مشاهدة النسخة كاملة : هتك الأسرار الدولية.. و"اتفاقيات التعايش"


أبو فاطمة
06-24-2010, 02:51 AM
هتك الأسرار الدولية.. و"اتفاقيات التعايش"



راكان المجالي

بصرف النظر عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي كانت وراء متوليات التصدع المستمرة في العلاقات التركية الإسرائيلية مؤخراً، فإنّ بعض التصريحات الأخيرة، أوروبية كانت أم إسرائيلية أم أميركية، تدفع إلى محاولة رؤية الأحداث من زاوية أخرى. فأن يقول مصدر أوروبي مرموق، مؤخّراً، بأنّ "أوروبا أخطأت في التعامل مع تركيا بشكل فادح، ما دفعها بقوة نحو الشرق"، لهو أمر يدعو إلى التأمّل.

فثمّة من يرى هناك، على ضفّتي الأطلسي، بأن ما حدث، تركياً وإسرائيلياً، ويستمر في الحدوث، شأن يستحق أن يؤخذ على مستوى التحوّلات الإستراتيجية. ليس بالمعنى الثنائي للعلاقة بين دولتين من دول المنطقة، بل بجوهر "الفكرة الغربية"، المنشئة لدولة "إسرائيل" في قلب الشرق العربي، بما هي الوجود الغربي نفسه، ولكن بصورة مغايرة للوجود الذي عرفه العرب، قبل نحو ألف عام، على هيئة "مملكة القدس الصليبية". ذلك أنّ الإنشاء الغربي لذلك الوجود، والتأسيس له لمدة تنوف على قرن من الزمان، توحى أن يكون دائماً ونهائياً، عبر تجاوز أخطاء الماضي التاريخية، وعلى رأسها تأمين البيئة المحلية اللازمة والضرورية لضمان استمرار وديمومة هذا الوجود. وهو ما حدث فعلاً بعيد الحرب الكونية الثانية، فباستثناء المحيط العربي الذي تمّ اختراقه في أواخر السبعينيات بمعاهدة "كامب ديفيد"، فقد تمّ تأمين معظم ذلك الجوار، للوجود الغربي الدائم في الشرق، ممثلاً في الدولة العبرية، بدءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، مروراً بإيران الشاه، وصولاً إلى تركيا المتمثلة في الأجيال الحاملة لـ " فكرة أتاتورك "، الداعية إلى إدارة تركيا لوجهها نحو الغرب، على اعتبار أنّ الشرق هو سبب تخلّف تركيا السابق. وهي فكرة وجدت طريقها إلى التطبيق، عبر العقود الماضية، من خلال تبنّي الدولة التركية للحروف اللاتينية في لغتها بديلاً للحروف العربية، مروراً بتبنّي أساليب الحياة الغربية وقيمها. ما خلق نوعاً من الانفصام، على مستوى الشخصية الوطنية التركية، وفي مجالات عديد، والذي لا يزال مستمراً إلى اليوم.

إذاً، فبدايات تصدّع العلاقات التركية الإسرائيلية، الذي وصل إلى إحدى ذُراه في جريمة أسطول الحرية، أمر جدير، غربياً بشكل عام وأوروبياً على نحو خاص، بأن يُرى كمتغيّر إستراتيجي، في مضامين العلاقة بين الغرب والشرق التاريخية. وهو أمر بالغ الدقة والصحّة في آن معاً، بل إن ذلك يكشف أحد الأسرار التاريخية لاستمرار الوجود الفجّ للدولة العبرية، الذي عبّر عن نفسه تاريخيا بالاستهتار بالقوانين الدولية، فضلاً عن الاستهتار بقيم حقوق الإنسان وشرعتها، مستنداً دوماً إلى من يحميه ويغطّيه في المحافل الدولية، تماماً كما يحدث الآن في تداعيات العدوان على أسطول الحرية، وكما حدث، طوال أكثر من ستين عاماً، في التستر الغربي على امتلاك الدولة العبرية للسلاح النووي، ناهيك عن أشكال التواطؤ الغربي المختلفة، في تمكينها من امتلاك وسائل إنتاج ذلك السلاح، بدءاً من الصمت ووصولاً إلى الصفقات السرية، التي بدأت تتكشف بعض فصولها تباعاً.

ففكرة الدولة اليهودية هي شَركٌ، تمّ رميه، بعنف وخُبث، في وجه المنطقة العربية، منذ أكثر من قرن من الزمان. فالقول بالطبيعة الدينية اليهودية، لتلك الدولة، وفرض تعلّم اللغة العبرية على من يريد القدوم إليها، من اليهود، بما في ذلك المواطنين العرب الأصليين، يخفي الجذور القومية لمشروع إنشائها المستمر، بل ويخفي كذلك جوهر الصراع المتواصل في المنطقة، حتى قبل الإعلان عن تأسيسها.

ونقول جذوراً قومية لمواطني تلك الدولة، وليس جذراً واحداً، ما يجعل ما تم التعارف عليه بالمشروع الصهيوني هو في جوهره مشروع استيطان، أوروبي وغربي دائم في الشرق. وربما هذا ما يفسّر التأييد الدائم والمستمر، من قبل كل الدول الأوروبية والغربية، على اختلافها، ومهما تغيرت إداراتها السياسية، لدولة الاستيطان الغربي في الشرق، وبالتحديد في الأرض المقدسة.

ومن دون انزلاق إلى مفاهيم الصراع الديني، الذي طغت مفاهيمه على جوهر الصراع في المنطقة، في العقود الثلاثة الأخيرة، فإنّ هذا المشروع الاستيطاني، بهذا الفهم، يكون هو المحاولة الأوروبية الجديّة الثانية، للاستقرار في الشرق، بعد المحاولة التي عرفت في التاريخ بالحروب الصليبية، وسمّاها العرب في حينه بحروب الفرنجة، تمييزاً لطابعها القومي "الفرنكي / الفرنجي، نسبة إلى فرنكيا أي فرنسا" عن شكلها الديني، التي حاولت التخفي به، برفعها للصليب رمزاً، لتحريض وحشد الشعوب المطلوب حشدها خلف تلك الحروب. وهو استقرار أوروبي في الشرق أنهاه صلاح الدين الأيوبي، كما هو معروف، وصدّ محاولاته اللاحقة المماليك، ومنعه تماماً العثمانيون، طوال أربعة قرون، حين أغلقوا مفاتيح الشرق على الأوروبيين، طيلة تلك الفترة حتى نهاية الحرب الكونية الأولى، التي بدأ بها ومعها مشروع الاستيطان الأوروبي الجديد في الشرق، وفي الجغرافيا نفسها، التي استهدفتها حروب الفرنجة، مع اختلاف " خبيث " واحد، هو الشكل الديني لذلك المشروع، ومن دون أن يغيّر ذلك في طبيعة وجوهر المشروع شيئاً، بما هو استيطان أوروبي إجلائي في الشرق. وأهم أهدافه هو الاستمرار والبقاء والاستقرار، ومن ثم الهيمنة على الشرق كله، بالقوة وبالنفوذ.

ولم يكن غريباً، قبل أكثر من ثلاثة عقود، وبعد احتلال كامل فلسطين التاريخية، أن يعود جوهر الصراع إلى الانفجار مجددا، معلناً عن ماهيّته، ومنتصراً على كل الأشكال التي أريدت له، حين انتفض العرب في الجليل، في آخر من العام 1976، دفاعاً عن الأرض العربية التي تتآكل بالاستيطان الأوروبي في: يوم الأرض.

ومن المفارقات، أن يكشف رئيس هيئة أرض فلسطين، قبل نحو عام ونصف العام، في بحثٍ علمي رصين، أن مساحة قطاع غزّة، وفق اتفاقية الهدنة لعام 1949، بين تلك الدولة وبين مصر، كانت 555 كم2، وليس 362 كم2، كما هو متعارف عليه وشائع الآن. وأن ذلك تم باتفاقية سرية هي "اتفاقية التعايش"، بين الطرف المصري والطرف الإسرائيلي، في العام 1950، أي بعد نحو عامين على النكبة، وعام واحد على توقيع اتفاقيات الهدنة. هذا فضلاً عن المحاولات، الجارية منذ عقود، للسيطرة على أراضي النقب الخاصة، وسحبها من أيدي مالكيها من القبائل البدوية العربية، عبر حرمانهم من شرعية وجود قراهم، والاعتراف بها. ما يمنعهم من الحصول على كل شروط الحياة المعروفة اليوم: ماء، كهرباء، طرق، مدارس..إلخ.

لاشكّ أنّ الأتراك، بدولتهم الحديثة وبإرثهم العثماني الإمبراطوري الممتدّ، يعرفون الأسرار كلها، وخصوصا أسرار التركيب والتراكب الدولي الحديث للدول، والذين ارتضوا المشاركة فيه بعد الحرب الكونية الأولى. ولا شكّ أيضاً أن التأمين الغربي لاستمرار وجودهم في الشرق، باتفاقيات التسوية العربية لم يكن سوى اتفاقيات تعايش، والدولة العبرية تعرف ذلك مثلهم تماماً. ولا شكّ كذلك، بأن ما يحدث اليوم، وتحمله السياسة التركية بزخم محسوب، لهو أمر يقارب هتك الأسرار الدولية، بمــا فيها "اتفاقيات التعايش"، التي تــمّ تمريرها زوراً بـاسم "اتفـاقيات السـلام"...!!؟

نقلا عن المركز الفلسطيني