وراء التحذيرات الضمنية التي وردت في هذا الباب من الكتاب.

ما أوصل الكتاب إلي قمة الإمتاع والمؤانسة هو حديث السفير محمد محمود ولد ودادي عن وداعه لدمشق وأهل دمشق، فقد كانت كلماته في هذا الباب تنضح بالعاطفة ، وبحب تلك البلاد، والمثل العربية الأصيلة التي تقوم عليها فلسفة الحكم الدمشقي، وبحب بلاده التي كان سفيرا لها في هذه البلاد..

أما أول خيط شدني إلي هذا الكتاب، فهو هذا الإهداء الرائع الذي تصدر الكتاب، ففيه ما فيه من تحضر لا تكلف فيه، وإنسانية لا غبار عليها، وثورة لا تلين على بعض التقاليد المعششة في أذهاننا، فمن الصعب على مثل وزيرنا في مجتمع كمجتمعنا أن يصدِر كتابه بإهداء رائع كهذا إلا إذا كان من طراز الأستاذ ودادي، فله على هذه تحية خالصة مني. أما آخر خيط ربطني بكتاب الوزير فهو ذكره للأخطاء الشائعة وتصويبها، فكثير منها يدل على إلمام عميق بفقه اللغة ومعرفة أسرار العربية..

وآخر كلامي في الموضوع هو أنني اكتشفت بعد مقارنتي للكتاب بما عرفته مشافهة من الأستاذ الوزير والسفير والكاتب والصحفي الكبير ، فوجدت أن ما كتبه هو ماعرفته منه ، ولعل هذا أحد أسرار انجذابي إلي قراءته، والاستمتاع بفصوله..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
*هذه الفقرة تصدرت أول حلقات الحوار المذكورة، أعيدها هنا للتذكير فقط.

"في بيته الفسيح بتفرغ زينه كان اللقاء الذي أردت من خلاله، أن أسبر أغوار هذا الرجل الذي عرفته بحنجرته الندية، وبحته المحببة قبل ثلاثين عاما، لكنني لم أوفق في التعرف عليه إلا في التسعينات، ولم أحدثه عن كثب ونتبادل التعارف إلا في بداية سنة2006 ..

في نهاية الستينات كنا ونحن صبية نحرنجم حول المذياع لنسمع صوت ذلك الشاب النابض بالحيوية، وهو يقدم نشرة الأخبار من إذاعة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وكنت حينها أتصوره عملاقا نافر العضلات لمته تطاول السماء، وصدره يتسع لركب من الناس..

الأستاذ محمد محمود ولد ودادى، الذي عاصر دولة الاستقلال وكان صانع إعلامها المعاصر دون منازع، لم يكن كما تصورته وأنا طفل.. إنه رجل لطيف، يترك لديك الانطباع بأنه أكثر من عادي، لكن حين يحدثك تكتشف كم هو شخص واسع الثقافة، محب لوطنه، يعرف بعمقه وثقافته الواسعة كل شيء عن أرض البيظان ، وأهلها.. وبأسلوبه الرصين ، ونكهة الدبلوماسية في ملامحه يبدأ معنا حديثا شيقا ، ثريا، وعميق الدلالات.. حديثا يعيدنا لفترة من أخطر مراحل تأسيس الدولة الوطنية الحديثة"...

نقلا عن الأخبار